ليس من المعقول أن نستمر في مواجهة تسونامي إعلامي ببضعة مواقع ومراكز؟

2017-1-7 |  ليس من المعقول أن نستمر في مواجهة تسونامي إعلامي ببضعة مواقع ومراكز؟

بقلم: عماد السامرائي / مدون وكاتب عربي

ربما نمتلك نوايا رائعة ومبادئ أكثر إبهاراً، ولكن ما يعوزنا هو التسويق لها وصناعة رجالاتها ورموزها.

بهذه الكلمات نستطيع الدخول إلى جوهر العقدة التي تواجه مسيرة التغيير والإصلاح العربي والإسلامي. إذا كانت الأنظمة السائدة في الساحتين الإسلامية والعربية قد وفرت الأرضية الخصبة لمعارضتها والثورة عليها، فإننا بالمقابل بوصفنا "معارضين" لها شغلتنا محاولات النيل من هذه الأنظمة بأية طريقة عن الاهتمام اللازم بأدوات الصراع المصيرية.

ليس صحيحا أننا لا نملك رؤية واضحة لما بعد هذه الأنظمة، بل الصحيح أننا لم نحسن إظهارها وإشهارها والترويج لها، وإن كنا قد بذلنا جهدا كبيرا من أجل التغيير والإصلاح، إلا أننا لم نبذل جهدا متبصرا لتعبيد الطريق نحو الأهداف التي نبتغيها، وها نحن نسلك طريقا وعرة.

تحدثنا ونتحدث كثيرا عن الوسائل الإعلامية للأنظمة المروجة لأفكارها وعن الإعلام الأجنبي الذي يستهدفنا بمشاريعه الخاصة ونواياه، وكذلك فعلنا مع منظمات المجتمع المدني، والتي صُنعت بعيدا عن أنظارنا في حقول غريبة عن أرضنا، فهل كنا نظن أن مجرد تسليط الضوء عليها ونقدها وفضحها كافيا لتعطيل عجلتها المؤثرة في ثقافتنا الجمعية؟ إن كنا كذلك فنحن مخطئون لا شك.

وبالمقابل ماذا عن عجلة التغيير الخاصة بناا؟ هل تخلصنا من عصي التعطيل؟؟ بل هل صُنعت أصلا؟؟ أشك في ذلك!! وإن كانت عجلة الآخرين مدورة، فمازالت عربتنا تسير بعجلات مربعة الشكل!

الآن وبعد المسيرة القصيرة في طريق الربيع العربي والإسلامي الطويل، علينا إدراك أن القضية لا يمكن اختصارها في وجود أنظمة مستبدة وفاسدة وبوجوب التخلص منها، بل إن المعركة ثقافية إعلامية مؤسساتية بدرجة خطيرة، وبشكل أوضح هي معركة صناعة المثقفين والإعلاميين والتأثير بواسطتهم في توجهات الوعي العام.

ويسعى الغرب في طريقه للعولمة والنظام العالمي الموحد للاستعاضة بالإدارة الثقافية والتحكم الثقافي عن الأنظمة البالية التي أصبحت عبئا عليه ومن الصعب على الغرب الاحتفاظ بها باعتبارها أدوات مضمونة للوصول إلى الأهداف المنشودة، بل إن الغرب أصبح مقتنعا أن الاستمرار في المراهنة عليها هو استمرار في التعويل على حصان كهل متهالك انتهت صلاحيته.

وفي محاولة من الغرب للسيطرة على مخرجات التحول الجذري في المزاج السياسي للأجيال الناشئة، فإننا نرى كماً هائلاً من المثقفين والإعلاميين العرب والمسلمين الذين تمتعوا بمزايا التلميع والإشهار الغربي، واستعانت المؤسسات الغربية في طريقها لتحقيق هذه الأهداف بأداتين حاسمتين: تعدد وسائل الإعلام وتنوعها، وتعدد ما يسمى مؤسسات المجتمع المدني ومراكز الدراسات التي يخاطب كل منها شريحة معينة من المجتمع.

ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل إن أنظمتنا قد دخلت اللعبة هي أيضا وبقوة، ليس لمواجهة المشروع العولمي بل لمواجهة الوعي الثقافي المتنامي لشعوب المنطقة في وجه دكتاتوريتها واستبدادها، ولا اعتقد أن هناك مشكلة في إدراك ذلك وفهمه وتسليط الضوء عليهـ وهذا ما صرفنا فيه جهدا ووقتا أكثر مما يلزم، لكن المشكلة أننا حتى الساعة لم ننخرط في هذه المواجهة بشكل فاعل وتركنا الساحة كاملة للآخرين "كل الآخرين" ليبسطوا كامل نفوذهم على جميع المساحات، ولا يمكن اعتبار بعض النشاطات الفردية والمبادرات الفرعية عملا منافسا على أية مساحة من تلك المساحات ما لم نعمد بشكل سريع إلى إيجاد مؤسسات محترفة تضع خططا إستراتيجية لذلك وتعيد شيئا من التوازن المفقود.

 ليس من المعقول أن نستمر في مواجهة تسونامي إعلامي مكون من تضافر وتعاون مؤسسات إعلامية ضخمة من فضائيات وصحف مطبوعة وإلكترونية، القديمة منها والحديثة، وسيل من الأقلام والحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي وإمبراطورية من مؤسسات "مدنية" متعددة ومراكز دراسات بحثية مُسيرة عن بعد وعن قرب وفقا لإستراتيجيات متكاملة تمثل جميع الأطراف المضادة في الصراع، غربية، فارسية، سلطوية، يسارية برغماتية.الخ، ببضع قنوات وبضع مراكز للدراسات التي تعد على أصابع اليد الواحدة وبأساليب مباشرة مملة وبوجوه مكررة لا تملك جديدا تبهر به أحد ولا قديما ناجحا تستطيع الركون إليه، وما من دافع للتمسك بها سوى الانتماءات الضيقة والدكتاتوريات التي لم يسعفها الحظ بعد في الوصول إلى السلطة، حتى إن أغلب هذه المؤسسات عبارة عن وسائل دعائية لتيار ما أو جماعة ما بعيدة عن الحيادية والمعايير العلمية في البحث والتقصي وبعيدة كل البعد عن دعم الأفكار الجديدة والأقلام المحايدة "إن لم نقل الأقلام الحرة"، ولا علاقة لها من قريب أو بعيد بمواجهة المد الإعلامي والثقافي الذي يستهدف الأمة من قبل التحرك التحرري أو بعده!

وليس أدل على خطورة ذلك من أننا خسرنا قطاعا واسعا من الشعب لصالح تشويه التحرك التحرري وثقافته، مما سهل على القوى الاستبدادية قيادة الثورات المضادة بسهولة ملفتة للنظر!

إن افتقار "رأس المال" الإسلامي العربي للفهم الإستراتيجي لأهمية المعركة الثقافية، وبالتالي افتقارنا إلى تنوع أدوات التوصيل واتساعها أفقيا أفضى إلى هيمنة القوى المستبدة على صناعة الإعلام والثقافة العامة إلى حد بعيد، وبما يكفي حاجتهم لتبرير انقلابهم على حركة التغيير ومفاهيمها وآلياتها، بل الأدهى والأمرَ من ذلك، هو افتقارنا للإرادة والروح القتالية في اقتحام هذه الساحات وافتقارنا للآليات الجامعة، فنحن بعيدون جدا عن إدراك ضرورة الإنفاق السخي على مؤسسات صناعة الأقلام والإعلاميين والباحثين وملأ الحيز الإعلامي بهم.

وقد يظن البعض أن مثل هذا الخطاب لا يمكن أن يوجه إلا إلى مؤسسات رسمية، وهذه بدورها خاضعة للسلطة، متناسين بذلك حجم الإنفاق التطوعي على نشاطات التكافل الاجتماعي والنشاط الإغاثي خارج نطاق المنظومة السلطوية، والذي لو خُصص قسم منه لهذه الصناعة لتغيرت معطيات الواقع الثقافي إلى حد كبير، ولأدَت إلى اتساع القاعدة الشعبية المساندة للتغيير، ولأصبحت المواجهة أكثر صعوبة أمام خصوم التغيير الجذري والإصلاح، بل ربما مستحيلة ناهيك عن تأثيره الإيجابي على الواقع الإغاثي، ولكننا للأسف مازلنا بعيدين عن استيعاب الحقائق الواضحة خاضعين لشعور الخمول والدعة وعدم تحمل المسؤولية أو خاضعين للرغبة الجامحة بالتفرد والقيادة!


تم غلق التعليقات على هذا الخبر

حــمــدي آغــا الــقــلــعــة

- من الجدير بالإشارة في هذا الموضوع لحوار هام جرى بين الأستاذ الجامعي و الفيلسوف و عالم الإجتماع , جيل ليبوفيتسكي Gilles Lipovetsky في موقع *أتلنتيكو* الفرنسي.و يا ريت يتم تعريب هذا النص بعد إستئذان مدير الموقع الإليكتروني ,لأن الحقوق محفوظة. الرابط : http://www.atlantico.fr/decryptage/michel-onfray-decadence-occident-autre-civilisation-en-meilleure-forme-


حــمــدي آغــا الــقــلــعــة

تطوير وتنويع مراكز الدراسات و الأبحاث المُتخصصة في كل مجالات العلوم و المعرفة والثقافة,و مراكز الإحصاء في كل القطاعات و سبر الرأي العام,و تطويرأداء المؤسسات الدستورية و الأحزاب السياسية الوطنية والجمعيات المدنية والحقوقية والإجتماعية و الإقتصادية و الأكاديمية و التربوية و الرياضية . - إحكام منهجية و تطوير إحترافية و مصداقية وسائل الإتصال المرئية-المسموعة والمكتوبة, هذه المجالات كلها ترتبط بالسير و التدبير اليومي لأي دولة في عصرنا هذا.أما ما ذكره الكاتب الكريم من إستفحال ظواهر تأثير المنظمات و المؤسسات و الجمعيات الغربية بكافة أنماطها و نشاطاتها و" قوْلبتها" المُعولمة للمفاهيم و السلوكيات فهي تحصيل حاصل في غياب من يقف لها نداً , ويُسفه مراميها و أهدافها الخبيثة.من الجدير بالإشارة كذلك ان أغلبيتها الساحقة يتم تمويلها بوسائل و طرق سرية غاية في اللؤم و الخديعة سواء من طرف حكومات غربية أو من دوائر مخابراتية خاصة لها أجندات و مخططات طويلة المدى أو من تبرعات أغنياء مليارديرات حباً في بذل "الـخـيـر"???!!! و"SOROS " مثال ناصع, و طبعا كل ذلك يتم بالتنسيق و مواظبة المتابعة حثيثاً.العالم العربي و الإسلامي لا يزال في بداية الطريق و أمامه مراحل عديدة حتى يُعد العُدة المناسبة للفوز في معركة صراع الإرادات و المعنويات...,شخصياً أنا متفائل لأن قاعدة العقيدة الصلبة متوفرة و جاهزة للبناء عليها في عالمنا الإسلامي,بينما تتهاوى يوما بعد يوم قواعد ما يُسمى الحضارة الغربية المسيحية-اليهودية المادية,و قد بان أفقها المسدود.


محمد الامين

مقال رائع استاذ عماد