آخر الأخبار

توقعات: "العصر الأمريكي" يتجه إلى الأفول وتحول كبير في الشؤون الدولية في السنوات الخمس المقبلة

2017-1-14 | خدمة العصر توقعات:

"إذا كان مستقبل الولايات المتحدة غامضاً بوجود ترامب في السلطة، فلا بدّ أن مستقبل العالم سيكون مفتوحاً على كل الاحتمالات"، هذه الفكرة شغلت رؤوس الكثير من الخبراء مع الدخول الوشيك لترامب إلى المكتب البيضاوي، وبرزت أسئلة عادة ما يسعى المؤرّخون وخبراء الاجتماع إلى الابتعاد عنها، وفقا لما كتبه أحد المحللين: إلى أي مدى يعتمد التغيير التاريخي على أعمال أفراد غير اعتياديين؟ يطرح ديفيد بيل هذا السؤال في مجلة "فورين بوليسي"، مستنداً إلى فكرة أن ترامب "رجل يتفق مناصروه ومعارضوه على أنه استثنائي في سياق التاريخ الأميركي".

يقول إنه "في الوقت الذي يبدأ فيه ترامب ولايته، التي ترمي إلى إعادة صناعة الولايات المتحدة، فإنه يجبر علماء الاجتماع والمؤرّخين على البحث في ما هو أبعد من أدواتهم التحليلية، بهدف شرح رئاسته". ويوضح أن "غالبية الذين سعوا إلى تقديم وجهة نظر بشأن فوز ترامب ورئاسته المقبلة، يميلون إلى ترسيخ ظاهرة أساسية اكتسحت عام 2016، وهي الشعبوية، أي تصاعد العداء للنخبة".

يذهب هؤلاء وغيرهم إلى توصيف فوز ترامب على أنه جاء نتيجة إدراكه عمق مخاوف الأميركيين حول مسار الولايات المتحدة ودورها في العالم. ووفقا لستيوارت باتريك في "مجلس العلاقات الخارجية"، فقد
"فهِم ترامب أن هناك عدداً متنامياً من الأميركيين الذين لا يثقون بالعولمة، والقلقين من الالتزامات الأميركية في الخارج". هو أيضاً وعد بـ"قيادة ولايات متحدة أكثر انفصالاً عن العالم، وأكثر اهتماماً بمصالحها الخاصة"، الأمر الذي لاقى صدى لدى المواطنين الأميركيين الذين لا يريدون قبول تحمّل العبء العالمي ثمنا للقيادة الأميركية للعالم.

ما تقدّم حفّز على بروز تساؤلات أخرى عن مستقبل النظام الليبرالي، باعتباره شكلا من أشكال التداعيات الكثيرة لانتخاب ترامب، لا سيَما وأن واشنطن هي التي تبنّت هذا النهج، ودافعت عنه على مدى أكثر من سبعة عقود. وفي هذا، يشير "باتريك" إلى أن "نتائج الانتخابات الأمريكية تعني أن التهديدات الأساسية للنظام الليبرالي العالمي ليست خارجية بعد الآن، بل محلية". ويصل إلى حد اعتبار أن "فوز ترامب سيسرّع في تفكيك هذا النظام، من خلال تقويض شبكة القواعد والمؤسسات والتحالفات التي رعاها 12 رئيساً أميركياً، من جمهوريين وديمقراطيين، منذ عام 1945".

وفي السياق ذاته، كتب "يوري فريدمان" تقريرا نشره في مجلة "ذي أتلانتك"، يقول فيه: إن محللي الحكومة الأمريكية يرون أن العصر الأميركي يتّجه إلى الأفول، معلقا على دراسة أعدّها مجلس الاستخبارات الوطنية (NIC)، وهي وحدة تابعة لمكتب مدير الاستخبارات الوطنية. وقد جاءت الدراسة هذه المرة صادمة ومخالفة للدراسات التي عادة ما يعدّها هذا المجلس، كل أربع سنوات، وهذا لفهم مستقبل الولايات المتحدة والعالم. فقد توقّع هؤلاء المحلّلون الاستخباريون تحوّلاً كبيراً في الشؤون الدولية، على مدار السنوات الخمس المقبلة، وإلى ما هو أبعد منها. ورغم أن الدراسة لم تذكر ترامب بالاسم، لكن ذلك لم يمنع فريدمان من ربطها به، بالنظر إلى تأثيره الكبير المنتظر في مجال السياسة الخارجية، فضلاً عن صدورها قبل أسبوعين، وفقط، على تسلّمه السلطة.

وتلحظ الدراسة أن "المشهد العالمي الناشئ يتجه إلى نهاية عصر الهيمنة الأميركية بعد الحرب الباردة"، وتضيف أن "ذلك قد يسري أيضاً على النظام العالمي الذي ظهر بعد الحرب العالمية الثانية". لذا، لا يتطرّق هذا التقرير الاستخباري إلى احتمال انتهاء احتكار أمريكا لوصف "القوة العظمى الوحيدة في العالم" فحسب، بل إلى تنافي الأساس الحالي الذي يُبنى عليه جزء كبير من هذه القوة: اقتصاد عالمي مفتوح، تحالفات عسكرية أميركية في آسيا وأوروبا، إضافة إلى القواعد والمؤسسات الليبرالية (منظمة التجارة العالمية مثال).

رغم ذلك، لا يرى الكاتب أن هذا الأمر يعني أن ترامب لا يودّ الحفاظ على السيطرة الأميركية في الخارج، فهو "يريد بعد كل ذلك أن يجعل أميركا عظيمة مجدداً". والأكثر دلالة على ما تقدّم، حديث مستشاره للأمن القومي مايكل فلين، الذي قال إن رئيسه "ربما يلتزم بالنظام العالمي أكثر من المتوقع". ويرى هذا الأخير أن إدارة ترامب "قد تضع خطوطاً أساسية جديدة لعلاقاتنا في جميع أنحاء العالم"، ليشدّد بعدها على أن الولايات المتحدة "ستبقى قوة عظمى وأمة لا غنى عنها".

كلام "فلين" يشير إلى نظرية أخرى، تناقض فكرة انعزال الولايات المتحدة في ظل إدارة ترامب. ويدعم هذه الفكرة المؤرّخ المتخصص في العلاقات الخارجية الأميركية، ستيفن ويرثايم، ويقول في مقال نشرته دورية "فورين أفيرز" إن ترامب لم يَعِد أبداً بتقليص القوة العالمية للولايات المتحدة. على العكس من ذلك، فهو يشير إلى أنه "تعهّد ببناء الجيش، وملاحقة الإرهابيين الإسلاميين، ومواجهة العدائية الصينية".

ولكن ذلك لا يعني أن ترامب لم يتمايز عن غيره؛ فبحسب الكاتب، قد يصبح ترامب "أول رئيس يدخل إلى البيت الأبيض رافضاً بشكل صريح الاستثنائية الأميركية"، ويشرح "ويرثايم" ما يذهب إليه، موضحاً أنه "بدلاً من الاستثنائية الواثقة، قدّم ترامب قومية غير واثقة"، ميرا إلى أنه "وضع الولايات المتحدة في خانة الضحية العالمية". لكن كيف ذلك؟ كما تساءل أحد من كتبوا عنه.

ترامب تحدّث مراراً عن استغلال الحلفاء للولايات المتحدة، وهو أمر يجعل منها ضحية، ولكنه قلب "العقيدة الاستثنائية" وغيّر دعائمها، ليطلب من الأميركيين استبدالها بالسعي للحصول على انتصارات مباشرة. ويمكن وضع انتقاداته المتكرّرة للحرب على العراق في هذه الخانة أيضاً، خصوصاً إذا ما جرى التطرّق إلى اعتراضه المتكرر على أن الولايات المتحدة لم تستحوذ على النفط قبل الخروج من هناك. ويفيد خطابه، في هذا السياق، بأن بلاده لم تحصل على حصتها العادلة، وهو ما يلفت إليه ويرثايم، موضحاً أنه يعني بذلك أنه "يتمنّى الحصول على هذه الحصة من الآخرين".

وبالعودة إلى مقال "ديفيد بيل" في مجلة "فورين بوليسي"، فإنه يعترف بأن رئاسة ترامب قد تكون قصة مختلفة جدا.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر