التفاهمات وسياسة الاسترضاء: ليس كل صنيع تركيا مُجبرة عليه

2016-12-24 | خالد حسن التفاهمات وسياسة الاسترضاء: ليس كل صنيع تركيا مُجبرة عليه

تساءل الكاتب التركي، سميح إيديز، في صحيفة "حرييت"، مستنكرا: ماذا تريد تركيا إنقاذه بعملية درع الفرات؟ ماذا نفعل هناك في مدينة "الباب"؟ لماذا نحن هناك أصلاً؟ ألم نكن نوفر غطاء جوياً ودعماً من بعد للثوار المعتدلين من الجيش السوري الحر؟ منذ متى صرنا جزءاً من المعركة؟ هل كان الجيش السوري الحر يخسر المعركة فقررت تركيا الاضطلاع بدور قتالي أيضاً؟".

وأضاف قائلا: "علينا أن نسأل لماذا فقدنا 14 من أبنائنا ولماذا جرح أكثر من 39 آخرين.. من أجل ماذا حصل ذلك؟ كلما تندفع تركيا أكثر إلى المستنقع التركي سيزيد الضحايا من أبنائنا، فهل هذه حربنا؟".

تركيا الآن عالقة في مدينة "الباب"، استرضاء وطمعا وتوسعا، والتكلفة تزداد والخسائر ليست بالهينة، حتى الآن، فماذا لو تحولت المعركة إلى مستنقع ووحل؟ لن يأسف بوتين عليها، والمتربصون يرجون لها مزيدا من الاستنزاف والغرق.

ويتساءل متحمس لسياسات تركيا الأخيرة: ميلشيات إيران والروس والعراق و.. تدخلت لحرب الثورة السورية، فلم الاعتراض على تركيا عندما توغلت؟ هؤلاء تدخلوا لإنقاذ نظام الأسد وتعزيز قواته.

وهذا هو الفارق الجوهري، لو تدخلت تركيا للإطاحة بالأسد لما اختلف حولها الثوار، ولكن للأسف استفاد من تدخلها نظام بشار وسلمت قواتها من مدفعيتها.

كان تدخل تركيا مطلبا ملحا، فكيف يُسمح لإيران أن ترمي بثقلها وتُمنع تركيا؟ وتوقع الكثيرون تدخلها دعما للثوار في حربهم ضد الأسد، لتتغير الوجهة؟

في الأخير، لم تُطلق رصاصة على قوات الأسد، وهذا هو الفارق بين التدخل الإيراني والتوغل التركي، طهران أنقذت الأسد وأنقرة شتت الثوار وأربكتهم.

كانوا يقولون إن التوغل التركي سيخفف الحصار عن حلب؟ أين هي حلب الآن؟ مستعمرة روسية إيرانية تحت حماية الشرطة العسكرية الروسية.

وإذا كان "المجتمع الدولي" لا يسمح بمواجهة قوات الأسد، فلم تتدخل تركيا أصلا لتحدث هذا الارتباك والانقسام في الصف الثوري وتخفف الضغط على النظام؟

"المجتمع الدولي" يمنع تدخل تركيا، فلم توغلت أصلا إذن؟ اقتحمت بتفاهمات مع بوتين وسكت عنها هذا المجتمع لأنه تدخل مرضي عنه ويخدم التحالف الأمريكي.

تفاهمات أردوغان مع بوتين كانت ردا على أمريكا، ثم تمادت في استرضاء موسكو للأسف، ولم يطلب منها أحد ذلك ولم تُجبر عليه.

ليس كل صنيع أنقرة مُجبرة عليه ونتيجة ضغط دولي، هذا غير صحيح، ثمة هامش معتبر للمناورة والتحرك بعيدا عن الضغط.

وهذا "المجتمع الدولي" أصبحت تُنسب إليه كل السياسات الخاطئة ويبرر كل تعثر وعجز وسوء تقدير.

والتفاهمات مع بوتين ليست دهاء وإنما هي استرضاء له وتلاعب بالثورة ورد فعل على الغضب الأمريكي واستغلال لظرف وتطلع لصفقات مغرية، وبوتين أكبر مستفيد منها، وربما لم يكن يحلم بها من قبل. والمشكلة التي غابت عن المبررين أن استرضاء بوتين سيغضب العسكر الأمريكي، فيلوح بورقة الأكراد، فتضطر أنقرة لاسترضاء واشنطن في دوامة لا نهاية لها.

القول بأن تركيا كانت مُجبرة على التفاهمات مع بوتين والتضحية بالثورة، هذا غير دقيق، وتفسير كل سياسة بالإرادة الدولية هذا تسطيح واستغفال.

وأما القول بأن التفاهمات مع بوتين فرضها التربص الغربي، والرغبة في التعامل مع ترامب والانفتاح عليه اتقاء لشروره، ومنعها من الأسد الخط الأحمر، فهذا تمادٍ في التبريرات وإغراق في التقديرات. والتبريرات لا حدّ ولا نهاية لها، وهي تريح العقل من التفكير والتدبر والنظر ويركن إليها المنساق والمتملق وقليل الحيلة.

إيران ضعيفة في سوريا، رغم الضجيج الشيعي، وروسيا متخوفة من المستنقع السوري ومستعجلة على الحل وأمريكا مترددة تعتمد على الوكلاء وترفض المغامرة.

كان بإمكان الثورة أن تكثف الضغط على الأسد وتشعل الجبهات وتركز على المعاقل والضربات الموجعة، فلم يكن محور الغزاة مستعدا لمعركة أطول. إذ لا إيران ولا الأسد ولا بوتين قادرون على تحمل أعباء معركة طويلة، الكل متخوف ويخشى نزيفا طويل الأمد.

فمن شتت الصف الثوري؟ من فتح جبهات استنزاف على الثوار في ذروة حصار حلب؟ من خفف الضغط على الأسد بتفاهمات؟ من حرم الاندماج؟

وما يُؤلم ويوجع ويُؤسف له أن المعترض على السياسات التركية بعد "الانعطافة الأخيرة"، فهو إما داعشي أو غولاني؟

ومع مرور الوقت، تبين أن تركيا لم تكتف بالتزام ما أملته عليها حساباتها وظروفها، وهذا شأنها، بل تدخلت في القرار الثوري بما يخدم تفاهماتها مع بوتين. كما تبين أن التفاهمات كانت أقرب إلى المقايضة: "منع ربط إقليمي الأكراد شرق سورية بإقليم شمالها في مقابل محاربة تركيا "داعش" والعمل على إغلاق الحدود وربما تخفيف الدعم عن المعارضة وتسهيل "سقوط حلب" لاحقاً".

وبعدها، تُهنا في التبرير وغرقنا في بركته، حتى أصبح البعض يعتبر سقوط الضحايا من المدنيين في مدينة الباب جراء القصف التركي "أمراً عادياً"؟؟؟


تم غلق التعليقات على هذا الخبر