تحولات الموقف التركي وتأثيره في الثورة السورية 2/2

2017-1-3 | د. بشير زين العابدين 	تحولات الموقف التركي وتأثيره في الثورة السورية 2/2

بقلم: د. بشير زين العابدين / باحث سوري

* محركات السياسة الخارجية التركية في طورها الجديد:

تعتمد السياسة الخارجية التركية نهجاً واقعياً يعمد إلى الاستفادة من المستجدات الإقليمية لتحقيق المصالح العليا للدولة، وتتغير مواقفها وفق المتغيرات الدولية لتحقيق توازنات مرحلية قد تختلف مع المبادئ التي تعلن عنها السلطة السياسية، ولذلك فإن العديد من القوى الإقليمية قد فشلت في استقطاب أنقرة لمنظومات أمنية أو تحالفات عسكرية صلبة، لكن ذلك الفشل لم يرتق في أية مرحلة إلى صراع عسكري مفتوح.

ويمكن ملاحظة الدهاء الدبلوماسي لأنقرة من خلال العلاقات التي احتفظ بها أردوغان مع الحكم في إيران رغم التباين الواضح في السياسات إزاء الأزمة السورية، فعلى الرغم من الدعم العسكري الذي قدمته تركيا للثوار وإيوائها للجسد السياسي والعسكري للمعارضة السورية، إلا أن علاقاتها الاقتصادية والدبلوماسية مع إيران لم تتأثر بذلك التباين في مواقف الدولتين.

ورغم تدهور العلاقات مع موسكو وتل أبيب، إلا أن الخلاف بقي منضبطاً ضمن التصريحات الرسمية والحملات الإعلامية دون أن يرتقي إلى مستوى المواجهة.

وفي ظل التحولات الإقليمية والدولية، يمكن الحديث عن أربعة محركات رئيسة للسياسة الخارجية التركية منذ استقالة أحمد داود أوغلو وتولي بن علي يلدريم في شهر مايو 2016، وذلك على النحو التالي:

المحركات السياسية: بعد رفع شعار "صفر مشاكل" مع دول الجوار، وجدت أنقرة نفسها في موقف صعب على الصعيدين: الإقليمي والدولي، حيث توترت العلاقة مع إدارة أوباما والاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، بينما اشتعلت المناطق الجنوبية الشرقية من البلاد عام 2015 عقب هدنة دامت عامين بين الجيش التركي والانفصاليين الأكراد، ووقفت تركيا على شفير حرب مع موسكو عقب إسقاط المقاتلة الروسية في نوفمبر من ذلك العام، كما ساهم توتر العلاقات مع تل أبيب والقاهرة وبغداد وطهران في إضعاف موقف تركيا الإقليمي، مما دفع بأنقرة لتبني سياسة مصالحات لفتح صفحة جديدة في علاقاتها الدولية لفك عزلتها الإقليمية والدولية.

المحركات الاقتصادية:

تُوَجت المصالحة التركية-الروسية بزيارة أردوغان لروسيا في شهر أغسطس، ومن ثم زيارة بوتين لتركيا في 10 أكتوبر، وإبرام اتفاقية تاريخية لبناء خط الأنابيب "تورك ستريم" لنقل الغاز الروسي إلى أوروبا عبر البحر الأسود، وإعادة فتح الأسواق الروسية أمام البضاعة التركية، والتعهد باستئناف مشروع "أكويو"(Akkuyu)، والذي ترف عليه الشركة المملوكة للحكومة الروسية "روساتوم" (Rosatom) لبناء أول محطة طاقة نووية تركية.

وتزامن ذلك مع رغبة موسكو في تحسين علاقتها مع أنقرة لإدراكها أن إبعاد تركيا بصورة أكثر في هذه المرحلة سيدفعها بصورة أكبر نحو الاقتراب من "الناتو"، خاصة وأن العقوبات الروسية السابقة ضد أنقرة قد أثرت سلباً على الاقتصاد الروسي، فالكثير من التجار الروس يرغبون بالسلع التركية الرخيصة، ويعانون من العقوبات الأوروبية والأمريكية ومن انهيار أسعار النفط، ويحتاجون في النهاية إلى الحصول على الصفقات المتاحة في الأسواق التركية.

المحركات العسكرية:

بالإضافة إلى اتفاقيات بناء محطة "أق قويو" لتوليد الطاقة النووية، وخط الغاز الإستراتيجي "ترك ستريم"، شكل التقارب الروسي-التركي فرصة لأنقرة لتطوير قدراتها العسكرية، فقد كان عرض بناء منظومة للدرع الصاروخي للجيش التركي الموضوع الأبرز في لقاء الزعيمين بأنقرة في شهر أكتوبر الماضي، لما يحمله من أبعاد إستراتيجية تتعلق بعلاقة تركيا مع حلف شمال الأطلسي "الناتو"، الذي يعارض بشدة استخدام تركيا لأي منظومة درع صاروخي غير منظومة "باتريوت" التابعة للحلف الذي عمل في مراحل سابقة على إفشال أي مساع تركية لشراء منظومة أخرى، حيث يفتقر الجيش التركي إلى منظومة متطورة للدرع الصاروخي.

وخلال المؤتمر الصحافي الذي أعقب اللقاء، أبدى بوتين استعداد بلاده للتعاون المشترك مع تركيا في مجال النظام الدفاعي، معرباً عن أمله في تحويل المباحثات في هذا الصدد إلى تعاون مادي ومحسوس بين البلدين، وقد عُقد اجتماع على مستوى رؤساء الأركان والاستخبارات من البلدين لمناقشة التفاصيل.

وإثر ذلك التصريح؛ تحدث تقرير "جينز" العسكري (17 نوفمبر 2016) عن توجه وكالة التنسيق العسكري الروسية لتعزيز التعاون مع الجيش التركي في مجال الدفاع الجوي، وأنها قدمت عرضاً لأنقرة يتضمن بيعها منظومة صواريخ (T-LORAMIDS) بصفقة تتراوح قيمتها ما بين 3.5 و4 مليار دولار. 

المحركات الأمنية:

تضمنت التفاهمات الروسية-التركية موافقة بوتين على إنشاء منطقة نفوذ تركي شمال سوريا، لتأمين حدود تركيا من تنظيم "داعش" ومن الجماعات الانفصالية الكردية، حيث ينوي أردوغان إنشاء مدن بكاملها عندما تفرغ قواته من مهمة تطهير المنطقة التي يتوقع أن تبلغ مساحتها خمسة آلاف كيلو متر مربع شمال سوريا، وتدور مباحثات مع شركة "TOKI" الضخمة المسؤولة عن بناء عشرة في المائة من الوحدات السكنية التركية كل عام، لإنشاء مدارس وشققومنشآت اجتماعية، وربما تكون هذه الوسيلة الوحيدة لحمل بعض من ثلاثة ملايين سوري يقيمون في تركيا على العودة إلى بلادهم وبدء عملية إعادة بنائها.

في هذه الأثناء تحقق عملية "درع الفرات" تقدماً ملحوظاً إثر سيطرتها على مدينة "دابق"، وتأمين منطقة شرقي "مارع"، والتقدم على مسافة أقل من 13 كم من جنوب "اخترين"، وحصارها لمدينة "الباب"، حيث يتوقع أن تبسط سيطرتها بعد ذلك على "منبج"، ويبدو أنه بات مؤكدا تحقق الحلم التركي الذي طال انتظاره بإنشاء منطقة نفوذ تركية في الشمال السوري تمتد مسافة 55 ميلاً من جرابلس، لتأمين حدودها من هجمات الانفصاليين الأكراد وتنظيم "داعش"، ويأمل الأتراك في إقناع واشنطن أن تمثل الفصائل السورية الموالية لها رأس الحربة في عمليات استعادة مدينة الرقة من تنظيم "داعش"، بدلاً من الاعتماد على "قوات سوريا الديمقراطية".

* تأثير التحولات التركية في الثورة السورية: المخاطر والفرص الكامنة

على الرغم من عمق تحولات الموقف التركي، إلا أن اعتبارها مفاجئة هو أمر مناف للحقيقة، فالسياسة الخارجية التركية تقوم على أسس براغماتية تتكيف مع المشهد الدولي الذي يمر بمرحلة تحول كبير؛ حيث تتجه بوصلة السلطة في الدول الغربية باتجاه اليمين، ويتحدث ترامب علناً عن دعمه لرئيس الحزب القومي البريطاني، فاراج، والمرشح اليميني للرئاسة الفرنسية، فيون، ويعرب عن رغبته في إنشاء تحالف مع بوتين وأردوغان باعتبارهما زعميان قويان يمكن الاعتماد عليهما لاستعادة التوازن في المناطق المشتعلة بالشرق الأوسط، وذلك في ظل تضعضع الاتحاد الأوروبي، والصعوبات التي يمر بها حلف شمال الأطلسي، وحالة الشلل التي أصابت مجلس الأمن إزاء تكرر استخدام حق النقص من قبل روسيا والصين.

وفي ظل غياب الموقف الخليجي الواضح إزاء التطورات الأخيرة، والعدائية التي يبديها الحكم في مصر إزاء تركيا؛ تشعر أنقرة أنها مضطرة لإبرام تفاهمات مع موسكو وواشنطن وتل وأبيب وطهران في ظل غياب عربي مثير للقلق.

أما على الصعيد المحلي؛ فإن المشكلة الرئيسة تكمن في عجز قوى المعارضة عن استيعاب تلك التحولات فضلاً عن الاستجابة لها، وخاصة بالنسبة للفصائل التي لم تتمكن من تطوير أدواتها، بل أخذت في التراجع أمام الضغوط الإقليمية والدولية، ويمكن الحديث عن أهم المؤثرات فيما يلي:

1- مشاريع إعادة التشكيل العسكري للمعارضة:

مقابل النزعات الاستئصالية وصراعات المحاصصة العبثية التي لا تزال المعارضة السياسية تخوض غمارها؛ تقبع فصائل الثورة أسيرة التشكيلات السلبية التي لم تنجح في الفكاك منها، حيث تعصف بكياناتها مظاهر الخلافات المرجعية التي يذكي أوارها تباين فتاوى "الشرعيين"، وتشتت شملها الصراعات البينية التي بلغت حد الاقتتال، وتفتقد مجموعاتها ميزة الانضباط الذي تتمتع به التشكيلات العسكرية وشبه العسكرية المعادية لها، وتثير تيارات الأفغنة والأدلجة والغلو الفوضى في صفوف قياداتها، وتمنع صراعات الاستئثار بالموارد فرص تطوير كياناتها نحو الاحترافأوتوحيد الجهود لمواجهة النظام وحلفائه، في حين تنشغل مكاتبها السياسية بصياغة بيانات الاندماج ومبررات الانفصال التي سئم منها السوريون.

ومثّل سقوط الأحياء الشرقية لمدينة حلب مجهراً لكشف تلك المظاهر السلبية أمام الإعلام العالمي؛ حيث انشغلت بعض الفصائل عن "حماية المدنيين" بمهاجمة فصائل أخرى تحت وقع القصف الروسي على رؤوسهم مجتمعين، وصمّت بعض القيادات آذانها عن أي نصح مخلص مؤثرة خوض معارك الفتاوى والبيانات من سراديب المدينة المدمرة.

وأسهم اختراق الاستخبارات المعادية لها في كسر شوكة فصائل حلب واضطرار بعضها لإلقاء السلاح دون قتال، ومن ثم الخروج من المدينة المنكوبة للعمل على مشروع اندماج مع خلايا تنظيم القاعدة وكأنها تعيش في كوكب آخر لا علاقة له بالتحولات الإقليمية والدولية.

ومثلت المفاوضات مع الضباط الروس اختباراً لم تبدِ فيه الفصائل أي مراس دبلوماسي، حيث دأبت على الاستجابة لضغوط"الأصدقاء"، ولم تحاول جمع أية أوراق تفاوضية لتعزيز موقفها التفاوضي، واضطرت لتوقيع وثيقة هدنة تختلف عن الصيغة التي وقعها النظام، وكشفت الكواليس عن خلافات مستشرية بين بعض الفصائل أثناء المفاوضات التي خاضتها في معزل عن شركائها السياسيين، واستمر بعضها في إصدار بيانات متناقضة وتصريحات متضاربة تعكس الخلافات بين السياسيين والشرعيين والعسكريين في مكوناتها دون إدراك لعمق الأزمة أو تحولات المرحلة.

وانعكست هذه المظاهر المخزية على تقارير أمنية أبرزها تقرير موقع "إنتلجنس أون لاين" (7 ديسمبر 2016) الذي تحدث عن بذل جهات خارجية جهوداً مضنية للتأليف بين الفصائل، ورأب الصدع بين الفرقاء بالتزامن مع التصعيد الروسي-الإيراني-الأسدي في حلب، لكن جهودهم باءت بالفشل نتيجة الصراعات الداخلية التي دفعت بالمسؤولين لكتابة تقرير متشائم عن مستقبل الفصائل في ظل الظروف الحالية.

وأبدت هذه الجهات قلقها من حجم الاختراق المتمثل بوجود عملاء وجواسيس النظام وحلفائه في كافة البنى العسكرية والأمنية والاقتصادية والإعلامية للفصائل التي تم اختراقها على مستويات قيادية مؤثرة، والتي كانت تزود غرف المعلومات التابعة للنظام وحلفائه بمعلومات وصور وإحداثيات مهمة، بل إنها في بعض الحالات كانت على اطلاع تفصيلي بما يجري من نقاشات داخل بعض غرف عمليات الفصائل، ما أسهم في إضعاف الثقة بين الفصائل وتبادل التهم بينها.

وفي مقابل مشاريع الاندماج المثيرة للجدل؛ يتردد الحديث عن مبادرة ترعاها الاستخبارات التركية لإنشاء قوة عسكرية من فصائل المعارضة بحيث تتولى مهام حماية البنى التحتية وتوفير الخدمات الأمنية ويمكن أن تشكل القوة الضاربة للمعركة المرتقبة ضد تنظيم "داعش" في الرقة.

2- إضعاف سيطرة بشار الأسد:

في ظل المداولات الإقليمية والمفاوضات الجارية بدا بشار الأسد فاقداً للمبادرة تماماً، حيث كانت تصريحاته تسير بصورة مغايرة لتوجهات حلفائه، وأظهرت المقاطع المصورة هيمنة الإيرانيين واللبنانيين على الأرض بينما كان بشار يتحدث من فقاعته اليوطوبية بأحد سراديب القصر الجمهوري عن فلسفة التاريخ.

وبخلاف سيناريوهات التصعيد التي تحدث عنها بشار؛ فإن روسيا بادرت إلى تعزيز مكتسباتها من خلال الاتفاق مع طهران وأنقرة على وقف للقتال، مدركة أن النظام لا يستطيع تعويض نقصه العددي إلا من خلال الاعتماد على الميليشيات الأجنبية، مما دفع موسكو لإرسال كتيبتي مهمات شيشانية خاصة لحماية مقراتها الإستراتيجية عقب الفشل الذريع لقوات النظام في تدمر.

وبدا من الواضح أن بشار الأسد بات أكثر ارتهاناً بحلفائه الأجانب، وأشد اضطراراً إلى القبول بفقدان مساحات من سوريا ووجود جيوب لمعارضة لن يتمكن من سحقها؛ فالانتصارات التي تحققت في ساحة المعركة لم تؤمن حكم الأسد، وإنما عززت النفوذ الروسي والإيراني على حساب جيشه المنهك.

وعلى الرغم من الانتصار المكلف في حلب؛ إلا أن المعركة قد عززت البعد الطائفي للصراع، وأسهمت في تهجير المزيد من السوريين، وفاقمت الأزمة الاقتصادية التي يعاني منها نظام دمشق في ظل العقوبات الغربية المفروضة عليه منذ عام 2011، في حين تقتصر سلطة بشار في دمشق على إدارة هيكل دولة فاشلة لا مستقبل لها مما يمثل خطراً على الأمن الإقليمي والأمن الدولي.

وأثارت المفاوضات الروسية المباشرة مع الفصائل حفيظة نظامي دمشق وطهران، خاصة وأن موسكو رفضت تمثيل النظام بأية صورة في المفاوضات التي أجراها الضباط الروس مع فصائل المعارضة في تركيا، كما أنها اعترفت رسمياً بالوجود العسكري التركي وبدور فصائل المعارضة في محاربة تنظيم "داعش" ببلدة الباب، مما يؤكد أن النظام قد فقد أية قدرة على التأثير في سياسات موسكو، وأنه بات يخضع بالكامل لإملاءات الضباط الروس الذين أصبحوا يتحكمون بسير المعارك ويتفاوضون مع الأتراك والإيرانيين على مستقبل سوريا دون مشاركة الأسد.

ومثل فرار قوات النظام أمام مقاتلي داعش في 11 ديسمبر خطراً كبيراً على القواعد الجوية وأنظمة الدفاع الجوي S300 وS400 في تدمر، حيث ألقى الضباط الروس اللوم على قوات النظام التي فرت من الموقع تاركة للتنظيم حرية الحركة في المدينة وضواحيها، بعد أن أخلت فرع الأمن العسكري والقاعدة العسكرية المجاورة له دون مقاومة.

ولا يُخفي المسؤولون السوريون خلافاتهم مع الروس، حيث نقل تقرير غربي عن أحد المقربين من الأسد، قوله: "نريد أن نسترجع كل سوريا، وأما الروس، يريدون سوريا المفيدة، وهذا هو الاختلاف الرئيس، فبالنسبة لموسكو، فإن الهدف هو استعادة المدن الكبيرة والضواحي المحيطة بها وشبكة خطوط أنابيب النفط والغاز في البلاد"، لكنه اعترف أنه: "ليس لدينا بديل... نحن لسنا سادة الموقف على طاولة المفاوضات حول عملية الانتقال السياسي".

3- إضعاف النفوذ الإيراني لمصلحة المصريين:

يشعر الإيرانيون بالقلق من توجه روسيا لإضعاف نفوذهم في سوريا؛ ولا يخفي مقاتلو "حزب الله" امتعاضهم من تدخل الاستخبارات الروسية لمنعهم من بناء منشآت عسكرية سرية كانوا قد بدأوا في تشييدها بالقرب من مرتفعات الجولان التي تحتلها إسرائيل، وذلك حرصاً على علاقات جيدة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، كما يتردد الحديث عن وقوع اشتباكات بين الروس والإيرانيين نتيجة خلاف حول الحرس الشخصي للأسد، الذي يضم سوريين وإيرانيين من وحدة المهدي.

وبينما تمنع موسكو إيران وحلفاءها من تشييد المزيد من القواعد؛ تقوم في الوقت نفسه بتعزيز قدراتها في مناطق مختلفة من البلاد، حيث تقوم فرقة هندسة من القوات الجوية الروسية ببناء قاعدة جوية أخرى في "أخترين" شمال شرقي حلب، وتعمل على إنشاء مدرجات جديدة لمقاتلات القوات الجوية والقاذفات وبناء مرابض لبطاريات الصواريخ المتقدمة المضادة للطائرات.

وفي مقابل التعليمات المشددة لأجهزة الأمن السورية بإضعاف العامل الثقافي الإيراني في البلاد؛ يكثف ضباط النظام المقربون من روسيا اتصالاتهم مع القاهرة التي تتبنى برنامج تعاون عسكري-أمني مع دمشق، حيث تم توزيع ضباط مصريين على أكثر من مركز تنسيق، بدأت في رئاسة الأركان السورية في دمشق وفي قاعدة حماه الجويّة، وتوسّعت مؤّخراً لتشمل قاعدة حميميم الجويّة ومطار "تي فور" في ريف حمص الشرقي، فضلاً عن انتشار مجموعة من المستشارين في عدد من غرف العمليات العسكرية السورية، من درعا إلى حماه إلى جورين في منطقة سهل الغاب، ويتوقع أن يتم تعزيزها بإرسال قطعات بحرية مصرية وكتيبة هندسية من الجيش المصري، مهمّتها نزع الألغام والعبوات الناسفة لتبدأ أولى مهماتها في أحياء مدينة حلب الشرقية بالتعاون مع القوات السورية والروسية.

وأكد تقرير أمني (7 ديسمبر 2016) أن مصر تمثل أحد أهم عناصر تغير معادلة الصراع في سوريا، حيث تنخرط القاهرة في تنفيذ أجندات موسكو العسكرية والعمل على توفير الدعم والإسناد لعمليات البحرية الروسية شرقي البحر الأبيض المتوسط.

ويبدو أن موسكو ترغب في استبدال ميلشيات "حزب الله" والحرس الثوري الإيراني بقوات مصرية تدريجياً، بحيث يتم التعاون في المرحلة الأولى على مستوى الخبراء، بحيث يتم استبدال الخبراء الإيرانيين الذين يقدر تعدادهم بنحو 400 من الباسدران بالخبراء المصريين، ومن ثم العمل على إخراج قوات "الرضوان" التابعة لحزب الله اللبناني والتي يبلغ قوامها نحو 4000 مقاتل، وإخراج نحو 4000 من الميلشيات الشيعية العراقية، والعمل على إحلالهم بنحو 4000 مجند مصري، والاستفادة من قدرتهم على الإمداد والانتشار بحكم موقعها الإستراتيجي في قناة السويس.

* خيارات الثورة في ظل التحولات:

لا تزال الدبلوماسية التركية تسير ضمن سياق براغماتي هش، يرتكز إلى توافقات جانبية مع موسكو دون أن تحظى تلك المبادرات بتعاطف إقليمي أو دولي.

وفي ظل نأي دول مجلس التعاون بنفسها عن المبادرة التركية الأخيرة، وحديث إعلامها عن غموض التوافقات بين أردوغان وبوتين، تُثار تساؤلات أوروبية وأممية حول قدرة أنقرة على ترويض الدب الروسي الجانح.

فقد حاول نتنياهو في نهاية عام 2015 التوصل إلى تفاهمات مع بوتين، لكنه أصيب بخيبة أمل من تكرار الخروقات الروسية للاتفاقات مع تل أبيب، ولا تزال الحكومة الإسرائيلية تشعر بالقلق من نوايا موسكو في حين تشتكي رئاسة أركانها من عدم التزام القيادة العسكرية الروسية بتعهداتها.

ولا تخفي دوائر الخارجية الأمريكية سخريتها من مناورات أردوغان مع بوتين، في حين يراهن الديمقراطيون على فشل تركيا بعد أن قدم كيري لبوتين تنازلات أفقدت الولايات المتحدة هيبتها الإقليمية، دون تحقيق أي إنجاز يذكر، وهي الدبلوماسية نفسها التي سار فيها الأوروبيون مع روسيا إزاء الأزمة الأوكرانية دون التوصل معهم إلى أي اتفاق.

وينظر الإيرانيون والميلشيات التابعة لهم بعين الريبة للنوايا الروسية في مرحلة ما بعد حلب، خاصة وأن بوتين قد هدد قواتهم بالقصف إذا لم يلتزموا بالاتفاق الذي أبرمه الضباط الروس مع قادة الفصائل في أنقرة، في حين يتحدث ملالي طهران عن عدم تطابق السياسات بين البلدين في المرحلة القادمة ويراهنون على الاستمرار في التصعيد والعمل على إفشال أي اتفاق يمكن أن تتوصل إليه المعارضة مع روسيا وأنقرة.

ولم تخفِ القاهرة امتعاضها من الاتفاق الذي أبرمته الفصائل -التي تصنفها بأنها متشددة- برعاية تركية مع الضباط الروس في منأى عنها، حيث تشعر الخارجية المصرية من أنها دفعت ثمناً باهظاً على حساب تحالفاتها التقليدية مع الرياض وأبو ظبي نظير إرضاء موسكو التي رجحت كفة أنقرة وفضلت إبرام اتفاق مع الفصائل "المتشددة" بدلاً من منح "منصة القاهرة" الأفضلية في المفاوضات المزمعة بالآستانة.

وفي ظل المعادلة المعقدة، ومشهد الصراع المتداخل، وتعدد أطراف الصراع، يثور الحديث عن تفاهمات روسية-كردية قد لا ترضي أنقرة، ويتساءل بعض المسؤولين الأتراك إن كانت موسكو تنوي بالفعل التخلي عن حلفائها الإستراتيجيين في طهران وبغداد ودمشق، أم أنها ستدفع بالأتراك نحو الاندماج مع ذلك التحالف عبر سياسة فرض الأمر الواقع، ومنح أنقرة بعض المكتسبات المتواضعة على أنقاض المدنيين في منبج والباب.

مما يدعونا للتأكيد على ضرورة أن لا تعول المعارضة السورية على الاتفاقيات الجانبية التي لا يمكن أن تحل محل الدبلوماسية الدولية، وأن تتوقع تحركاً من قبل مختلف الأطراف الساخطة من التوافقات التركية-الروسية عاجلاً أو آجلاً لإفشال تلك الترتيبات، خاصة وأن الروس قد وقعوا قرار 2254، وأعلنوا موافقتهم على اتفاق "هدنة شباط"، لكنهم لم يلتزموا بأي من تلك التعهدات.

ومع أن الفصائل حققت إنجازات كبيرة في السنوات الماضية ضد حكم بشار الأسد؛ إلا أنها عجزت عن ترجمة تلك الإنجازات ضمن إطار بنيوي يحمي مكتسباتها، بل وقعت رهينة التشرذم والصراع البيني والخلاف الإيديولوجي الذي نتج عنه كارثة سقوط حلب.

ويلاحظ من خلال أداء الفصائل بعد حلب أنها مصرة على معالجة الأخطاء بأخطاء أكبر، من ذلك توجه بعضها للتحالف مع تنظيم القاعدة، والارتهان بأجندات خارجية، والاستجابة للضغوط التركية دون تمحيص، ومحاولة خوض غمار الدبلوماسية دون سابق خبرة أو معرفة، ولا يزال منسوبوها مصرون على الانفراد بقرارات مصيرية والتحدث باسم المعارضة على الرغم من عدم الاتفاق فيما بينهم على الخطوط العريضة لمرحلة الآستانة وتحدياتها.

وبعيداً عن الدبلوماسية الدولية؛ فإنه يتعين على المعارضة التحرك في خطوط موازية تقوم على الأسس التالية:

1-     عدم التعويل على اتفاق وقف إطلاق النار مع الروس أو على مفاوضات الآستانة المزمعة، وأن يُستفاد منها قدر الإمكان لكسب الوقت واستعادة التوازنات التي فقدتها فصائل الشمال عقب سقوط الأحياء الشرقية من مدينة حلب.

2-     مقاومة جاذبية بعض الفصائل لكسب المزيد من الأعداء الإقليميين والدوليين وفق منظور قاصر يتلبس بلبوس التأصيل الشرعي عند الهواة والمزايدين من قيادييهم.

3-     وضع خطط ناضجة لإعادة التشكيل وفق أسس احترافية يتم بموجبها نقل المعركة من "حرب المدن"التي لم يكن من المفترض أن تخوضها هذه الفصائل، إلى "حرب العصابات" التي أثبتت أنها أكثر إثخاناً وأقدر على إلحاق أضرار مباشرة بالنظام وحلفائه، والسعي من خلال ذلك إلى الانتقال من وضعية الدفاع إلى الهجوم، ومن المتلقي إلى المبادر بحيث تتمكن من ضرب الأهداف التي تختارها.

4-     الاستفادة من الدبلوماسية التركية-الروسية فيما يسهم بإضعاف النظام من جهة، ويؤجج الخلاف مع طهران والميلشيات التابعة لها من جهة أخرى، فقد أثبتت التجارب أن الخلاف بين موسكو وطهران يتفاقم كلما انتقلت الثورة من مرحلة القتال إلى مرحلة الدبلوماسية، ويمكن ملاحظات الجهود التي يبذلها أركان النظام في الأيام الأخيرة من خلال جولاتهم المكوكية بين طهران والقاهرة لرأب الصدع وتوضيح المواقف الساخطة لكلا العاصمتين.

5-     الاستفادة من التحولات التركية في المجالين السياسي والعسكري لإضعاف القوى الانفصالية الكردية بهدف حماية وحدة البلاد ومنع مشاريع التقسيم، وفتح قنوات التواصل والتنسيق مع القوى الكردية المناوئة لحزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب في هذا المجال.

6-     العمل على استعادة الزخم الشعبي والدفع باتجاه إعادة توحيد القوى السياسية فيما يتوافق مع تحولات المرحلة، وذلك بالاستناد إلى الخبرات السياسية والتمتع بفضيلة التشاور مع أهل الخبرة في مجالات المفاوضات وفض النزاعات وإدارة الصراع.

ويجب أن ترتكز جهود المعارضة على إدراك أنه مهما كانت نوايا بعض الدول الداعمة والصديقة صادقة تجاهها، إلا أن الوضع السياسي المعقد والمصالح القومية والقطرية والموازنات المتشابكة، تُلجئ تلك الدول إلى مواقف وأفعال ليست بالضرورة في مصلحة الثورة السورية.

** رابط الجزء الأول من المقال: http://alasr.ws/articles/view/18287


تم غلق التعليقات على هذا الخبر