العربيّة في يَوْمِهَا العَالَمِي: لم يستعص عليها عِلمٌ ولا أدبٌ ولا منطق

2016-12-24 | العربيّة في يَوْمِهَا العَالَمِي: لم يستعص عليها عِلمٌ ولا أدبٌ ولا منطق

بقلم: محمد خطّابي / خبير مغربي سابق في مكتب تنسيق التعريب في الوطن العربي

اليوم العالمي للّغة العربية، هو اليوم الذي يحتفي فيه العالَم بهذه اللغة كلّ سنة، باعتبارها لغة عالمية، رسميّة، متداولة، ومُستعملة في جميع المحافل والهيئات والمنظمات الدّولية، وتصادف هذا اليوم في 18 من شهر ديسمبر الجاري، ولغة الضاد لم يأتِها هذا التتويج عبثاً أو اعتباطاً، بل جاءها بعد نضالٍ متواصل، وجهودٍ متوالية انطلقت بعد أن أقرّت منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم اليونسكو ذلك في الدورة الثانية والتسعين لمجلسها التنفيذي المنعقد عام 2012، حيث طفق هذا المّحفل الدّولي في الاحتفال لأوّل مرّة بهذا اليوم منذ ذلك العام، قبل أن تقرّر الملحقية الاستشارية للخطة الدّولية لتنمية الثقافة العربية المعروفة ب (أرابيا) المنبثقة عن اليونيسكو كذلك هذا اليوم عنصراً أساسيّاً في برنامج عملها المتواتر فى هذا المجال.

ويؤكّد الخبراءُ المتخصّصون في هذا المجال أنّ قرار منظمة اليونيسكو جاء في سياق سلسلة من القرارات الدولية الأخرى للأمم المتحدة، ومنظماتها حول اللغة العربية، من بينها القرار(878) الصّادر عن الدّورة التاسعة للأمم المتحدة المنعقدة عام 1954، والذي كان قد أجاز الترجمة التحريرية لوثائقها إلى اللغة العربية، لتقرّر منظمة اليونسكو العالمية عام 1966 استخدام اللغة العربية في المؤتمرات الإقليمية التي يتمّ تنظيمها في البلاد العربية، بالإضافة إلى إجازة المنظمة ترجمة الوثائق والمنشورات الصّادرة والمنبثقة عنها إلى اللغة العربية..

ثم قرّرت اليونسكو كذلك في نفس هذه السّنة تقوية وتعزيز استعمال العربيّة في أعمالها من خلال إقرار خدمات التّرجمة الفورية من اللغة العربية إلى غيرها من اللغات الأخرى والعكس في جلساتها العامة، وعند مشارف عام 1968 تمّ اعتماد العربية لغة عملٍ في هذه المنظمة الدولية، مع ترجمة مختلف وثائق العمل، وكذلك المحاضر إليها فضلاً عن توفير، وتأمين الترجمة الفورية بصفة نهائية...وهكذا حتى نصل إلى قرار الهيئة العامة للأمم المتحدة بجعل اللغة العربية لغة عمل بصفةٍ رسمية بين مختلف اللغات الحيّة الأخرى المعتمدة في الجمعية العامة وهيئاتها المختلفة،وأخيراً الإعلان عن اليوم العالمي لهذه اللغة في الثامن عشر من شهر ديسمبر من كل عام كلغة رسمية متداولة في مختلف الهيئات والمنظمات والمحافل الدّولية، كما سبقت الإشارة إلى ذلك.

على الرّغم من هذه المكاسب الهامّة التي حققتها اللغة العربية على الصّعيد الدولي، ما زالت تترى وتتوالى الدّراسات، وتتعدّد وتتنوّع النقاشات وتُطرح التساؤلات وتثار التخوّفات في المدّة الأخيرة عن اللغة العربية، وعن مدى قدرتها على استيعاب العلوم الحديثة ومواكبة العصرنة والابتكار والتجديد الذي لا تتوقّف عجلاتُه ولا تني، وتخوّف فريق من عدم إمكانها مسايرة هذا العصر المتطوّر والمُذهل، كما تحمّس بالمقابل فريق آخر فأبرز إمكانات هذه اللغة، وطاقاتها الكبرى مستشهداً بتجربة الماضي، حيث بلغت لغة الضاد في نقل العلوم وترجمتها شأواً بعيدا.

 وهكذا كثر الكلامُ في هذا المجال حتى كاد أن يُصبح حديثَ جميع المجالس والمنتديات، والمؤتمرات في مختلف البلدان العربية وخارجها، فهل تعاني العربيّة حقاً من هذا النقص..؟ وهل تعيش نوعاً من العزلة لدرجة أنّها في حاجة إلى حماية ودفاع ومناقشات من هذا القبيل..؟

الواقع أنّ اللغة العربية ليست في حاجة إلى ارتداء درع الوقاية يحميها هجمات الكائدين، ويردّ عنها شماتة المتخوّفين، إذ تؤكّد كلّ الدلائل والقرائن، قديماً وحديثاً، أنّ هذه اللغة كانت وما تزال لغة حيّة، اللهمّ ما يريد أن يلحق بها بعض المتشكّكين من نعوت وعيوب، كانت قد أثارتها في الأصل زمرة من المستشرقين في منتصف القرن المنصرم، حيث اختلقوا موضوعات لم يكن لها وجود قبلهم،وما كانت لتعدّ مشاكل أو نواقص تحول دون الخلق والتأليف والإبداع، وإنما كان الغرض منها إثارة البلبلة بين أبناء هذه اللغة، وبثّ الشكوك فيما بينهم حيالها، وهم أنفسهم يعرفون جيّداً أنّها لغة تتوفّر على جميع مُقوّمات اللغات الحيّة المتطوّرة الصّالحة لكل عصر، ثمّ هم فعلوا ذلك متوخّين إحلال محلّها لغةَ المستعمِر الدخيل.

وجدير بنا والحالة هذه أن نذكّر في هذا المقام ببعض المسائل والمشاغل والقضايا المفتعلة التي أثيرت في هذا المضمار، منها إشكاليّات: الحرف العربي، والنحو العربي، وشكل الكلمات، والعاميّة والفصحى.. إلخ.

 *إشكاليّة الحَرف العربيّ:

أمّا بالنسبة للحرف العربي ومعه الخطّ -الذي احتفلت به اليونسكو في العديد من المناسبات به، وبجماليته، وطواعيته، وفنيته، وإبداعاته- فقد تعدّدت نداءات محاولات إصلاحه، وتحسينه، ولكنّها باءت جميعها بالفشل الذريع، وظلّت الغلبة للأشكال المتوارثة التي كتبت بها عشرات الآلاف من الكتب في مختلف الميادين العلميّة والفلسفية والأدبية وسواها، زعم البعض أنّ شكلَ الحرف العربي الرّاهن وتركيبه لا يتّفق مع العصر، وأنّ رصف صفحة بالخط الفرنجي يعادل في الزّمن رصف صفحتين بالخط العربي لتزايد عيون الحرف العربي التي تتعدّد وتتغيّر بتغيير مواقعها في الأوّل أو الوسط أو الأخير، وهكذا، فقدّم لنا بعضُ الباحثين أشكالاً متباينة لخطّ جديد تشبه الى حدّ بعيد رسوم الخط الفرنجي.

غير أنّ القارئ يكتشف منذ الوهلة الأولى أنها في غالبيتها أشكال غريبة عليه يمجّها ذوقه السليم، بل إنها في بعض الأحيان تكلّفه عناءً شديداً في هجاء حرف واحد منها،والحقيقة أنّ جمالية الخط العربي أو حرفه لا تبارىَ، فقد ثبت الآن أنه حرف مثالي في جمال تكوينه، وشكله، وتنوّعه، والتوائه، واستوائه، وتعريجاته، واختصاره، وإن الصفحة الواحدة من الكتاب العربي لو كتبت بالحرف اللاتيني لاحتاجت إلى صفحتين على الأقل، فالكتاب المؤلف من مائة صفحة بهذا الخط الجميل لا يمكن رصفه بأقل من مائتي صفحة بالحرف اللاّتيني، ثم إن تطوّر واستعمال الحواسيب الإلكترونية المتطوّرة الحديثة تتّجه سريعاً نحو أساليب جديدة مبتكرة للكتابة، ومعنى ذلك هو العدول بالتدريج عن أسلوب الرصف الحرفي واختصار القوالب.

وقد توصّل بعض العلماء إلى ابتكار رسوم حديثة للحرف العربي لا تخرجه عن شكله، ولا تبعده عن أصله ومع استعمال الكومبيوتر واحتضانه وانتشاره وقبوله للحرف العربي بسهولة ويُسر بنجاح باهر و بنتيجة مُذهلة سقطت دعوى الداعين إلى استبداله بالحروف اللاتينية، وبذلك يفقد خصوم هذه اللغة هذه المعركة.

إنه لمن السّخف أن نجد بين ظهرانينا من تسمح لهم أ نفسهم الدعوة إلى استبدال الحرف العربي بالحرف اللاتيني، متّخذين ممّا ابتدعه مصطفى أتاتورك للّغة التركية مثالاً يُحتذى، وكذلك بدعوى السّهولة واليسر وضبط الكتابة، وإبراز حركات الحروف، وهذه الدعوى باطلة من أساسها، تحمّس لها بعض خصوم هذه اللغة عرباً كانوا أم أجانب.

ومن بين المفكرين الذين كانوا قد تحمّسوا لهذه الدعوى من ذوي العيار الثقيل في القرن الماضي الكاتب سلامة موسى في مصر الذي دافع عن هذه الفكرة، وقدّم تبريرات ومقترحات في شأنها، إنه يقول في ذلك: "هذا السّخط الذي يتولانا كلما فكّرنا في حالنا الثقافية وتعطيل هذه اللغة لنا عن الرقيّ الثقافي، تزيد حدّته كلما فكّرنا وأدّى بنا التفكير إلى اليقين بأن إصلاحها مستطاع، والقلق عام ولكنّ الجبن عن الابتكار أعمّ. ولذلك قلّما نجد الشجاعة للدّعوة إلى الإصلاح الجريء إلاّ في رجال نابهين لا يبالون بالجهلة والحمقى مثل قاسم أمين، أو أحمد أمين في الدعوة إلى إلغاء الإعراب، ومثل عبد العزيز فهمي حيث يدعو إلى الخطّ اللاتيني وهو وثبة المستقبل لو أننا عملنا به لاستطعنا أن ننقل مصر إلى مقام تركيا التي أغلق عليها هذا الخطّ أبوابَ ماضيها وفتح لها أبوابَ مستقبلها".

ولقد قدّم سلامة موسى بعض المقترحات نجملها فيما يلي: "الحاجة إلى إلغاء الإعراب وميزاته أوّلا: الاقتراب من التوحيد البشري لأنه وسيلة للقراءة والكتابة عند الذين يملكون الصناعة، أيّ العلم والقوّة والمستقبل. وهذا الخط تأخذ به الأمم التي ترغب في التجدّد كما فعلت تركيا، ومن المرجّح أن يعمّ هذا الخط العالم كله تقريباً.

ثانيا: حين نصطنع الخط اللاّتيني يزول هذا الانفصال النفسي الذي أحدثته هاتان الكلمتان المشؤومتان: شرق وغرب، ويضمن لنا أن نعيش العيشة العصرية، ولابدّ أن يجرّ هذا الخط في أثره كثيراً من ضروب الإصلاح الأخرى مثل المساواة الاقتصادية بين الجنسين، والتفكير العلمي، والعقلية بل والنفسيّة العلمية أيضا،إلخ.

وثالثاً ورابعاً وخامساً: إننا عندما نكتب الخط اللاتيني نجد أن تعلّم اللغات الأروبية قد سهل أيضاً، فتنفتح لنا آفاق هي الآن مُغلقة". ويختم سلامة موسى بالتساؤل التالي: وبالجملة نستطيع أن نقول إن الخط اللاتيني هو وثبة في النور نحو المستقبل، ولكن هل العناصر التي تنتفع ببقاء الخط العربي والتقاليد ترضى بهذه الوثبة؟.

لا ريب أن القارئ يلاحظ كم في هذه الدعوة من مغالاة، كما يتبيّن له ولا شكّ أنّها لا تستند إلى أساس سليم تُبنى عليه، لا ترمى سوى إلى تشتيت التراث العربي وتشويهه. ولم يُكتب النجاح لدعوة سلامة موسى ودعوات غيره من أمثال أمين شميل، وعبد العزيز فهمي، وقبلهما الدكتور سبيتا، وويلمور، ووليم ويلكوكس، وسواهم، وظلت السيطرة للحرف العربي إلى اليوم، ثم ماذا كان سيفعل هؤلاء في كثير من الحروف العربية التي لا تجد لها رسماً سوى في النطق العربي كحروف: الحاء، والغين، والعين، والذال، والضاد، والطاء، والقاف، والثاء، والهاء..إلخ. ثم ماذا سيكون موقفهم من التراث العربي الزّاخر المكتوب بحروف عربية..؟ وهكذا وئدت هذه الدعوة في مهدها.

* النّحو العربيّ أو قواعد اللّغة:

كثيراً ما يشتكي النشء من متعلّمي اللغة العربية من صعوبة نحوها،وقد ذكّر البّاحث المغربي أحمد عصيد في هذا القبيل بما سمّاه "الصّعوبات الجمّة" لهذا النّحو، حيث يقول في ذلك:(..ونعتقد أن الأوراش الكبرى للغة العربية والتي يعيها الأخصائيون في هذه اللغة وعيا تاماً تتعلق أساسا بضرورة النظر في النحو العربي وتحديثه بسبب الصعوبات الجمّة التي يصادفها الأطفال والكبار على السّواء في تعلمه، وكذا النظر في الإملاء وتنميطه تنميطاً حديثاً..).

والحقّ أنه ما من "نحو" في أيّ لغة من لغات الأرض إلاّ ويعاني أصحابها من هذه الشكوى. ولقد أصبح "نحو" اللغة الألمانية مضربَ الأمثال في الصّعوبة والتعقيد، على أن قواعد اللغة العربية ليست أشدّ صعوبة من هذه اللغة أو تلك، يقول الدكتور محمد كامل حسين عن النحو العربي:" الواقع أن قواعد اللغة العربية بسيطة جدا يمكن الإلمام بها بعد درس غير مرهق، ولا يحتاج المتعلّم بعد ذلك إلاّ إلى المران على تطبيق هذه القواعد الشاملة فيستقيم بذلك لسانُه دون عناء كبير".

إن الخطأ الفادح الذي يقع فيه واضعو مناهج التعليم في معظم البلدان العربية كونهم يلقنون القواعد في صورتها الجافة قبل النصوص، بينما نجد القائمين على مناهج التعليم في المدارس الأوربية على اختلافها يعوّدون التلميذ على التعامل مع النصوص في المقام الأول، فهو يقرأ ويعيد ويحفظ من غير أن يكون ذا إلمام بعلم النحو، ثم يطبّق بعد ذلك ما قرأه على القواعد فإذا أردنا الخروج بنحونا من صلابته علينا أن نكثر في المراحل الأولى من مناهج تعليمنا من النصوص فالتعامل مع النصّ يكسب الطالب أو المتعلّم سليقة فطرية، ويعوّده بطريقة تلقائية على أشكال الحروف وبنائها وتراكيبها وتعدّد أساليبها، فقد وجدت النصوص مذ كانت العربية.

أمّا النحو" كعلم قائم مدوّن" فلم يوضع إلاّ في زمنٍ متأخر، أيّ في القرن الأوّل الهجري على يد الخليل بن أحمد الفراهيدي كما هو معروف. لقد كانت العرب إذن تنطق بالسليقة، ولا تخطئ أبداً في كلامها من غير أن تعلم لماذا كان الفاعل مرفوعا ولا المفعول منصوبا، كما أنّ كثيراً من علماء العربية وواضعي معاجمها المشهورة كانوا يقصدون الأعراب في البوادي، حيث العربية سليمة نقيّة غير مشوبة فيأخذون عنهم النطقَ الصحيح، ومعروف عن الزّمخشري، والأصمعي، والكسائي، وابن خالويه، وأبي عليّ الفارسي، وابن جنّي وسواهم كانوا يؤمّون البوادي ويسجّلون المعاني المستعملة عندها.

إذن، فالشكوى من النحو هي شكوى من قواعده الجافة الموضوعة في قوالب مملّة شأنها شأن القوانين الجامدة، أما اللغة العربية فالدليل قائم –قديما وحديثا- على أنّ المران والممارسة يكسبان دارسيها مهارة فائقة على التركيب السليم،والنطق الصحيح، وكم من متعلمٍ أو كاتب لم يدرس القواعد ومع ذلك يستطيع أن يكتب ويؤلف نتيجة الممارسة والقراءة المتواصلة، القول المعرب إذن قوامه القراءة الكثيرة، والخوض في النصوص، وهذا ما نرجو أن يتمّ ويعمّم في مناهج تعليمنا، أيّ مضاعفة حصص النصوص، وحسن اختيار القواعد. وانطلاقاً من النصّ ودراسته نستنتج القاعدة التى بني عليها هذا النصّ،وهذا معناه التطبيق الفعلي للدراسة النظرية. وقديماً قيل: وَلسْتُ بنحويٍّ يلوكُ لِسانُه/ ولكنْ سليقيٌّ أقول فأُعْرِبُ

وكم من محاولات لتبسيط النحو العربي التي تقدّم بها غير قليل من الدارسين ظلت حبراً على ورق دون أن تغيّر شيئاً من المشكلة القائمة، أما مسألة الشاذ في اللغة الذي يخرج عن المألوف والاستعمال يظلّ صورة متحفية لنطق بعض القبائل العربية القديمة لا ينبغي أن نأخذ به، فالشاذ أو الشارد أو النادر لا حكم له كما يقال. ولعلّك لا تتّفق مع القائل : خطأ مشهور، خير من صواب مهجور !.

* مسألة الشّكل:

وتنبثق عن النحو العربي مسألة أخرى يرى فيها البعض مشكلة قائمة بذاتها وهي مسألة "الشّكل"، شكل الحروف العربية تفادياً للغموض واللبس والإبهام. وهناك اتهام مشهور يوجّه لأبناء اللغة العربية، في هذا الصدد، وهو أنه حتى كبار دارسيها يحارون أو يتعثّرون في بعض الأحيان عند قراءة نصّ من النصوص العربية مخافة الخطأ أو اللحن ومن أجل شكلها شكلاً صحيحاً. بينما نجد القارئ الفرنسي، أو الإسباني –مثلا- حتى وإن كان دون مستوى مرحلة الثانوية العامّة يقرأ النصوصَ في لغته بطلاقة من غير أن يرتكب خطأ واحداً، وهذه من أخطر الاتهامات التي توجّه للغة العربية.

ويرى في ذلك الباحثون رأيين اثنين، يقول الأوّل: إن اللغة العربية ليست صعبة كما يدّعون، بل إنّ النقص كامن فيمن لا يجيدها حقّ الإجادة، وإذا كان المرء عالماً بأصولها، مطلعاً على أسرارها، دارساً لقواعدها، ملمّاً بأساليبها فإنّه لا يخطئ أبداً، بينما يذهب الرأي الآخر أن العربية فعلا تشكو من هذه النقيصة، ففيما يخصّ شكل الكلمات على الأقل، هناك كلمات يحار المرء في قراءتها القراءة الصحيحة، وقد يقرأها على غير حقيقتها، وهناك أخرى يمكن نطقها على خمسة أو ستة أوجه، وهذه مشكلة في حدّ ذاتها، ولكن كما أسلفتُ آنفا فإنّه مع المِران والممارسة والقراءة المتعدّدة وتتبّع السياق كل ذلك يساعد على تفادى أمثال هذه الأمور التي لم تحلّ أبداً دون التأليف والخلق والإبداع المستمر على امتداد التاريخ العربي الحافل بجليل الآثار فى كل علم.

* الفُصحىَ أم العاميّة:

وفي منتصف القرن الماضي حار قوم فى استعمال الفصحى أم العامية؟ ولقد تعدّدت الدراسات في هذا المجال بين مؤيّد للعامية متعصّب لها بدعوى التبسيط والسهولة واليُسر، وبين مستمسكٍ بالفصحى لا يرضى بها بديلا.

والحقيقة التي أثبتتها السّنون أن الغلبة كانت للفصحى على الرغم من هذه الدعوات والمحاولات، فكم من كاتب نادى وتحمّس للعاميّة وعمل على نشرها وتعميمها،ثمّ عاد يكتب بفصحى ناصعة صافية نقيّة، وفى فترة مّا من فترات حياة أديبنا المرحوم محمود تيمور كان قد تحوّل عن الفصحى إلى العامية بل إنه كتب قصصاً بها غير أنه سرعان ما عاد كاتباً عربياً مبيناً، بل ومتحمّساً كبيراً للفصحى ومدافعاً عن لوائها كعضو بارز في مجمع اللغة العربية بالقاهرة. ودعوات الأديب اللبناني سعيد عقل، وسواه من الكتّاب إلى استعمال العامية معروفة وسال من أجلها حبر غزير.

هذا وقد أثير في المغرب مؤخّرا نقاش حام حول هذا الموضوع سرعان ما خبا أواره، وخمدت ناره، حيث دعا بعضُهم إلى استعمال "الدّارجة" (العاميّة) بدل الفصحى في بعض مراحل التعليم، وعزا هؤلاء عن غير رويّة، ولا بيّنة ولا علم ولا برهان المشاكل التي يتخبّط فيها التعليم في هذا البلد وسواه إلى هذا الأمر، ولكن هذه الدعوة الواهية سرعان ما وئدت هي الأخرى في مهدها.

* لغة الضّاد والمستشرقون:

العالم يركض ويجري من حولنا، والحضارة تقذف إلينا بعشرات المصطلحات والمستجدّات يومياً. والاختراعات تلو الاختراعات تترى في حياتنا المعاصرة..ونحن ما زلنا نناقش ونجادل في أمور كان ينبغي تفاديها أو البتّ فيها منذ عدّة عقود، تُرى كيف يرى كبار المستشرقين الثقات هذه اللغة بعد انصرام هذه القرون الطويلة التي لم تنل من قوّتها وزخمها وعنفوانها وشبابها المتجدّد حبّة خردل..؟

إنها ما زالت كما كانت عليه منذ فجرها الأوّل لم يستعص عليها دينٌ ولا عِلمٌ ولا أدبٌ ولا منطق، إنّها ما زالت مشعّة، نضرة، حيّة، نابضة، خلاّقة، مطواعة معطاء، لقد شهد لها بذلك غير قليل من الدّارسين والمستشرقين، واعترفوا بقصب السّبق الذي نالته على امتداد الدّهور والعصور في هذا القبيل.

يقول المستشرق الفرنسي "لوي ماسّنيون" فى كتابه (فلسفة اللغة العربية): "لقد برهنت العربية بأنّها كانت دائما لغة علم، بل وقدّمت للعلم خدمات جليلة باعتراف الجميع، كما أضافت إليه إضافات يعترف لها بها العلم الحديث، فهي إذن لغة غير عاجزة البتّة عن المتابعة والمسايرة والترجمة والعطاء بنفس الرّوح والقوّة والفعالية التي طبعتها على امتداد قرون خلت، إنها لغة التأمل الداخلي والجوّانية، ولها قدرة خاصّة على التجريد والنزوع إلى الكليّة والشمول والاختصار..

إنها لغة الغيب والإيحاء تعبّر بجمل مركزة عمّا لا تستطيع اللغات الأخرى التعبير عنه إلاّ في جُمَلٍ طويلة ممطوطة". إنّه يضرب لذلك مثالاً فيقول:" للعطش خمسُ مراحل في اللغة العربية، وكلّ مرحلة منه تعبّر عن مستوى معيّن من حاجة المرء إلى الماء، وهذه المراحل هي: العطش، والظمأ، والصَّدَى، والأُوّام، والهُيام، وهو آخر وأشدّ مراحل العطش، وإنسان "هائمٌ" هو الذي إذا لم يُسْقَ ماء مات"، ويضيف ماسّينيون: "نحن في اللغة الفرنسية لكي نعبّر عن هذا المعنى ينبغي لنا أن نكتب سطراً كاملاً وهو "إنه يكاد أن يموت من العطش"، ولقد أصبح "الهيام" (آخر مراحل العطش وأشدّها) كناية عن العشق الشّديد وآخر مراحل الهوى، والجوى، والوله، والصّبابة.

ويرى "بروكلمان" أنّ معجم اللغة العربية اللغوي لا يضاهيه آخر في ثرائه. وبفضل القرآن بلغت العربية من الاتّساع انتشارا تكاد لا تعرفه أيُّ من لغات الدنيا. ويرى "إدوارد فان ديك" أنّ العربية من أكثر لغات الأرض ثراءً من حيث ثروة معجمها واستيعاب آدابها". المستشرق الهولاندي "رينهارت دوزي" (صاحب معجم الملابس الشهير): يقول: "إنّ أرباب الفطنة والتذوّق من النصارى سحرهم رنين وموسيقى الشّعر العربي فلم يعيروا اهتماما يُذكر للغة اللاتينية، وصاروا يميلون للغة الضاد، ويهيمون بها".

ويؤكد "يوهان فك" أن أن التراث العربي أقوى من كلّ محاولة لزحزحة العربية عن مكانتها المرموقة فى التاريخ". وقال "جان بيريك" إن العربية قاومت بضراوة الاستعمار الفرنسي في المغرب، وحالت دون ذوبان الثقافة العربية في لغة المستعمر الدخيل". وأما "جورج سارتون"، فيرى أن "العربية أصبحت في النّصف الثاني من القرن الثامن لغة العلم عند الخواصّ في العالم المتمدين".

 وهناك العشرات من أمثال هذه الشهادات التي لم تُخْفِ إعجابها الكبير بلغة الضاد يضيق المجال لسردها في هذا المجال. ويرى معظمُ هؤلاء والحالة هذه أنّ العربية غير عاجزة عن المتابعة، والمسايرة، والترجمة بنفس الرّوح، والزّخم، والفعالية التي طبعتها باستمرار، وربما كان العجز كامناً وساكناً في أصحابها وذويها وأهلها ومتعلّميها ومُستعمليها.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر