النظام وإيران هما أكبر رابح في الشمال السوري؟

2017-3-10 | النظام وإيران هما أكبر رابح في الشمال السوري؟

بقلم: حسي الخلف / كاتب سوري

شهد الشمال السوري مؤخرا تداخلات دولية معقدة صبت كلها في مصلحة الأسد وحليفته إيران. فقد وصلت في الأيام الماضية ميليشيات الأسد الضفة الغربية لنهر الفرات ومحطة ضخ الخفسة، وأعلنوا بدء تشغيل المحطات وأن المياه ستصل حلب خلال مدة قصيرة، بعدما قطعها تنظيم الدولة عنها مع تهجير آخر دفعة من أهل حلب.

كما إن دمشق-بتواصلها الجغرافي مع الحسكة- لن تسبح مرة أخرى، قريبا، في الظلام الذي خيم عليها في الأيام الماضية إثر تفجير جماعة الدولة لآبار وشركات النفط في ريف حمص الشرقي!

كيف سارت الأمور في حلب وريفها الشمالي الشرقي؟ وما هي الأهمية الإستراتيجية لما آلت إليه الأوضاع الميدانية هناك؟ وكيف صبت في مصلحة الأسد وإيران من كل الجوانب؟ هذا ما سنحاول أن نجيب عليه.

أقدم الأمريكيون على اتخاذ خطوات متسارعة كي تتصل المقاطعات الكردية ببعضها البعض ليكتمل إنشاء كردستان سوريا باعتبارها لبنة ثانية بعد كردستان العراق لإتمام مخطط برنارد لويس (إعادة تقسيم المنطقة على أسس طائفية وعرقية).

كانت البداية مع معركة عين العرب في نهاية عام 2014، ثم تل أبيض في يونيو 2015، لتكتمل عملية الربط بين مقاطعتي الجزيرة وعين العرب جغرافيا، ثم بعد ذلك التمدد غرب الفرات وصولا إلى منبج ساعين لتحقيق التواصل الجغرافي مع مقاطعة عفرين.

في المقابل، أفرغ الأتراك حلب من بعض فصائل الجيش الحر في نهاية 2014، وزجوا بها في معركة عين العرب، ليتبين لهم فيما بعد أنهم ما كانوا إلا مطايا لتحقيق مشروع الانفصاليين!

بعد سقوط تل أبيض بيد الانفصاليين وتهجير سكانها العرب منها بدأ الأتراك يتحسسون خطورة الواقع الجديد. ثم أُخرج الأتراك خارج اللعبة في سوريا إثر إسقاطهم الطائرة الروسية في شهر 11/2015 -ربما الولايات المتحدة هي من أوعزت لهم بذلك- ليتابع المشروع الجديد خطاه نحو الانفصال ويعيش الأتراك على أوهام الوعود الأمريكية بانسحاب الميليشيات شرق الفرات!

ثم تابع الانفصاليون بدعم أمريكي غير محدود تقدمهم غرب منبج باتجاه مدينة الباب، ليقدم الأتراك بعد ذلك أكبر التنازلات للروس وأتباعهم مقابل السماح لهم بالتوغل في الشريط الحدودي وقطع الطريق أمام الانفصاليين.

وكتب مدير برنامج الأبحاث التركية في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، سونر جاغابتاي، مقالة تحت عنوان "العلاقات التركية-الروسية بعد إذابة الجليد بين اردوغان وبوتين"، قال فيها "إذا كانت تركيا تريد التدخل ضد "تنظيم الدولة" في سوريا ومنع تقدم الأكراد وهزيمة "حزب العمال الكردستاني" في أراضيها، فقد تفعل كل ما هو ضروري لإرضاء موسكو". نعم لقد فعلت تركيا كل شيء حتى تسليم حلب للنظام لإرضاء موسكو! أرسل اردوغان في 27 يونيو رسالة إلى موسكو معبرا فيها عن أسفه لإسقاط الطائرة الروسية، لتحصل في اليوم التالي 28 يونيو تفجيرات مطار إسطنبول! ليجري أردوغان في اليوم التالي للتفجير في 29 يونيو اتصالا مطولا مع بوتين أعد له مسبقا!

أما إيران، فقد تعرض "حرسها الثوري" خلال الفترة نفسها، بدءا من 13 يونيو، حتى نهاية الشهر لهجمات عنيفة من قبل الأحزاب الكردية الإيرانية انطلاقا من كردستان العراق؛ هدد في إثرها نائب قائد الحرس الثوري حسين سلامي بالتدخل ضد قواعد المجموعات المسلحة في شمال العراق. وتلا هذه الاشتباكات لقاءات متسارعة بين الدبلوماسيين الأتراك والإيرانيين وتقوية للعلاقات بين الطرفين.

وزار وزير خارجية إيران محمد جواد ظريف أنقرة في 12 أغسطس 2016، ثم زار وزير خارجية تركيا مولود جاويش أوغلو طهران في 18 أغسطس 2016، لتبدأ تركيا بعد ذلك بستة أيام عملية درع الفرات والدخول إلى جرابلس!

هنا لا بد من الإشارة إلى أن إيران تتشارك مع تركيا الخوف من نشوء إقليم كردي في سوريا. فقد تعرضت هي نفسها ومازالت تتعرض لمحاولات انفصال عديدة من قبل الأكراد: ثورة سمكو (1922-1918)، والتي ينظر إليها باعتبارها أول محاولة كبرى لإقامة دولة كردستان الكبرى المستقلة داخل إيران، ثم قيام جمهورية ماهاباد الكردية في العام 1946 بدعم من الاتحاد السوفيتي سابقا -لم تدم إلا مدة قصيرة-، ثم الثورة الكردية في عام 1967، التمرد الكردي في 1979، محاولة حزب الحياة الحرة الكردستاني 2004-2011.

بدأ الأتراك في 24 أغسطس عملية درع الفرات والتوغل في جرابلس، العمود الفقري لهذه القوات كان من فصائل حلب وريفها، فقد أُفرغت جبهات وتعطلت أخرى في حلب لمصلحة عملية درع الفرات (شهادة أبو العبد أشداء أمير حلب)؛ فلا أدري لماذا سلم الأتراك حلب للنظام مقابل تحقيق هدف مشترك لهم وللنظام وإيران!

يقول الكاتب الفلسطيني الباحث في الشأن التركي، سعيد الحاج، في مقالة نشرتها "الجزيرة.نت" تحت عنوان "تركيا والأزمة السورية ملامح مرحلة جديدة": "الثابت الوحيد في الموقف التركي من الثورة/الأزمة السورية كان التغير الدائم على مدى السنوات السابقة؛ بناء على تفاعل ثلاثة عوامل هي: الواقع الميداني السوري، والمشهد التركي الداخلي، والموقف الدولي من الثورة السورية".

لعل الثابت الوحيد في الموقف التركي هو الخوف من الإقليم الكردي، وربما كان "الخط الأحمر" الوحيد عند الأتراك! فقد أوشكوا على الإجهاز على الثورة بسبب هذا الهاجس!

سقطت حلب بيد النظام وسقطت مدينة الباب بيد الأتراك لنصحو بعد ذلك على واقع ميداني خطر، ألا وهو استغلال النظام الضعف الذي أصاب "تنظيم الدولة" والتمدد في أراضيها محققا الاتصال الجغرافي مع الانفصاليين في منبج والوصول إلى مياه الفرات.

أما خطورة الأمرين، فالنظام تحرر من تحكم جماعة الدولة في مياه الشرب لمدينة حلب، ولن يستطيعوا مرة أخرى فرض إملاءاتهم على النظام مقابل الحصول على الماء! وكذلك تتيح له هذه الخطوة الحصول على كميات من القمح من تلك المنطقة!

أما الأمر الآخر، فبالاتصال الجغرافي بين النظام والانفصاليين، ما عاد انفصاليو مقاطعة عفرين والنظام في حاجة لنفط دير الزور والقمح الذي كان يمر عبر أراضيه، ولم يعودوا محتاجين لإجراء أي تبادلات تجارية معه والسماح للمؤن بالعبور إليه، كذلك لم يعودوا مضطرين للسماح لنفط دير الزور بالعبور إلى إدلب! وهذا يعني أن دمشق خلعت ظلام ليلها الذي كُسيت به ونقلته لنا وسائل الإعلام في الأيام الماضية عن طريق حصولها على النفط من الحسكة؛ وأصبح بمقدورها أن تكسوه ادلب! ربما سنعيشه قريبا!

في المقابل، سيتمكن الانفصاليون من بيع نفط آبار الحسكة ويجنون أموالا طائلة تمكنهم من الاستمرار والاستقرار والحد من هجرة السكان. وقد كتب مدير الأبحاث في جامعة ليون 2، ابريس بالونش، مقالة نشرها معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى تحت عنوان "استدامة كردستان السورية والإستراتيجية الإقليمية لحزب العمال الكردستاني"، قال فيها: "قد يكمن الحل الوحيد في إقامة اتصال جغرافي غربا مع حلب والمنطقة التي يسيطر عليها النظام". يقصد تسويق النفط والحصول على دخل ثابت وتحقيق تقدم اقتصادي في تلك المنطقة.

في النهاية، سيجني الانفصاليون بعض الأرباح، ولكن الرابح الأكبر من الواقع الجديد هما النظام وإيران؛ فقد حققت إيران هدفها في منع نشوء الإقليم الكردي، واستطاع النظام الوصول إلى ضفة الفرات والحصول على المياه مباشرة وكذلك القمح والنفط من الانفصاليين لاحقا، كما إنهم قد سيطروا على حلب المدينة الأهم في الشمال السوري.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر