هل سينجح أم "بطة عرجاء" أم سيُغتال: ترامب يعلن حربا سياسية

2017-1-22 | هل سينجح أم

بقلم: أحمد ماهر العكيدي / كاتب ومدون عربي

من وعود ترامب إطلاق الحرية لرجال الدين لممارسه السياسة وإلغاء القيود التشريعية المفروضة على الكنائس ورجال الدين والتي تمنعهم من ذلك.

في فرنسا العلمانية، أعلن المرشح اليميني الذي حقق نجاحات مبهره في الانتخابات التمهيدية عن توجهه الديني المسيحي الكاثوليكي وافتخر بذلك، وقال إنه سيعمل على تطبيقها عند فوزه، مضيفا أن الشمولية الإسلامية هي العدو، وأن "الاجتياح الإسلامي الدامي لحياتنا ينذر بحرب عالمية ثالثة".

ويتعهد ترامب في أول خطاب رئاسي له بمحونا، قائلا: سنمحو الإسلام العنيف من على وجه الأرض.

وقد عنونت صحيفة "نيويورك تايمز" افتتاحيتها قبل يومين: "السيسى النسخة الأمريكية"، لما من تشابه كبير بين الزعيمين الديماغوجين.

والناظر لمجمل الرسالة التي أراد الرئيس ترامب توجيهها في خطاب التنصيب يظن أنها موجهة للداخل وتتمحور حول "اشتر الأمريكي ووظف الأمريكي".

لكن لو تعمقنا قليلا لوجدناه يحوي رسائل متعددة: فهو أول خطاب لرئيس يهاجم طبقة السياسيين في واشنطن ويقول إنها فسدة اغتنوا على حساب الشعب.

تلك الطبقة التي يهاجمها "ترامب" في نفسها التي يتشكل منها حزبه الجمهوري نفسه، وتؤكد الرؤية التي ينظر بها إلى كل المؤسسات باعتبارها متواطئة.

ووفقا لصحيفة "نيويورك تايمز"، فإن توجهاته سينتج عنها مذبحة أمريكية وستفقد الصناعة الكثير من فرص العمل، وهذا لا يتناسب مع ما أعلنه عندما قال أمريكا أولا.

"ترامب" في خطابه قال معرضا بأوروبا ومنكفئا: لن ندافع عن حدود دول أخرى ولن ندعم جيوشا أخرى، فأمريكا ستدعم جيشها للدفاع عن حدودها.

ثم يغازل الطبقة الوسطى متلاعبا بمشاعرها، فيقول لقد انتزعت ثروة الطبقة الوسطى لمواطنينا من منازلهم، وأعيد توزيعها على العالم بأكمله.

والملفت للنظر أنه يستعير أفكار وعبارات السيسى "أريدكم أن تتحملوا يا أمريكيين"، فيقول: سنواجه التحديات. وسنتحدى الصعوبات. وسننجز المهمة.

كما استعار ترامب فقرات من حوارات الأفلام المشهورة: افتار والنحلة باري وباتمان في مشهد هيلوودي كوميدي لم يحدث من قبل..ننقل منه فقرتين:

من النحلة باري: نحن أمة واحدة.آلامهم آلامنا وأحلامهم أحلامنا، ونجاحهم نجاحنا. نحن نتقاسم قلبا واحدا ووطنا واحدا.

من افتار:

وسواء ولد الأطفال في مدينة ديترويت أو في سهول نبراسكا، فإنهم ينظرون إلى السماء ذاتها ليلا، ويملأون..الخ

كما امتلأ خطابه بنصوص من العهدين القديم والجديد، فلم تعد أمريكا علمانية ومتصالحة مع الدين كما كان يبدو بل خلطت الدين بالسياسة.

وقد اقتبس من العهد القديم عبارة ذات دلالة عن أنهم شعب الله المختار: يقول لنا الكتاب المقدس: "ما أجمل أن يعيش شعب الله معا في اتحاد".

توعد أيضا الإسلاميين، حركيين ومعتدلين، فقال: سنوحد العالم المتحضر ضد الإرهاب الإسلامي المتطرف، الذي سنزيله بشكل كامل من على وجه الأرض.

وأكد أن أمريكا والأمريكيون محميون بحماية الرجال والنساء العظماء في الجيش الأمريكي وهيئات فرض القانون، والأهم هو أن الرب سيحميها.

أمريكا التي اخترعت العولمة وسيطرت من خلاها على اقتصاد العالم تناقض ما يقوله ترامب بالانكفاء والتوجه للداخل، وسوف لا يسمح له أحد بتحقيقه.

أمريكا متداخلة في كل جزء في العالم، فلما تسحب نفسها مرة واحدة، فهذا معناه فوضى وصراعات وحروب وإعادة ترتيبات أحلاف واختفاء دول وظهور دول.

كما إن الصراعات التي أدارتها أمريكا هي في حد ذاتها موارد اقتصادية أو لأسباب اقتصادية، وهي تديرها بمنطق مقاولي الهدم ومقاولي البناء.

ولا يخفى أن أمريكا ظلّت منكفئة خلف الأطلسي ترقب صراع القوى العظمي الأوربية فيما بينهما علي الثروات والمستعمرات، ولم تتدخل إلا بعد الإنهاك، حيث دخلت أمريكا لتفرض إراداتها بقوة السلاح والاقتصاد لتصير القوة العظمي بلا منازع وتنزوي بريطانيا وفرنسا وألمانيا واليابان كما لو أنها تابع.

ولا أحد مستعد أن يضحي بذلك، لا الأمريكان ولا حلفاؤهم ولو استدعى الأمر إقصاء ترامب أو التخلص منه. مجرد انسحاب أمريكا من الشرق الأوسط يصنع ٤ حروب.

وقد قالت صحيفة "الغاديان": خطاب ترامب في حفل تنصيبه بمثابة "إعلان حرب سياسية"، كلمات ترامب تدل على تغير مخيف في أمريكا.

المشكلة فعلاً أن ترامب حال تنفيذ كلامه إزاء حلف الناتو وأوروبا، فسيكون إيذانا لنهاية "الغرب"، باعتباره مفهوما جغرافيا سياسيا ظهر بعد الحرب العالمية الثانية. وهذا يعني انفراط تجمع الدول التي تتشارك القيم نفسها في مواجهة عدو أيديولوجي يعيش بقيم مختلفة.

فالغرب لم يقتصر جغرافياً على غرب أوروبا وأمريكا وكندا، وفقط، بل كان له امتداده الأسيوي للنمط نفسه، ممثلاً في اليابان وكوريا الجنوبية.

مفهوم الغرب اضطرب بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وثورات أوروبا الشرقية، حيث اختفىت العدو الأيديولوجي الذي كان يرغب في القضاء على طريقة حياته.

استغل حلف الأطلسي الفرصة وانتهج سياسة التوسع شرقاً وضم دول شرق أوروبا. كما إن الاتحاد الأوروبي توسع شرقا أيضاً، وهذه كانت رغبة ألمانيا أساسا.

ويمكن القول إن الاتحاد الأوروبي تقريباً هو الرايخ الألماني دون الحاجة لحرب مع بريطانيا أو غزو لفرنسا ودول أوروبا الشرقية.

ومنطق بريطانيا مفاده أنه من غير المعقول أن نكون حاربنا حربين عالميتين ضد ألمانيا ثم نسلم لها القيادة ببساطة في الاتحاد الأوروبي.

بريطانيا، حاليا، خارج الاتحاد الأوروبي، روسيا تحت حكم قوميين روس متطرفين، فإذا تخلت الولايات المتحدة عن دورها القائد في الناتو، سيعني هذا مباشرة إعادة تسلح ألمانيا في أوروبا واليابان في أسيا، وهذا قد يتحقق في لمح البصر.

الدولتان ألمانيا واليابان لا ينقصهما شيء لإعادة التسلح، وستشمل قطعاً تسلحاً نووياً، ففعلا، يبدو ترامب لا يعي ما يقوله.

ألمانيا وروسيا مجال توسعهم واحد أوروبا الشرقية، ولو ترامب تخلى عن دور أمريكا في قيادة الغرب، فلا بديل حينها أمام ألمانيا.

الحكاية باختصار: ترامب في مواجهة العالم كله والدولة العميقة بين 3 احتمالات:

1-  بطة عرجاء. 2- إما اغتيال، أو 3- نجاح.

بطة عرجاء (الأغلب): يدافع عن نفسه في مواجهة عالم متكتل ضده والدولة الأمريكية العميقة والماكينات الإعلامية العالمية والأسواق من خلفها.

الاحتمال الثاني، اغتياله، ما قد يشعل حربا أهلية، وتنتقل آثارها المدمرة على كل مراكز القوة الأمريكية في العالم، مما سيجعل العالم أكثر انفلاتا.

الاحتمال الثالث: نجاحه، وهو ما سيهدد العولمة وستنشط العنصرية وتنقضي معاهدة التجارة الحرة والقضاء النهائي على الناتو وتفكيك الاتحاد الأوربي، مما يعني انتقال قيادة العالم والنظام الدولي والنفوذ وصناعة القرار رسميا ونهائيا للصين.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر