وثيقة "الابتدار العلوي" تنأى عن إيران والنظام وعائلة الأسد

2017-1-8 | وثيقة

بقلم: أحمد ماهر سيف / كاتب ومدون عربي

في 3 أبريل 2016، قامت قناة "بي بي سي" البريطانية بعرض مقتطفات مما سمي بـوثيقة "الابتدار العلوي" كتبها مثقفون من الطائفة العلوية.

حددت الوثيقة الهوية الثقافية وملامح الذات العلوية وإطارها الفكري والسياسي ضمن تسلسل تاريخي يعتقدونه، كما حددت أطر الهوية العلوية.

وفي الوثيقة إيضاح لموقفهم الصريح من قضايا كبرى تتحدث عن الذات والهوية والوطن السوري وتصور الذات الإلهية والقرآن والإسلام.

عكست الوثيقة حاجة ملحة لدى الطائفة باتجاه إصدار تعريف دقيق عنها بعد الخلط الذي جري منذ فتوى موسى الصدر باعتبار العلوية فرقة من الشيعة.

اعتبرت الوثيقة فتوى الصدر (الزعيم الشيعي اللبناني المختفي) أنها سياسية غير مستندة للمضمون الديني لدى العلويين ومفصلة على مقاس حافظ الأسد.

كما حذرت الوثيقة أن تلك الفتوى انتهت بالوصاية شبه الكاملة للإيرانيين الشيعة على قرار العلويين بعد ارتماء النظام السوري بالحضن الإيراني.

للإطلاع على الوثيقة: http://middleeasttransparent.com/wp-content/uploads/2016/04/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%A8%D8%AA%D8%AF%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%84%D9%88%D9%8A.pdf

في المحور الأول من الوثيقة -العلويون وذاتهم- حددت أنهم العلويون طائفة مستقلة من المسلمين مغايرة للإسلام النقلي والإسلام العقلي من جهة أخرى.

إذن العلويون من حيث الهوية الدينية، لا هم من "الإسلام النقلي" أهل السنة  ولا هم من "الإسلام العقلي" الشيعة، وإنما هم من "الإسلام العرفاني".

وتؤكد الوثيقة في مادتها الأولى أن للعلويين إسلاماً ثالثا بعيدا عن التمذهب السني والتمذهب الشيعي يسمونه الإسلام العُرفاني والكل مسلمون.

في المادة الثانية، تحدد الوثيقة أن "جميع الفتاوى الخالصة إلى استتباع العلويين بالشيعة كفرع من فروعها لاغية وفي موقع العدم".

في المادة 3 وحتى 5 من الوثيقة  ينفي العلويون الجدد عن نفسهم صفة "الأقلية" ويسقطونها من التعريف يهم ويرفضون الحماية المترتبة عليها.

المادة 6، ٧ تلقي الضوء علي غموض بعض معتقدات الديانة العلوية إذا لا يؤمنون بفكرة الفرقة الناجية ويؤمنون بوجود الأخبار من كل الملل والنحل.

في المادة 8 ينفون عن أنفسهم تسميتهم بالنصيرية..فمحمد بن نصير احد المبشرين بالدين العلوي فهو آخر بناة النهج وليس المؤسس إلى جانب آخرين.

في المادة 10 من الوثيقة حددت مبتدع الديانة العلوية "الحسين بن حمدان الخصيبي" ووصفته "بالأب الجاعل" و"عارف ومؤسس طريقة عيش الإيمان العلوي".

تشير الوثيقة أن سيف الدولة الحمداني هو من سمح للديانة العلوية بالظهور والانتشار والتمدد في عهد دولته ويعتبرونه مصدر فخرهم وإلهامهم.

من المادة 10 - 16 تنتقد الوثيقة مبالغة العلويين في إظهار المظلومية شأن الشيعة، وتعتبر رغم ذلك أن انكفاءهم على ذاتهم أحد أسباب حفظ الطائفة.

تقلل الوثيقة من فتوى شيخ الإسلام ابن تيمية بشأن ارتداد الطائفة على نهج أبي حامد الغزالي الذي سبقه، والتي لم تأخذ بها الأغلبية السنية.

في المواد من 1-18 تشير الوثيقة إلى أنهم أدخلوا معتقدات يهودية ومسيحية في ديانتهم، وأن ذلك ليس انحرافا عن الإسلام المزعوم بل إنه دليل عالمية وثراء.

في المحور الثاني من الوثيقة -سوريا والعلويين- إشارة على استحياء إلى الثورة تحت اسم "انتفاضة الغضب المحق"، ويرون الاحتكام لسلطة الضمير الجمعي.

ذكرت الوثيقة أنهم يؤمنون "بقيم المساواة والحرية والمواطنة"، ويدعون إلى نظام علماني في سوريا مستقبلا، يعيش فيه جميع الديانات سواسية.

يرفض العلويون في البند 20، 20مكرر أن ينص الدستور على أن الإسلام دين الدولة ومصدر التشريع معلنين مقولة كفر "الإسلام يتنوع إلي حد التشاحن".

في المادة 22 من الوثيقة ينادي العلويون بعلمانية الدولة وبدستور قائم على فصل الدين عن الدولة يعلو فيه على أي تعارض مع معتقدات أي طائفة.

تؤكد الوثيقة على عدم تقديم الإسلام علي القيم الإنسانية والمجتمعية وقصره على كونه إلهاما ثقافيا وحضاريا يستوي في ذلك مع غيره من الديانات.

في المادة 24 من الوثيقة تبرئ أهل السنة من المظالم التي تعرضت لها الطائفة على مر تاريخها، وتذكر أن الاضطهاد الذي تعرضوا كان سببه الغرباء.

في بقية المحور الثاني من الوثيقة ينأى العلويون بأنفسهم عن نظام الأسد ومظالمه ويقولون إن الفيدرالية هي الحل الأمثل لأطياف المكون السوري.

في المحور الثالث من الوثيقة تحت عنوان "العلويون والله"، تعرض لأصول الديانة العلوية..وما يهمنا في هذا المحور ودون الخوض في تفاصيل ذلك نقطتان.

مادة 33 من الوثيقة تنص أن "القرآن المنزّل على محمد وبنصه الجاري بين أيدي المسلمين هو الكتاب المقدس لدي العلويين وهو مناط نسبتهم للإسلام".

في المادة 25 من الوثيقة يعلنون أنهم يستقون من كل الأديان التوحيدية ليكتمل دينهم، وأن التوحيديات هي تبليغ وحي، وأن الإسلام هو خاتمة الوحي.

يؤكدون في الوثيقة أن السرية الموجودة في الديانة العلوية ليست موجهة ضد أحد وليس لها طابع تنظيمي، وأن العلوية ليست "منظمة لله بل طريقا إليه.

تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا .. ما يهمنا في رصد الإشارات السابقة هي دلالاتها العملية واثارها الحالية والمستقبلية وسنعرض لها:

خلت الوثيقة من أي نص قرآني أو نبوي وخلت من الصلاة على النبي حينما أتى ذكر الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم واستخدمت إيماءات فلسفية.

في خضم هذه الأحداث الجارية أدرك كتبة الوثيقة أن حقبة ما يمكن تسميته بـ"علونة الدولة السورية" الجارية منذ نصف قرن في طريقها للأفول.

كما أدركوا أن "العلوية السياسية" ومحاولات الاستحواذ على سوريا كاملة باتت عرضة للتقهقر، وعليه لابد من أن يقوموا بمراجعة حقيقية وجذرية.

الوثيقة جزء من خطة مراجعة براجماتية يحفظ للعلويين إمكانية استمرار وجودهم لاسيما مع فقدان الطائفة لكتلة بشرية هامة متمثلة بالعنصر الشبابي.

أكد العلويون الجدد. في الوثيقة رفضهم لتسميتهم بالنصيرية  وذكروا انها تسمية ضد وتسيئ اليهم لما تحمله من دلالات ولما تنطوي عليه من أخطاء

تعلن الوثيقة الكف عن استحضار مظلوميتهم التاريخية في صياغة شعورهم الجمعي، وذلك في لحظة مثيرة كثيفة المعنى، إثر انتفاض "بقية" السوريين: رغبة في التطهر إثر انتفاض "بقية" السوريين وتفجر "قوة الغضب المحق"، تلك العبارة هي الإشارة اليتيمة للثورة السورية في الوثيقة.

رصدت الوثيقة فتاوى لشيخ الإسلام بن تيمية وسلفه ابو حامد الغزالي بتكفير وارتداد الطائفة العلوية أفرادا وديانة، ولكنها لم تدخل حيز التطبيق.

أوردت الوثيقة عبارات كفرية دون مواربة فنصت أن" الإسلام دين التشاحن"، وأن الطوائف باسمه تتحارب وهو غير قادر على لمّ شتاتها.

 وعليه، فقد رأت الوثيقة ضرورة إقالة الإسلام من دوره دينا للدولة ومصدرا للتشريع وللقيم والمبادئ وشرطا لمنصب رئيس الدولة.

تنكر الوثيقة الحاجة لاستمرار اعتبار الإسلام مصدرا، ورأت أن تشاحن طوائف الإسلام سبب يحول دون اعتباره مظلة جامعة دينا رسميا للدولة.

تنكر الوثيقة دور الأسد في فرض نمط "قهري طغياني تذويبي" على السوريين عن طريق علونة الأمن والجيش وسيطرة الطائفة على مفاصل الدولة.

تغييب الثورة في الوثيقة جاء متناسقا -مع الجو المتحفظ في أحسن الأحوال والمعادي بأغلبها- لعموم العلويين تجاه الثورة، هل هي محاباة أم قناعة؟

ساهمت الوثيقة في عدة محاور بمزيد إلقاء الضوء على الطائفة العلوية من حيث تصوراتها ومفاهيمها عن ذاتها ورؤيتها لدورها في مستقبل سورية.

لا يمكن بحال اعتبار وثيقة "الابتدار العلوي" بمثابة ميثاق شعبي، فالأخير يكتب بكلمات وعبارات واضحة وصريحة، أما الوثيقة فهي نخبوية الطرح.

وزاد من خطورة الوثيقة غموض بعض العبارات والتباسها وتعسرها على الفهم والإيماءات الفلسفية والدينية في ثناياها علاوة على أن كاتبيها مجهولون.

وأوردت الوثيقة مفاهيم علوية دون أن تجليها مثل "العودات" و"السرانية" و"التلقينية الابنوية" و"قصة ظهور في حيز حدثي خاص"، بما يشير إلى أنها دين سري.

كما عرّضت الوثيقة بعقيدة الفرقة الناجية التي تحتكر الخلاص والنجاة للمؤمنين بها وادّعت انها تؤمن بوجود أخيار وأبرار من كل الملل والنحلل.

تؤكد الوثيقة أن الدين العلوي باطني مغلق وغير تبشيري لا يفصح عن أسراره لغير الأتباع، والباطنية بزعمهم هي تفسير باطني للآيات القرآنية.

وتذكر الوثيقة على غير مثال أن "التفسير الباطني للآيات ليس تفوُّضا بما لا سند له ولا تفوُّجا على معاني النصوص، بل تفسيرا استثنائيا للمعاني".

وقد نقلت "بي بي سي" على لسان أحد كتبة الوثيقة، أن الهدف منها أن تحرر وثيقتهم العلويين الذين يشكلون 12٪، وأن تقطع الحبل السري بين العلويين والأسد.

كما صرح دبلوماسي غربي لبي بي سي أن الوثيقة مهمة، لأنها صادرة عن علويين من داخل سوريا، كما أنها تعني النأي عن إيران والنظام وعائلة الأسد.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

* نذكر بأن مرجعية قم كما أهل السنّة تعتبر العلويين فرقة مارقة من الإسلام بخلاف الظن الشعبي المتماهي مع اعتبار العلويين فرقة من الشيعة

* نذكر أن فتزوى موسى الصدر بإلحاق العلويين بالشيعة الاثناعشرية كانت سياسية لإعطاء المشروعية لحافظ الأسد كرئيس مسلم حسب نص الدستور آنذاك.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر