الثورة السورية ومعالم الطريق المغيّبة

2016-12-13 | الثورة السورية ومعالم الطريق المغيّبة

بقلم: محمد الأمين مقراوي الوغليسي / كاتب جزائري

عندما انفجرت الثورة السورية اعتقد الكثير من المتابعين للحراك العربي بأنّ مشهد الحسم الثوري الذي حصل في تونس واليمن ومصر سيتكرر في سوريا بنفس الطريقة والسرعة -وأُصيبَ الكثير منهم بنوبة تفاؤلٍ مفرطةٍ، كان لها ما بعدها- غيرَ أنّ الأيّام أبرزت حجم السطحية التي كانت عليها هذه التصورات والاعتقادات؛ والتي ترجع لعوامل عدة، أهمّها: الضعف المنهجي الذي عليه الكثير من المتابعين لشؤون العالم الإسلامي والدولي، ويظهر هذا في قراءة بعض المتابعين من المثقفين والنخب للثورات العربية الأخيرة قراءة تجزيئية، وسقوطهم في فخ عدم استحضار التاريخ، والاكتفاء بقراءة الأحداث قراءة آنية منبتة عن الماضي القريب والبعيد، مع التأكيد أن غياب فقه السنن الكونية والتاريخية، كان السمة البارزة للكثير من التحليلات.

* التصورات السطحية وأثرها في الثورة السورية:

من التصورات الغائبة عن المشهد الثوري العربي والسوري خاصة: اعتقاد الكثيرين أن التغييرات تقاس بالتضحيات فقط، وهو الأمر الذي يتناقض مع التصور الإسلامي للمعركة بين الحق والباطل، فالإسلام يرسم صورة واضحة لأهداف الصدام مع معسكر الظلم والاستبداد؛ إذ يقيس المعركة بالأهداف والنيّات، ثم تأتي التضحيات كدرجة ثانية تابعة، ويمكن الاستدلال بحادثة خّباب بن الأرت رضي الله عنه، الذي استنصر النبي عليه الصلاة والسلام؛ بسبب شدة التعذيب الذي وقع عليه وعلى الصحابة الكرام رضي الله عنهم، اعتقادا منه بأن التضحيات كافية لطلب النصر، لكن النبي عليه الصلاة والسلام ذكّره بتضحيات السابقين، الذين ثبتوا على العذاب بسبب استحضارهم للغايات الكبرى للصراع.

فعن خباب  قال:أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة في ظلال الكعبة فشكونا إليه، فقلنا ألا تستنصر لنا، ألا تدعو الله لنا، فجلس محمرا وجهه فقال: "قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل في حفر له في الأرض ثم يؤتى بالمنشار فيجعل على رأسه فرقتين ما يصرفه ذلك عن دينه ويمشط بأمشاط الحديد ما دون عظمه من لحم وعصب ما يصرفه ذلك عن دينه، والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب ما بين صنعاء وحضرموت ما يخاف إلا الله تعالى والذئب على غنمه ولكنكم تعجلون".

نحن أمّة مسلمة لا ترتبط بالدنيا فقط، بل تعيش بين الدنيا والآخرة، وهذا مفهوم مغيّب عن مجموع الأمة في حالات الصراع في هذا العصر؛ لذلك يحاول النظام العالمي بأقطابه ووكلائه الاستثمار في هذا الخلل عن طريق بث مشاهد الفوضى والخراب، ليسكت بقية المسلمين الراغبين في تغيير أوضاعهم، ويخرج لهم مشاهد الدمار كبطاقة تحذير وتخدير، وكأن المسلم الذي عرف عنه ارتباطه بالآخرة، مجبور على أن يتشبث بالطين ونواتجه.

والتحليل السياسي والإستراتيجي مطلوب، لكن لا يمكن أن نكون حالة شاذة في هذا الظرف بالذات، فلنا هويتنا وتاريخنا وعلاماتنا الفارقة، ومن المثير للغرابة أن هذه الحالة -محاولة الغرب ووكلائه فصل الصراع عن جانبه العقدي وجعله صراعا ماديا فقط- لم تجابه مجابهة إيمانية عقدية من أغلب النخب، وكأن الحديث الإيماني في مثل هذه الأوضاع عيب أو منقصة، في الوقت الذي يتصاعد فيه العداء للإسلام بشكل مطرد في أمريكا وأوروبا، هذه وما صعود اليمين المتطرف في أوروبا إلا مظهر من مظاهر ذلك.

* الثورة السورية ومعالم الطريق:

إنّ امتلاك معالم واضحة للصراع الحضاري بين المسلمين والغربيين على الأرض السورية؛ يساعد على رسم المسارات الصحيحة للتفاعل مع ثورة سوريا، ويعزز المواقف السليمة، ويوجه نحو الخطوات المناسبة؛ لأن المعالم الكبرى توحد، والجزئيات الصغرى التي تقرَّب للعين المفكرة، وتُنَزَلُ منزلة الكليات، هي أحد أبرز أسباب الطيش والتفرق في الميدان الحضاري والعسكري للمعركة، وقد رسم النبي عليه الصلاة والسلام المعالم الكبرى لغزوة بدر الكبرى؛ حتى يثبت قلوب المسلمين، ويوضح لهم طبيعة وآثار المعركة على التاريخ والعالم، فقال في دعائه الشهير: "اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض.."، وهذا مما يشحن النفوس في مواجهة العدو، ويدفعها للثبات وإعطاء كل ما تملك من قوة ودهاء.

فالصورة في المشهد السوري واضحة جدا: تحالف دولي لتغيير ديمغرافية الشام، وإحلال الشيعة محل السنة في الحواضر الكبرى، وإتمام السيطرة الإيرانية على سوريا بعد أن استتب لإيران الأمر في العراق ولبنان، ومازالت تسعى لابتلاع اليمن، فالغاية التي يحارب من أجلها النظام الدولي في سوريا واضحة جدا: تدمير الإسلام، وتغيير معادلات الصراع لصالح الصهاينة، وتقوية إيران لتلعب دور الجلاد في هذه المنطقة الحساسة والهامة، فهل يخفى هذا على الخائضين في الصراع بين الحق والباطل على أرض الشام؟ هل يخفى كل هذا حتى نجد تنظيرات لا تبث إلا الفرقة؟

وتبقى الغاية الكبرى لثوار سوريا في أمرين: وحدة الصف لمقاتلة أعداء اتحدوا على تدمير الشام وقتل شعبه الثائر، والغاية الثانية: التركيز على مقاتلة العدو الواضح والسعي إلى هزيمته.

وإن تغييب هاتين الغايتين سبّب الكثير من الألم والوجع لعامة المسلمين في سوريا، ممن بقوا متشبثين بأرضهم وديارهم ضد العدوان العالمي الذي تقوده إيران وروسيا وأمريكا والصين أساسا، وبثّ اليأس والحزن لمن هجّروا من ديارهم، كما كان سببا في التقاتل بين حملة البندقية على الأرض، وسببا في توجيه بعض المتكلمين سهام الطعن في ظهر من يذودون بأرواحهم عن أرض الشام المباركة.

كما إن رسم صورة واضحة للصراع ونشرها بين جميع المعنيين بالصراع في سوريا وإقناع الجميع بضرورة الوحدة والتفرغ لهزيمة العدوان الروسي الإيراني الغربي والصيني، حتمية لا مفرّ منها؛ ليتفرغ أصحاب البندقية والقلم لهاتين المهمتين بدل الاحتراب الذي يمهد الطريق للعدو ليتمدد في ضعف المتقاتلين على أرضهم بدل أن يكونوا مقاتلين لعدوهم.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر