كيف جرَ بوتين تركيا ومعها الفصائل: مؤتمر "الأستانة" مقامرة مرتجلة

2017-1-11 | خدمة العصر كيف جرَ بوتين تركيا ومعها الفصائل: مؤتمر

كتب الباحث السويدي في شؤون "الشرق الأوسط" آرون لوند، أنه رغم إقرار مجلس الأمن الدولي اتفاق التهدئة في سوريا الذي توسطت فيه روسيا وتركيا وإيران، وبمباركة من الولايات المتحدة، ولكن المواجهات لا تزال محتدمة في العديد من مناطق البلاد.

وفي الوقت نفسه، تحولت أنظار المجتمع الدولي إلى مكان غير متوقع: أستانا، عاصمة كازاخستان، حيث تحاول روسيا تنظيم المفاوضات السياسية السورية المدعومة من تركيا وإيران. ولكن رغم النشاط الدبلوماسي المحموم بين موسكو وطهران وأنقرة، ليس ثمة وضوح حتى الآن حول جدول أعمال المحادثات. غير أنه يمكن للمرء افتراض أن هناك بعض الخطط والتصورات من وراء المحادثات.

في الواقع، وفقا للكاتب، يبدو أن تحركات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره التركي رجب طيب أردوغان غلب عليها الارتجال، الامتيازات التجارية والسعي لإيجاد أرضية مشتركة محدودة قبل أداء ترامب لليمين الدستورية رئيسا للولايات المتحدة في 20 يناير الجاري.

* ماذا تريد تركيا؟

من الواضح أن أردوغان غيَر الاتجاه في التعامل مع القضية السورية منذ صيف عام 2016 تماشيا مع تحولات "الانعطافة الجديدة". فبعد أن غضب من رفض الرئيس باراك أوباما إرسال سلاح الجو الأمريكي إلى الحرب، تراجع عن المطالبة بتنحي الأسد وهذا لتحسين العلاقات مع روسيا وتأمين مصالح أنقرة في المنطقة الحدودية.

وقد تطلع اردوغان إلى الدعم الروسي، خصوصا، في التدخل العسكري التركي في شمال سوريا في أغسطس 2016. وكتب الباحث أن قوة تركية ضعيفة إلى حد ما تقاتل حاليا إلى جانب ثوار الفصائل السورية الحليفة للسيطرة على مدينة الباب قرب حلب، لكنَ بطء التقدم قد اضطر أردوغان للارتباط بشكل وثيق ببوتين.

وبدأت روسيا، ضمن متطلبات الاتفاق الجديد، بتقديم الدعم الجوي للأتراك في 30 ديسمبر. ومع ذلك، ورغم أن التدخل قد استهدف بشكل رئيس "تنظيم الدولة"، فإن طموح اردوغان وراء ذلك هو منع التقدم الميلشيات الكردية السورية الصديقة لحزب العمال الكردستاني، وضمان أنقرة حصتها في القسمة السورية مستقبلا.

ويبدو، وفقا للباحث السويدي في شؤون المنطقة، أن أردوغان على استعداد للرضوخ للهيمنة الروسية في سوريا، ضمانا لمساعدة روسيا، إذ لا يرى أي خيارات واقعية أخرى. وهو الآن يختبر المواقف لمعرفة ما يمكن أن تقدمه العملية السياسية التي يقودها بوتين.

* ماذا يريد الروس:

يريد بوتين، في الوقت الحالي، دعم الأسد عسكريا،  جنبا إلى جنب مع إيران، في وقت أُنهكت وانقسمت فيه الدول المؤيدة للمعارضة. مع سيطرة قوات الأسد، الآن، على حلب وانشغال تركيا بشؤونها الداخلية واستعداد دونالد ترامب لتولي الحكم في واشنطن، بالإضافة إلى ما يظهر من أن اليميني المتعاطف مع موسكو، فرانسوا فيون، هو أبرز المرشحين لتولي الرئاسة الفرنسية، فإن اللحظة قد حانت للاندفاع الروسي، وفقا لتقديرات الكاتب.

ويرغب بوتين، بالضرورة، في تعظيم دور موسكو وإعادة تنظيم ساحة اللعب الدبلوماسي لمصلحة الأسد، والسعي الحثيث لمسح الحديث عن التحول السياسي من على الطاولة. قد لا يكون للرئيس الروسي تصور حول نهاية اللعبة، ولكن خصومه لا يملكون خطة في الوقت الحاضر، ويريد أن تبقى الأمور على هذا النحو.

إغراق تركيا في لعبة المفاضلات والحسابات التي بدأت مع تدخلها في أغسطس 2016 هو وسيلة ممتازة لتحقيق هذه الأهداف، ليس لأنه يساعد على إبعاد أنقرة من أي تحرك ضد الأسد، وفقط، ولكن أيضا لما يزرعه من شكوك واضطراب داخل المعارضة السورية. ودعونا لا ننسى، كما كتب الباحث، أن سحب تركيا بعيدا عن الولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي ومنظمة حلف شمال الأطلسي يمثل قيمة إستراتيجية لروسيا لأسباب لا علاقة لها مع سوريا.

ومع ذلك، هناك الكثير من المشاكل الصعبة التي تواجه بوتين في شمال سوريا، وعليه أن يلعب لعبته بحذر. والاختبار الأول سيكون الهدنة، والتي يبدو أن هيكلها الأساس قد اقتُبس من ترتيبات التهدئة السابقة بين روسيا والولايات المتحدة. فحتى الآن لم تتوقف النيران وليس من الواضح مدى إمكانية ذلك مستقبلا.

والواقع أن كل الهدن السورية السابقة فشلت، ولا يبدو أن الأخيرة مختلفة عن مثيلاتها، وفقا لتقديرات الكاتب.

* من سيذهب إلى "أستانة"؟

أشار فيتالي نومكين، المستشار الروسي لمبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى سوريا، إلى أن العاصمة الكازاخستانية يمكن أن تضم عملية ذات مسارين، الأول اجتماعات بين الحكومات المعنية، وحُددت الدول المشاركة،: إيران، تركيا وروسيا، والثاني بين الوفدين السوريين، وهنا تبرز خلافات كثيرة حول هوية الأشخاص الآخرين الذين ينبغي دعوتهم، إن كان أي شخص آخر يريد أن يأتي.

يصر المسؤولون الإيرانيون، في الوقت الحاضر، على أن لا تُستدعى دول أخرى إلى "أستانا" باستثناء هؤلاء الثلاثة (استبعاد السعوديين خصوصا). ويبدو أن هذا التعنت الإيراني أغضب تركيا، إذ إنها ليست مرتاحة للجلوس وحدها بين حليفين نصيرين للأسد. لذا يصر المسؤولون الأتراك على محاولة جلب الولايات المتحدة، قطر والسعودية إلى المحادثات، مما أدى إلى حرب كلامية مع طهران.

للمرة الأولى، تبدو وروسيا قريبة من الجانب التركي في الصراع السوري. بوتين يريد زيادة عدد المشاركين من أجل تحقيق محادثات "أستانا" لإجماع دولي وزيادة تأثيرها المحتمل وتسليط الضوء على مركزية روسيا. 

ويتفق جميع المنظمين الثلاثة أن السوريين ينبغي أن يكون لهم بعض المشاركة في مناقشة مستقبل سوريا. وقد أعلنت حكومة دمشق أنها سوف تذهب إلى "أستانا"، وهناك محاولات جارية لإحضار فصائل الثورة الرئيسة، غير الجهادية، أيضا.

ولتعزيز هذه الجهود، وفي تنازل آخر لتركيا، وفقا للكاتب، غيرت روسيا فجأة وجهة نظرها من جماعتين إسلاميتين صديقتين لأنقرة، أحرار الشام وجيش الإسلام. قبل أقل من شهرين، أدان الكرملين بصوت عال كلا الفصيلين واتهما بالتطرف، ولكن في 29 ديسمبر، أعلنت وزارة الدفاع الروسية فجأة أن أحرار الشام وجيش الإسلام أعضاء في "المعارضة المعتدلة".

ومع ذلك، يقول الباحث، فإن إعادة تصنيف روسيا للإسلاميين السوريين لن تكون كافية لإحضار معارضة ذات مصداقية، إلى جانب اعتراضات إيرانية وتركية على حضور مجموعات معينة.

وقال الكاتب إن مغازلات تركيا لروسيا تسببت في انقسامات داخل المعارضة السورية، إذ تزايدت المشاعر المعادية لأردوغان بين بعض الفصائل الإسلامية مثل فتح الشام. ويدور الكثير من النقاش داخل صفوف الثوار حاليَا حول التصورات المتضاربة لاندماج فصائل المعارضة.

* ماذا سيحدث بعد ذلك؟

أصبحت لعبة الدبلوماسية السورية مائعة ولا يمكن التنبؤ بها، وفقا لما أورده الكاتب، مع استعداد عدد غير مسبوق من الجهات الفاعلة لضبط سياساتها ولكن أصابعها في مهب الريح. ولكن مسار "أستانا" يشير إلى أنه في الواقع مقامرة مرتجلة لاستغلال الفرص المفاجئة ومعالجة الضرورات الملحة في ظل قيود واضحة، وليس جزءا من خطة سرية طموحة.

ولكن، يقول الباحث، دعونا لا نتكهن كثيرا. لأننا نعرف جميعا أنه يمكن لترتيبات الهدنة في سوريا أن تنهار في أي لحظة وربما لن يكون هناك اجتماع في "أستانا"، إذ يبقى هناك ضباب دبلوماسي لا يمكن اختراقه، مع العديد من الجهات الفاعلة لا يمكن التنبؤ بها والأجزاء المتحركة والأسئلة التي لم تلق جوابا لاستخلاص استنتاجات واضحة.

وأيا ما سيحدث للهدنة، لأستانا، للمعارضة، أو للسياسة الخارجية التركية والروسية والإيرانية، لا يزال هناك لغز كبير: ما الذي سيفعله دونالد تارمب؟


تم غلق التعليقات على هذا الخبر