انتهى عهد دول "سايكس بيكو" وعاد العرب إلى ما قبل 100 عام: فوضى وتشظي

2017-1-9 | انتهى عهد دول

بقلم: أحمد ماهر سيف / كاتب ومدون عربي

دخول منطقة "الشرق الأوسط" مرحلة الفوضى واختفاء بنى اقتصادية وأيديولوجية من الصراع وبروز العوامل الأكثر بدائية كالطائفية والعصبية والعشائرية، دفع ذلك مجلة "جيوبوليتكال فيوتشر" لتقصي وتشريح هذا الوضع عبر وضع مفهوم الدولة الحديثة مقابل الدولة العصبية بمفهوم ابن خلدون لفهم ما يجري.

ترى المجلة أن التشظي العربي اكتمل عندما شعرت دولة غير عربية أن بإمكانها وضع قوات علي أرض عربية دون الحاجة للقلق من ردة فعل الدول العربية.

وحدث تأثير ذلك إستراتيجيا ونفسيا رغم إدراكنا أن وجود قوة تركية أو إيرانية في كل من سوريا والعراق لا يكفي لقلب الحقائق على أرض الواقع.

دخول إيران وتركيا للمنطقة فنحن نتحدث عن قوتين إقليميتين تمتلكان جيشين واقتصادين قوييْن، وتسيطران على بعض المفاتيح الإستراتيجية في العالم.

الجانب الآخر في المعادلة هو ضعف العرب، فلم يعد بإمكاننا أن نتحدث عنهم باعتبارهم مجموعا، فمصطلح "العالم العربي" أصبح بنفس خواء مصطلح "سوريا" و"العراق".

دائما ومع بداية حقبة الاستعمار الغربي في القرن 19 وبداية 20، مثلت كلمة "عرب" إشارة إلى أن متحدثي العربية في المنطقة يُمثِّلون أمة بمفردهم. والحدود قسمت المنطقة كانت لأغراض استعمارية بين فرنسا وبريطانيا والدول التي بدأت في الظهور، كلها كانت جزءًا من الأمة العربية.

لكن كلمة "العرب" عنت أشياء عديدة على مر التاريخ واكتسبت بعدها الرسالي بعد بعثة النبي محمد صلي الله علية وسلم وميلاد الخلافة في القرن 8، حيث استُخدمت كلمة العرب للتفرقة بين المجاهدين الفاتحين العرب وشعوب المناطق الأخرى التي فُتحت. وبعد مدة فقد المصطلح بُعده الإثني والعرقي.

وارتبطت كلمة العرب بفكرة الحفاظ على التقاليد، بينما ظلت أهمية اللغة العربية ثابتة. وحُوَر المصطلح تدريجيًا ليعني القومية المعروفة الآن. واستخدمت الوطنية الحديثة فكرة الانتماء للذات حجر أساس لإنشاء الدولة القومية، وهو ما حاولت القومية العربية فعله بعد تخلُّصها من الاستعمار.

في مقابل الدولة القومية الحديثة، يرى ابن خلدون أن مبدأ العصبية الذي يمكن ترجمته بطريقة أو بأخرى إلى "التعاضد الاجتماعي" هو من يؤسس الدول. ويعتقد بن خلدون أن القبائل البدوية، وهي أصل العرب، دمرت الحضارة، ولكنها أسست دولًا بناء على نظريته السابقة "العصبية" أو التعاضد الاجتماعي.

ووفقا لابن خلدون، فإن البدو كانت لديهم عصبية طبيعية صاحبها الشجاعة والقوة التي تسمح بهزيمة الحضارات وتأسيس الدول بعد الفتح.

ويرى ابن خلدون أنه بعد تأسيس الدولة تنشأ عصبية جديدة تضع مصلحة الدولة فوق كل اعتبار. لذلك أوضح أن علاقة المواطنين والجنود بالدولة لا يمكن أبدا أن تصبح بقوة العصبية، التي تنشأ بسبب الارتباط بالدم بدلا من السياسية.

باستثناء السعودية والأردن واليمن، فإن البنية السياسية العربية قامت على أساس أيدولوجيتيْن استعيرا من الغرب، هما الاشتراكية والقومية. وبقية الدول العربية من الجزائر حتى العراق كانت الاشتراكية والقومية مُتحدتيْن هما العصبية التي مكنت هذه الدول الجديدة من التماسك.

هذه الأيديولوجيات فشلت في إنجاز وعودها، فالاشتراكية لم تجلب الرخاء للجماهير، كما إن وجود دول قومية مستقلة لم تفض إلى عصر الحرية.

فالاشتراكية والقومية العربية أقامتا أنظمة سلطوية ديكتاتورية خلَفت هزائم عسكرية واقتصادية، ولم توفر حتى المتطلبات الحياتية لشعوبها.

وكان "تنظيم الدولة" كان أحد أهم ردود الفعل على فشل هذه الأيديولوجيات، ترعرع في عالم فشلت فيه الاشتراكية والقومية العربية. وكل أهداف ومناطق نفوذ "تنظيم الدولة" هي في سوريا والعراق واليمن وليبيا وتونس ولبنان، وهي دول فشلت في الحفاظ على تماسكها بدرجات مختلفة.

قد يجادل البعض، بحسب مقال "جيوبوليتكال فيوتشر"، بأن تنظيم الدولة عبارة عن حفنة المتعصبين، ولكن خطابها المؤثر جذب الكثير من العرب وغير العرب.

إذ الإسلام هو الأمر الوحيد الذي استطاع على مر التاريخ توحيد القبائل والعشائر والأعراق المختلفة في المنطقة في كيان واحد.

وبالطريقة نفسها التي استعملت فيها فكرة القومية أساسا للشرعية والروابط الاجتماعية، فإن تنظيم الدولة يدعو إلى العودة إلى العصر الذهبي للإسلام.

**

ترى مجلة "جيوبوليتكال فيوتشر" أن أحد مظاهر انهيار قوة العرب حدثت في 4 ديسمبر الماضي، حين نشرت تركيا 220 جنديا و8 دبابات في بلدات خارج الموصل، وأتبعه قيام تركيا في اليوم نفسه بالإعلان عن برنامج يدوم لسنتين ونصف لتدريب قوات البيشمركة في العراق لمواجهة "تنظيم الدولة".

واعتبر حيدر العبادي أن التدخل التركي بمثابة اعتداء على سيادة العراق، لكن العراق المتشظي ليس أمامه سوى التنديد أو اللجوء للأمم المتحدة

ووفقا لتقديرات المجلة، فإن تركيا بإمكانها أن تفعل ما تشاء بالعراق سواء تذرعت بقصف شمال العراق استهدافا لعناصر حزب العمال، أو تحريك قواتها لقتال "تنظيم الدولة".

وقلب العروبة النابض توقف منذ عقود ولم يظهر من يحل مكانه حتى الآن، حيث تعاني مصر في الوقت الحاليَ من مشاكل اقتصادية وأمنية جمَّة كما سوريا والعراق.

ليبيا ما عادت موجودة، واليمن أصبحت ساحة حرب دائمة. ما عادت هناك وحدة عربية، والمسيطر هو القبائلية والفصائلية والطائفية، وفقط.

ولا يتوفّر للعالم العربي إلا العصبية البدائية متمثلة في مجموعات صغيرة تقاتل من أجل البقاء وحماية وجودها..لقد تشظى العالم العربي وانفرط عقده.

وعاد العرب لنقطة البدء قبل 100 عام أو يزيد إلى نهاية الحرب العالمية الأولى، حيث لم يكن لهم كيان وقت كانوا يحكمون من قِبل قوى أجنبية.

الفترة من 1918 حتى 2011 كانت من الفترات التاريخية الفريدة والنادرة، امتلكت فيها الدول العربية قرارها أكثر مما فعلت في العصور السابقة. لكن هذا الوقت انقضى بعد تشظِّي العرب تمامًا مما يجعل الحديث عن عالم عربي أمرًا لا يحمل أي معنى، وكان هذا دائما هو الوضع السائد في تلك المنطقة.

هذا الوضع الدائم في هذه المنطقة، أدى عبر تاريخها الطويل إلى إذكاء المنافسة بين القوى العظمى، العثمانيين والصفويين، الأمريكان والسوفييت.

وهناك الآن تركيبة عسكرية على الأرض العربية تتبع كلا من أميركا وروسيا وفرنسا وبريطانيا، إضافة إلى إيران الفارسية التي تمتلك نفوذا واسعا في بغداد.

وكما إيران التي امتلكت نفوذا قويا في المنطقة عبر وكلائها المحليين، جُرَت تركيا إلى الشقوق التي أحدثها وجود "تنظيم الدولة" في سوريا والعراق، حيث تستعمل تركيا بعض العشائر والقبائل والفصائل لمصلحتها الخاصة وتحارب أخرى إذا اقتضت الضرورة ذلك والكرد محصورون بين هذه القوى جميعها.

ينظر الناس إلى الشرق الأوسط على أنه في حالة فوضى، لكن الحقيقة أنه استعاد وضعه التاريخي الطبيعي. الاستثناء الوحيد كان الـ100 عام السابقة.

والحديث عن العالم العربي ما عاد يعني سوى الإشارة إلى المتحدثين بالعربية في المنطقة، فقد ارتدت المنطقة إلى العصبيات الضيقة.

ومصير المنطقة سيحدده بشكل لا مفر منه الصراع بين القوى السابقة والقوى الأجنبية في المنطقة.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر