عن الهوس بالحديث عن خلاف روسي إيراني: معارك الافتراضات

2017-1-28 | وائل عصام عن الهوس بالحديث عن خلاف روسي إيراني: معارك الافتراضات

الهروب لواقع افتراضي هو ما يقوم به العاجزون عن مجاراة واقع النزاع، ولعل "أصدقاء سوريا" من الحكومات العربية وأنصارهم لجأوا لفضاء الإعلام لتشكيل واقع مفترض مريح في أذهان الناس للهروب من تحمل مسؤولية الإخفاق الهائل في حماية حواضر السنة بالمشرق، باختراع انتصارات وهمية، وتوقعات فلكية، وتنجيمات ما ورائية، تناقش بالفضاء، وتنتعش في البيئة الافتراضية، لا أثر لها على أرض الواقع.

فكل ما يطرح منذ سنوات يتحدث عن أقوال وتوقعات فقط، بينما ما يحدث فعلا هو عكس ذلك. وبما ان الذاكرة العربية تنسى بسرعة، تجد بائعي هوى الاستغفال ينشطون باستمرار، فمن يبشر الناس بعواصف حازمة ستخلع أركان الطغاة، ثم ينسى الجمهور فتعود القصة نفسها بنسخة جديدة عن تحول القوة الاقتصادية الهائلة لأصدقاء الثورة من الحكومات العربية الغنية إلى سلاح لتركيع روسيا وشراء بوتين ليتخلى عن الأسد، في صفقة تبقى افتراضية حتى إن ملأت أخبارها الصحف والمواقع الاجتماعية الافتراضية أيضا، ليبقى الواقع الصارخ يقول إن تلك الدول تملك أضعاف ما تملكه إيران من المال والثروة، وترسانات الطائرات الغربية، ولكنها لم تنجز الصفقة الأسهل والأربح باستضافة لاجئ سوري أو عراقي واحد، ولم تطلق رصاصة واحدة على مَنْ هجرهم وقتلهم، لأن المال بلا عقيدة هوياتية في الصراعات الوجودية تعني تحويلك لغنيمة حرب دسمة لا أكثر.

وهناك جيل آخر من اسطوانات التنويم والتخدير لنسيان خذلان من سلموا سيف دمشق لبوتين، تتحدث عن خلافات الروس والايرانيين في سوريا.. وكأنه خلاف بين طرفين احدهم مناصر لقضايانا، والأخر معارض له، أو أنه خلاف حول مصير الأسد الذي دعمته الدولتان الروسية والإيرانية بأقصى أفعال الدعم، وهو دخول الحرب والتضحية بابنائهم، رغم أن الخلافات من الطبيعي ان تحدث بينهم في أطر ثانوية، حرصا على مصالحهم هم وليس مصالحنا.

هكذا يتم تجنب غضب الجمهور العربي، بالحفاظ عليه سعيدا مطمئنا، فالتركيز مثلا على وجود خلاف روسي إيراني في سوريا (بدلا من انتقاد حلفاء الثورة الذين تخلوا عنها) هو تماما مثل اقناع المذبوح من الوريد للوريد بنسيان ألمه والاستمتاع بمتابعة خلافات الجزارين حول تقاسم أوصاله.

ولإكساب الروس صفة المحايد والحليف، كان لا بد من اختراع قصص وتأليف روايات، عن روسيا وجيشها الذي يكاد يصبح عدوا للنظام السوري وليس حليفا له. فكان من الممكن أن تسمع مثلا خبرا يتداول عن إن جنرالا روسيا يدعى داساييف هاجم وانتقد الجيش النظامي السوري، ثم يتبين لاحقا أن داساييف ليس سوى جنرال وهمي لا وجود له، إلا حارس منتخب الاتحاد السوفييتي قبل عقود.

ويمكن حتى اختراع واقع عسكري جديد مكتنز بالسذاجة، يتحدث مثلا عن خطة لتحرير العاصمة فجأة من فصيل ظل يتحدث لسنوات عن ساعة الصفر لإسقاط دمشق، بينما هو غير قادر على فك حصاره منذ ثلاثة أعوام بغوطة دمشق، وبينما ظلت المعركة مستمرة لأربع سنوات في حلب لإسقاط فرع أمني واحد وهو المخابرات الجوية، ولإسقاط مركز المدينة كذلك، فإن الرواية تقول إن كل فروع الأجهزة الأمنية في دمشق وهي الأكثر قوة وتحصينا، كانت ستسقط هي والعشرات من أحياء دمشق المركزية في يومين بعد أربع سنوات من خطط مشابهة ظلت افتراضية، ومن فصيل محاصر لا يملك خط إمداد واحد.

كل هذه الخطط الافتراضية أصبحت محل تندر لسكان مناطق المعارضة أنفسهم، لأنهم يعرفون أن هذه المجموعات غارقة في الفساد ولا تستطيع فتح معركة حقيقة واحدة لارتهانها لذهنية ضحلة، عسكريا وإداريا، بل لاختراقها من قبل النظام نفسه في بعض الأحيان، كما حصل في شرق حلب. ولاحظوا أن كل هذه الخطط ظلت في واقع الافتراض، وتسبقها دائما كلمات مثل، "لو.. كنا سوف.. كنا على وشك.."، وكلها جاءت بعد سنوات طويلة من خطط مشابهة تبدأ بالعبارات نفسها، كنا على وشك .. لولا، والأشهر على الإطلاق عبارة ساعة الصفر.

ومن لافروف نصير الثورة ستسمعون قريبا عن بوتين منقذ الثورة، ربما كمقدمة لاندماج كتائب "ثورجية" مع النظام للقتال إلى جانبه ضد من بقي يقاتله من الجهاديين، بإشراف روسيا التي قتلت آلاف السوريين وبرعاية الضامن الرسمي الجديد، وفقا لبيان الاستانة، إيران، وكلها دول كانت قبل شهور، حسب ذاك الإعلام المتناقض، آلة الشر وحامية النظام ومسعرة الحرب قبل ان تصبح الدول المشتركة بالحرب هي نفسها راعية وضامنة للسلام في براءة اختراع جديدة بعلوم السياسة والنزاعات، صنعت في الاستانة.

مناخ الغوغائية الذي يخيم على كثير من الأطروحات، هو أكثر ما يفرح النظام، لأنه يضمن تغييب الحقائق وخداع الناس وشعورهم الزائف بالطمأنينة والحفاظ على آلية تفكير سطحية، تنتج بالمحصلة ما نعيشه من هزائم وتراجعات، فكيف سنحل المشكلة إذا لم نعترف بها بداية؟ هكذا يتمكن الخصم أكثر فأكثر من التوغل بين جنباتنا بينما نحن نيام في العسل.

وهو مناخ أخذ ينتشر في العالم، معتمدا على سهولة خداع عوام الناس وإيهامهم بعدم قدرتهم على تدقيق المعلومة، إضافة لميلهم لانتقاء المعلومات التي ترضي قلوبهم لا عقولهم، بحيث أصبح ما يصف تغييب الحقائق عن الجمهور واعتمادهم على الرغبوية والغوغائية الشعبوية في توجيه سلوكهم، مصطلحا معتمدا جديدا في القواميس الغربية، وتداولته عدة صحف غربية مؤخرا، تحت اسم "ما بعد الحقيقة"، معلقين على دوره في تحفيز الجمهور للتصويت بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ومن ثم انتخاب ترامب، بتشكيل وعي مزيف للناس بناء على معلومات مختلقة ورغبوية تنتشر في محيط معين وتستغل انغلاق كل مجموعة على نفسها فيما يعرف بـ"الفقاعة".


تم غلق التعليقات على هذا الخبر