تحولات الموقف التركي وتأثيره في الثورة السورية 1/2

2017-1-2 | د. بشير زين العابدين تحولات الموقف التركي وتأثيره في الثورة السورية 1/2

بقلم: د. بشير زين العابدين / باحث سوري

* ملامح التحول التركي:

أثار تحول الموقف التركي إزاء الأزمة السورية الكثير من التساؤلات حول طبيعة ذلك التحول وأبعاده المترقبة على مسار الثورة، في حين ربطت الكثير من المصادر تحولات السياسة الخارجية التركية بالمحاولة الانقلابية الفاشلة في 15 يوليو الماضي؛ والتي نشطت الدبلوماسية التركية بعدها بصورة ملحوظة، وخاصة فيما يتعلق بمحاولة تفكيك العقدة السورية من خلال التوصل إلى تفاهمات إقليمية ودولية.

لكن الحقيقة هي أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان كان قد قام قبل محاولة الانقلاب الفاشلة بنحو شهرين بانعطافة حادة في سياسة بلاده نتج عنها استقالة رئيس الوزراء السابق أحمد داود أوغلو وتولي بن علي يلدريم في 24 مايو 2016، والذي أخذ على عاتقه تبني عملية تحول جذرية في السياسة الخارجية التركية، ومن أبرزها ملامحها:

أولاً: إعادة العلاقات مع تل أبيب

بعد شهر من تولي يلدريم رئاسة الحكومة؛ عادت العلاقات التركية-الإسرائيلية إلى سابق عهدها عقب اعتذار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الشفهي، ومن ثم تنازل أنقرة عن القضية المرفوعة ضد تل أبيب في المحكمة الدولية، ورأت دراسة نشرها موقع "ديفينس ون" العسكري (27 يوليو 2016) أن عودة العلاقات بين البلدين جاءت نتيجة إحباط أنقرة من إصرار إدارة أوباما على دعم حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي ووحدات حماية الشعب الكردية المرتبطتان بحزب العمال الكردستاني؛ مشيرة إلى أن العامل الكردي هو العنصر الأساسي الذي يقود تركيا للتطبيع مع إسرائيل، حيث ترغب أنقرة في تخفيف نزعة تل أبيب لدعم استقلال أكراد العراق، وتفويت فرصة إقامة علاقة بين أكراد سوريا مع إسرائيل، وإقناع إسرائيل بالتوقف عن دعم طموحات أكراد سوريا لتحقيق الاستقلال.

ونظراً للاعتقاد السائد بأن نفوذ تل أبيب قد يغير توجهات واشنطن؛ فقد حرص أردوغان على الالتقاء بقادة اليهود الأمريكيين مرتين في الربيع الماضي،وأعرب عن أمله في أن يختار اليهود الوقوف في صف الأتراك حينما تشتد المنافسة على الاختيار بين الأكراد وبين أنقرة، كما أن خيبة الأمل التركية والفشل في التقارب مع معظم الدول العربية قد سرع من وتيرة هذا التقارب الذي قام على أنقاض محاولات فاشلة لإنشاء تحالفات عربية-كردية في مرحلة ما بعد الربيع العربي.

ثانياً:ا لانتقال من حالة العداء إلى إبرام تحالف إستراتيجي موسكو

وفي غضون الأشهر الثلاثة عقب تولي يلدريم بذلت تركيا وساطات عديدة لإصلاح العلاقات مع روسيا؛ وتوجت تلك الجهود بزيارة أردوغان لنظيره بوتين في مدينة سان بطرسبرغ يوم الثلاثاء 9 أغسطس 2016، مصطحباً معه عدداً من القادة الأمنيين والعسكريين للتباحث مع نظرائهم الروس حول سبل التعاون الميداني في الملف السوري، وتم الاتفاق على إنشاء غرفة عسكرية مشتركة للتنسيق في الشأن السوري، وأكد تقرير "ديبكا" (12 أغسطس 2016) أن روسيا وأنقرة قد اتفقتا على تفعيل دور المجلس المشترك في منع قوات سوريا الديمقراطية من التقدم نحو الحدود السورية-التركية، وأن يتاح للقوات التركية مجال التوغل في الحدود السورية.

وأشار موقع "ستراتفور" الأمني (12 أغسطس 2016) إلى أن بوتين عرض تبادل المعلومات الاستخباراتية مع أنقرة، وتضمنت المباحثات الأمنية كذلك قيام الفريق التركي بعرض فكرة إدماج فصائل المعارضة شمال البلاد في تشكيل موحد وتدشين عملية سياسية بإشراف روسي-تركي مشترك، وذلك مقابل الحصول على ضمانات روسية تخصَ الملف الكردي والحدودي، كما تضمنت المباحثات بين الجانبين سبل تعزيز التعاون الاقتصادي واستئناف العلاقات التجارية مقابل "تنسيق أكبر" لإعادة الهدوء وتثبيت آليات وقف إطلاق النار داخل سوريا.

وفي تصديق للتكهنات بوجود تفاهمات بين موسكو وأنقرة حول سوريا؛ تحدث بوتين عقب سقوط الأحياء الشرقية من مدينة حلب عن اتفاقه مع نظيره رجب طيب أردوغان في شهر أغسطس المفضي إلى استسلام المعارضة المسلحة في شرق حلب، وفتح مسار تفاوضي جديد يوازي مسار جنيف دون انخراط واشنطن والقوى الإقليمية الفاعلة، وأكد بوتين في مؤتمر صحافي مع نظيره الياباني في 16 ديسمبر أن: "كل شيء يجري وفق التوافقات التي أبرمناها، بما في ذلك الاتفاقات مع الرئيس التركي خلال زيارته سان بطرسبورغ"، مضيفاً: "اتفقنا أن توفر تركيا  كل مساعدة ممكنة بالنسبة لإزالة هؤلاء المسلحين المستعدين للاستسلام في حلب".

ثالثاً: تعزيز العلاقة مع الإدارة الأمريكية الجديدة

عقب توتر شاب العلاقات بين تركيا وإدارة أوباما؛ فتحت الانتخابات الأمريكية باباً جديداً لإعادة الحرارة بين البلدين من بوابة الحزب الجمهوري، وذلك عقب تغريدة أطلقها دونالد ترامب في 24 أغسطس الماضي أشار فيهما إلى وجود أدلة لديه بتورط 13 ضابط من وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) في محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا، مؤكداً أن: "قيادة أوباما الفاشلة" هي السبب في وقوع هذه: "الأخطاء الغبية التي تعرض مصالح أمريكا للخطر".

في هذه الأثناء تحدث مستشارو ترامب عن دور الإدارة الأمريكية في دعم تنظيم فتح الله غولن، وتغلغلهم في دوائر الحزب الديمقراطي ودعمهم لكلنتون في حملتها الانتخابية، فقد أكد الجنرال مايكل فلين  الذي كان يترأس جهاز الاستخبارات العسكرية أن إدارة أوباما كانت ترغب في إنجاح المحاولة الانقلابية ضد أردوغان لتعزيز دور غولن وجماعته في أنقرة، ورأى أن كلنتون كانت ترغب في تحقيق دفعة كبيرة على الصعيد الخارجي من خلال استبدال أردوغان بجماعة غولن "الأكثر انفتاحاً" كجزء من إستراتيجيتها لدعم حركات التغيير في الشرق الأوسط منذ عام 2011.

وأشار التقرير إلى أن مستشاري ترامب قد تحدثوا عن وجود الآلاف من مؤيدي غولن في صفوف حملة كلنتون الانتخابية، في حين أسهمت الاتهامات التي أطلقها فريق كلنتون لبوتين بدعم ترامب في التقريب بين الزعيمين بالفعل، ويتوقع أن تسهم علاقة التقارب بين بوتين وأردوغان مع ترامب في إنشاء تحالف بين الدول الثلاثة لحسم الملفات العالقة في المنطقة العربية، وعلى رأسها الملفين السوري والعراقي.

واتهم تقرير "ديبكا" (14 نوفمبر 2016) أوباما بمحاولة إفساد التعاون بين فريق ترامب مع موسكو وأنقرة بإرسال شحنة ضخمة من السلاح إلى وحدات حماية الشعب الكردية في سوريا، لإفساد أية ترتيبات يمكن أن يصوغها فريق ترامب مع أنقرة وأربيل قبل توليه الإدارة مطلع العام القادم.

كما تحدث التقرير عن وجود تفاهمات تركية-روسية بدعم من فريق ترامب لتمكين الأتراك من السيطرة على الرقة بدعم جوي روسي لطرد تنظيم "داعش" منها بحلول منتصف يناير 2017، وذلك في مقابل دعم تركيا لمفاوضات سرية مباشرة بين الروس والفصائل الرئيسية في حلب تمهيداً لاتفاق بين الطرفين، وبذلك يكون ترامب قد دشن عهده بإنجازين مهمين في كل من الرقة وحلب، ولذلك فإن فريقه يعمل بجد في الفترة الحالية على تكثيف التواصل مع أنقرة وموسكو، وكذلك أربيل لتعزيز التعاون بين هذه القوى الإقليمية، وذلك في ظل تعثر حملة أوباما في الموصل وفشلها في تحقيق أي تقدم يذكر.

ويدور الحديث ﻓﻲ واﺷﻨﻄﻦ ﻋﻦ قيام الإدارة المنتخبة بإعداد خطة لمعالجة الأزمة السورية بالتعاون مع موسكو، وتتضمن اﻹﺑﻘﺎء ﻋﻠﻰ بشار اﻷﺳﺪ ﻣﻊ ﺗﺨﻠﯿﮫ ﻋﻦ ﺑﻌﺾ اﻟﺼﻼﺣﯿﺎت ﻟﺤﻜﻮﻣﺔ ﺗﺸﺎرك فيها جهات من المعارضة، وذلك بالتزامن مع إﺧﺮاج اﻟﻘﻮات اﻹﯾﺮاﻧﯿﺔ والميلشيات التابعة لها ﻣﻦ ﺳﻮرﯾﺎ، وعلى رأسها "حزب الله"، وتنفيذ خطة رديفة ﻻﺳﺘﯿﻌﺎب اﻟﻤﻌﺎرﺿﺔ ﻓﻲ ﺻﻔﻮف ﻗﻮات "ﺷﺒﮫ ﻧﻈﺎﻣﯿﺔ" تمهيداً لضمها إلى جيش النظام ﻓﻲ ﻣﺮﺣﻠﺔ ﻻﺣﻘﺔ.

رابعاً: إضعاف دور الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي

جاء التقارب التركي مع موسكو ومع مجموعة ترامب بواشنطن على حساب العلاقات مع الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي؛ ورأت دراسة نشرها معهد "أتلانتيك كاونسل" (12 أغسطس 2016) أن إصلاح العلاقات التركية-الروسية قد جاء بعد إبداء أنقرة استعدادها للنأي بنفسها عن حلف شمال الأطلنطي وحلفائها الغربيين التقليديين، وذلك عقب تدهور العلاقات بين أنقرة والغرب بسبب شكوك حزب العدالة والتنمية وجزء كبير من المجتمع التركي في تعاطف الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي مع المحاولة الانقلابية الفاشلة وعدم إظهار التضامن الكافي مع تركيا التي تطالب الإدارة الأمريكية بتسليم فتح الله غولن.

وقد أثار التقارب بين موسكو وأنقرة قلقاً في غرب أوروبا وإدارة أوباما من أن تركيا قد تبتعد عن حلفائها التقليديين، وستمنح روسيا فرصة إضعاف حلف الناتو،خاصة وأن السياسيين الأتراك يشعرون بأن حلفاءهم الغربيين قد تخلوا عنها بعد محاولة الانقلاب الفاشلة، في حين يثور القلق لدى العسكريين من أن حلف شمال الأطلسي "ناتو" قد أهملهم ومارس عليهم نوعاً من الابتزاز خلال السنوات الخمسة الماضية، إذ لم ينشر الحلف سوى عدد قليل جداً من بطاريات "الباتريوت" في تركيا حتى عندما تعرضت الأراضي التركية لتهديدات بالغة عقب إسقاط المقاتلة الروسية.

وتشير تقارير أمنية غربية إلى تنامي قلق دول الاتحاد الأوروبي من مخاطر سماح تركيا بتدفق أفواج اللاجئين باتجاه أوروبا، وهو أمر يرغب بوتين بالاستفادة منه في الضغط على الغرب لرفع العقوبات المفروضة على روسيا وتقديم تنازلات أساسية فيما يتعلق بالملفين: الأوكراني والسوري، وفي هذه الأثناء يثور القلق في أوساط الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي من الاتصالات السرية الدائرة بين فريق ترامب والكرملين، حيث بشر ترامب خلال حملته الانتخابية بتحقيق انفراج في العلاقات بين موسكو وواشنطن، في حين بدا غير مهتم بتعزيز التحالف معهم، حيث طالب الدول الأعضاء بإجراء مراجعة شاملة لقدرات حلف الناتو وحث الدول الغربية على المزيد من الإنفاق العسكري بدلاً من الاعتماد على واشنطن، ودعاهم في الوقت نفسه إلى التعاون مع روسيا في "محاربة الإرهاب".

خامساً: كبح النزعات الانفصالية الكردية في الشمال السوري

دفعت السياسة الخارجية التركية خلال الأشهر الثلاثة الماضية نحو كبح النزعات الانفصالية الكردية شمال سوريا، وذلك بالتزامن مع تدشين الجيش التركي عملية عسكرية شمال سوريا، يوم الأربعاء 24 أغسطس 2016، وكان هدف العملية واضحاً منذ الأيام الأولى عندما صرح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن: "العملية العسكرية لا تقتصر على ضرب داعش، وإنما تستهدف القوات الكردية"، مما شكل ضربة قاسية لمشروع "وحدات حماية الشعب" الكردية بتأسيس كيان مستقل، في ظل وجود مؤشرات على أن التحرك التركي جاء ضمن توافقات مع موسكو، حيث جاءت العملية في أعقاب قمة أردوغان-بوتين في بطرسبرغ.

وترمي تركيا من هذه الحملة إلى تأمين حدودها مع سوريا في مسافة يبلغ طولها 100كم وعمقها نحو 15-17كم، ومنع الانفصاليين الأكراد من الوصل بين الأقاليم الثلاثة: عفرين والقامشلي والحسكة، كما تخطط في الوقت ذاته للتوغل في الأراضي السورية وصولاً إلى مدينة الباب التي تحاصرها في الوقت الحالي.

سادساً: فتح قنوات تواصل مع نظام دمشق

جاء حديث رئيس الوزارء بن علي يلدريم عن إمكانية تطبيع العلاقات مع دمشق في شهري يوليو وسبتمبر 2016، مؤكداً لتسريبات نشرت بشأن اتصالات سرية جرت بين ضباط أتراك ومسؤولين سوريين، حيث تحدث زعيم حزب الوطن الاشتراكي المعارض، دوغو بيرنيسيك، ونائبه الجنرال إسماعيل حقي بيكين، وهو قائد سابق للاستخبارات العسكرية التركية لمجلة "فورين بوليسي" الأميركية عن تبادل رسائل بين مسؤولين أتراك وسوريين. وكشفا أنهما أجريا لقاءات مع مسؤولين من روسيا والصين وسوريا وإيران، ونقلا رسائل تلقوها خلال تلك اللقاءات إلى مسؤولين في وزارة الخارجية والجيش التركي.

وأكد تقرير مجلة "فورين بوليسي" أن قادة ذلك الحزب لا يزالون يمررون رسائل بين مسؤولي الحكومتين التركية والسورية، خاصة وأن:"أزمة اللاجئين المتصاعدة والحملة العسكرية الروسية في سوريا وسيطرة الميليشيات الكردية على الجزء الشمالي من البلاد، لا تترك لتركيا خياراً سوى التعامل مع نظام الأسد".

وأضافت المجلة أن "بيكين" قد زار دمشق ثلاث مرات برفقة ضباط أتراك متقاعدين، والتقوابمسؤولين سوريين، بينهم محمد ديب زيتون رئيس فرع المخابرات العامة، وعلي مملوك رئيس مكتب الأمن الوطني، ووزير الخارجية وليد المعلم ونائبه فيصل المقداد، وعبد الله الأحمر، مساعد الأمين العام لحزب البعث السوري، وركزت تلك اللقاءات على كيفية تمهيد الأرضية لاستئناف العلاقات الدبلوماسية والتعاون السياسي بين تركيا وسوريا، ومؤكداً أن لقاءه مع مملوك مكَنه من التواصل مباشرة مع رأس السلطة في سوريا، إذ: "كان مملوك يستأذن للانتقال إلى غرفة مجاورة من أجل التحدث إلى الأسد مباشرة".

وأوضح أنه نقل إلى مسؤولين كبار في الجيش التركي ووزارة الخارجية خلاصة محادثاته بعد كل زيارة قام بها، وأنه لمس، خلال الأشهر الأخيرة، تحولاً تدريجياً في مواقف المسؤولين الأتراك.

وكان موقع "ديبكا" (يوليو 2016) قد أكد قيام مجموعة من عناصر الاستخبارات التركية بزيارة سرية إلى دمشق، في شهر يوليو الماضي للتباحث مع رئيس الأمن الوطني اللواء علي مملوك حول قضايا تتعلق بتأمين الحدود بين البلدين، كما عقدت اجتماعات سرية أخرى في إقليم "هاتاي"، وأشار التقرير إلى أن الاتصالات التركية مع النظام تجري ضمن عملية التقارب مع روسيا وتهدف إلى تحييد عوامل التوتر بين موسكو وأنقرة.

سابعاً: تغلب النزعة اليمينية الدافعة باتجاه مشروع "أوراسيا"

عقب تطهير أجهزة الدولة من جماعة غولن؛ ارتفعت أسهم مجموعة من القوميين الذين تم تعيينهم في مناصب دبلوماسية رفيعة وفي حلف شمال الأطلسي "ناتو"،  وكشفت صحيفة "تايمز" البريطانية أن عملية التطهير تلك لم تقتصر على مناصب رفيعة بحلف الناتو، بل طالت أكثر من مائة ملحق عسكري في السفارات التركية في العالم، وعزت الصحيفة تلك التوجهات إلى التوافق الذي حققه أرودغان مع بوتين في الأشهر الماضية، مؤكدة أن فوز ترامب، وما أعقبه من اتصالات مع مستشاره للأمن القومي، الجنرال المتقاعد مايكل فلين، قد عزز اتجاه أنقرة للابتعاد عن الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو مقابل التوصل إلى تفاهمات تركية-أمريكية-روسية حول الملفات الإقليمية العالقة، وخاصة فميا يتعلق بالعراق وسوريا والأكراد.

وتحدث الباحث التركي مصطفى أكيول في مقال نشره بموقع "ألمونيتور" (15 ديسمبر 2016) عن وجود "مجموعة من الأشخاص المقرّبين من أردوغان" لديهم "خطة مفصّلة" لإعادة رسم مستقبل تركيا على أساس الانفصال الكامل عن المؤسسات الأوروبية، وأطلق على هذه المجموعة اسم: "الأوراسيويين" والتي تتكون من قوميين علمانيين تجمعهم روابط بالصقور في المؤسسة العسكرية، والذين يعارضون عملية الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وتتطلّع بدلاً من ذلك إلى التقارب مع روسيا والصين والتقدم باتجاه الانضمام إلى "ميثاق شنغهاي"، مشيراً إلى أن هذه المجموعة ترفع إحاطات إلى وزارة الخارجية التركية حول مسائل متنوّعة، وتمارس دوراً أساسياً في تطهير مؤسسات الدولة من جماعة غولن، وتحض على ترك الغرب والبحث عن مستقبل تركيا في "أوراسيا"، لا سيما من خلال العلاقات مع روسيا والصين، وكان لهذه المجموعة تأثير واسع في رأب العلاقات التركية-الروسية إبان الأزمة التي تسبّب بها قيام تركيا بإسقاط طائرة حربية روسية العام الماضي، وحتى في إطلاق حوار غير مباشر مع نظام بشار الأسد.

وعزا أكيول تلك التوجهات في "حزب العدالة والتنمية" إلى مكونين أساسيين هما: رجال الأعمال الذين يملكون استثمارات كبيرة في روسيا، وزمرة أكثر أيديولوجية مؤلّفة من بعض مستشاري الرئيس أردوغان، وبعض الشخصيات الأساسية في البيروقراطية، والذين يعتقدون فعلاً أن هناك مؤامرة غربية كبرى ضد تركيا، وأنه على أنقرة أن تتحالف مع بوتين في مواجهة الغرب، لكنها تعتقد بوجود "جانب مشرق" في الغرب يتمثل بدونالد ترامب الذين يتوقعون منه ترحيل غولن ووقف الدعم الأمريكي للمقاتلين الأكراد في سوريا.

ثامناً: التعاون مع ترامب وبوتين لإضعاف النفوذ الإيراني

تترقب أنقرة باهتمام بالغ توجهات ترامب ومجموعته نحو التصعيد مع طهران، والضغط عليها لوقف برامجها الصاروخية وسياساتها المتطرفة في المنطقة، وقد تم إعداد قائمة بالعقوبات الاقتصادية والدولية التي يمكن فرضها لدى تولي الإدارة الجديدة مقاليد الحكم في 20 يناير المقبل.

ويرى مسؤولون بوزارة الخارجية التركية في الإدارة الأمريكية المنتخبة فرصة سانحة لإضعاف النفوذ الإيراني المتنامي في المنطقة؛ حيث عزز ترامب فريقه بشخصيات أمنية وعسكرية ترى ضرورة مراجعة الاتفاقية النووية التي أبرمتها إدارة أوباما معها عام 2015، وممارسة المزيد من الضغوط عليها لاستعادة التوازن في المنطقة، وذلك من خلال إنشاء علاقة تعاون مع موسكو وأنقرة للسيطرة على تصرفات إيران، حيث يعمل نائب الرئيس المنتخب مايك بنس، والمرشحين لوزارة الخارجية تيليرسون والدفاع جيمس ماتيس، والمرشح لمنصب نائب وزير الدفاع مكفرلاند، للتوصل إلى اتفاق مع موسكو وأنقرة على إخراج القوات الإيرانية والميلشيات الأجنبية التابعة لها من العراق وسوريا.

ويتحدث دبلوماسيون في أنقرة عن خلاف حقيقي بين موسكو وطهران أثناء مفاوضات إخراج المدنيين من مدينة حلب، حيث دأبت الميلشيات الإيرانية على إفساد جميع الترتيبات التي أبرمها الروس مع أنقرة، وعمدت قواتها إلى ارتكاب انتهاكات بحق المدنيين، مما دفع روسيا للتهديد بقصف أي طرف يخرق الاتفاق.

ولا يقتصر الخلاف بين البلدين على حيثيات الاتفاق، بل يتعدى ذلك ليشمل الجوانب العسكرية؛ ففي مقابل مخططات قاسم سليماني لإنشاء قوة "شيعية" في سوريا والعراق؛ تعمل موسكو على مشروع منافس يطلق عليه اسم: "الفيلق الخامس-اقتحام" الذي أعلن عن تأسيسه في سوريا في 22 نوفمبر الماضي، والذي يشرف على تشكيله العماد فلاديمير بابوف، نائب رئيس هيئة الأركان الروسية بصورة شخصية، وتهدف روسيا من خلال هذا التشكيل الجديد إلى تجنيد نحو مائة ألف من العلويين بهدف تمكين النظام من الاحتفاظ بالمناطق التي سيطر الروس عليها مؤخراً.

وفي تأكيد لتلك الخلافات؛ نشر موقع "يوارسيا ريفيو" دراسة (13 أكتوبر 2016) تناولت أبعاد الصراع الروسي-الإيراني في سوريا، مؤكدة أن التنافس الإيراني-الروسي الكبير على الطائفة العلوية يمثل حلقة أساسية منه، إذ إن أية تسوية سياسية مرتقبة ستقتضي وجود تقاسم طائفي للسلطة، ولا شك في أن العلويين سيشغلون مراكز سياسية ومؤسساتية هامة،مما يدفع بروسيا وإيران للتنافس على كسب الطائفة العلوية لضمان المصالح الروسية أو الإيرانية في سوريا وبقاء نفوذهم فيها.

ولاحظت الدراسة أن التنافس الإيراني-الروسي على الطائفة العلوية يشتد حينما يخبو القتال، أو عندما يتم بذل جهد حقيقي نحو المفاوضات السياسية، ولذلك فإن إيران تسعى لإفساد أية هدنة لتمنع موسكو من التوصل إلى حل لا يخدم مصالحها، وتمنع أية محاولة لدمج قوات الدفاع الوطني بجيش النظام السوري، وهذا ما وقع بالفعل لدى موافقة موسكو على الالتزام بهدنة في سوريا، بينما استمرت المليشيات الإيرانية وجيش النظام في شن المعارك دون غطاء جوي روسي.

وكشف تقرير نشرته صحيفة "لوفيغارو" الفرنسية أن ما وراء إرسال موسكو لحوالي 4500 من رجالها إلى سوريا، يتجاوز خوض الحرب ضد الثورة إلى زرع أتباعها في الجيش وأجهزة المخابرات السورية، وحتى التضييق على الإيرانيين وحلفاء آخرين لبشار الأسد. ويرى كاتب التقرير أن النظام في دمشق ليس لديه خيار سوى القبول بالأمر الواقع، ونقلت الصحيفة عن خبير أجنبي في دمشق، قوله: "الروس عينوا أتباعهم في القنوات الرئيسة لاتخاذ القرار".

في هذه الأثناء يتصاعد التوتر بين أنقرة وطهران حول العديد من القضايا، أبرزها: دور ميلشيات الحشد الشعبي في الموصل، ومحاولات إيران إفساد الاتفاق التركي-الروسي في حلب، ودعم طهران لحزب العمال الكردستاني، وذلك إثر سعي أردوغان لتعزيز موقف التركمان في كركوك وتلعفر في مواجهة المد الإيراني، حيث تدعم إيران نحو مائة ألف مقاتل من الحشد الشعبي في العراق، وتحشد نحو سبعين ألف مقاتل أجنبي في سوريا في أكبر خطة انتشار تشهدها المنطقة تحت قيادة قاسم سليماني.

وتأمل أنقرة أن تسهم عملية "درع الفرات" في استعادة بعض التوازن الإستراتيجي من خلال جمع فصائل المعارضة السورية، وبعض القبائل التركمانية تحت قيادة القوات التركية بهدف حماية الحدود التركية من خطر توسع الميلشيات التابعة لإيران في تلك المناطق.

وقد اضطر أردوغان إلى تعجيل إبرام الاتفاق مع موسكو وطهران عقب تلقي أنباء استخباراتية مؤكدة تفيد إرسال إيران قوات من الحرس الثوري و"حزب الله" لمناوشة الأتراك وعرقلة عملياتهم الجارية ضد تنظيم "داعش" في بلدة الباب، وكان موقع "ألمونيتور" (10 نوفمبر 2016) قد تحدث عن توتر إيراني-روسي في ظل تقارب موسكو مع أنقرة، مما يؤكد مخاوف لدى الإيرانيين من أن موسكو تعمل على تحقيق مصالحها في سوريا وليست معنية بإقامة تحالف إستراتيجي معهم.

تاسعاً: تعزيز دور الاستخبارات التركية في الشمال السوري

كشف موقع "إنتلجنس أون لاين" الأمني (14 سبتمبر 2016) عن خطة شاملة تنفذها أنقرة لتعزيز قدرات المؤسسة الأمنية التركية بإشراف وزير الداخلية الجديد سليمان سيولو الذي عمل كمسؤول في جهاز الأمن الوطني التركي لفترة طويلة، ورئيس جهاز الشرطة الجديد سلامي ألتينوك، وتتضمن دمج قطعات من مختلف الوكالات الاستخباراتية ووضعها تحت إشراف وزارة الداخلية، وإنشاء جهاز مركزي للتنسيق بين مختلف الأجهزة الأمنية.

وبموجب هذه الخطة سيتركز عمل جهاز الأمن الوطني (MIT) على الأنشطة الخارجية، حيث تم تكليف رئيس الجهاز الحالي حقان فيدان بمهمة مكافحة التجسس، والإيعاز له بتعزيز قدرات الجهاز خارج البلاد، ونشر موقع "ألمونيتور" دراسة (6 نوفمبر 2016) أكد فيها الباحث بينار تريمبلاي أنمؤسسة الاستخبارات الوطنية (MIT) التي كانت تضم أربعة مكاتب يدير كل واحد منها  وكيلا عن قائد المؤسسة،سيتم توسيعها لتشمل ستة مكاتب، حيث سيتم استحداث منصب:"وكيل العمليات الخاصة" مما ينبئ بأن تركيا تستعد للقيام بعمليات خاصة في دول مجاورة، وخاصة في سوريا والعراق، حيث يتوقع أن يتولى هذا المكتب مهمة التنسيق مع القوات العسكرية التركية، وسيتعاظم  دوره في الأشهر القادمة مما يجعل من  جهاز الأمن التركي اللاعب الأهم في الشأنين السوري والعراقي.

وعلى الرغم مما تعرض له حقان فيدان من انتقادات إثر المحاولة الانقلابية الفاشلة؛ إلا أن الخطة التي أقرها أردوغان مطلع نوفمبر الماضي تشير إلى أن فيدان قد نجح في إصلاح علاقاته مع الرئيس التركي وحافظ على موثوقيته داخل نظام الحكم، ويبدو أن جهاز الأمن التركي سيصبح لاعباً أساسياً في الشؤون الإقليمية، ومن المتوقع أن يزيد انخراطه في الملفالسوري، وأن يتعزز دوره في التنسيق الداخلي بين مختلف الوزارات والمؤسسات التركية، وذلك ضمن منظومة جديدة يسعى أردوغان لتحقيقها ضمن ترتيبات تحويل نظام الحكم في تركيا ليصبح رئاسياً، وعندها سيصبح الجهاز خاضعاً بشكل مباشر لسلطات الرئيس...يتبع


تم غلق التعليقات على هذا الخبر