وجهة نظر: لما لا يتحول الإخوان إلى جماعة خدمة؟

2016-8-16 | محمد العودات وجهة نظر: لما لا يتحول الإخوان إلى جماعة خدمة؟

بقلم: محمد العودات / كاتب سياسي وحقوقي أردني

عانت جماعة الإخوان المسلمين الكثير من الأزمات التي عصفت بها نتيجة الهجوم عليها من الأنظمة والحركات والأحزاب المحاربة لها، وواجهت انشقاقات داخلية كثيرة نتيجة لتباين وجهات النظر في تقدير المرحلة السياسية والاختلاف في كيفية إدارة الهجمة على التيار السياسي الإسلامي الذي تمثله.

(1) حجم الخسارة:

الصراع الذي خاضته جماعة الإخوان مع الأنظمة المستبدة في المنطقة منذ عهد الستينيات بلغ ذروته في منتصف العقد الأخير نتيجة تبني الجماعة رؤية سياسية وجدت فيها الأنظمة القائمة في المنطقة العربية خطرا داهما يتوجب محاربته والتصدي له مقدم على غيره من الأخطار، فخسرت الجماعة الكثير من مكتسباتها التنظيمية والدعوية والخيرية والتربوية.

حجم الخسارة في مصر قد يكون الأكثر إيلاما للجماعة، حيث تتحدث الأرقام عن ستة آلاف قتيل وأربعين الف معتقل في سجون النظام القائم الذي جاء نتيجة للانقلاب العسكري في مصر فتم حل الجماعة ومصادرة أملاكها ومؤسساتها الخيرية ووقف أنشطتها وفرار كثير من قياداتها في الدول الأوروبية والدول المحيطة .

خسارة الجماعة في مصر انعكست على فروعها في المنطقة برمتها، إذ أُدرجت على قوائم الجماعات الإرهابية في بعض الدول العربية ذات الثقل السياسي الكبير في المنطقة، فسره البعض نتيجة رسائل سياسية خاطئة -لضعف الخطاب السياسي- أرسلتها الجماعة إلى دول المنطقة المحيطة بعد نجاح الثورة  في مصر وسيطرة التيار الإسلامي على مقاليد الحكم هناك.

أُسقطت حكومة النهضة التونسية ووصلت الأوضاع إلى مرحلة الانهيار والحرب الأهلية لولا حكمة النهضة وتقديمها مصلحة البلد والمسار الديمقراطي على مصلحتها الحزبية، إذ قال راشد الغنوشي في  ذلك (خسرنا السلطة وكسبنا تونس).

في ليبيا، لم يكن وضع الجماعة في حال أفضل، إذ انقُلب على المسار الديمقراطي لوجود التيار الإسلامي المؤثر داخل المؤسسة التشريعية، رغم أنه لم يملك الأغلبية، فدُفعت ليبيا إلى حافة الحرب الأهلية ودعم العسكر في سبيل التخلص من الوجود الإسلامي في الحكم.

الزلزال حصل في مصر وكانت موجاته الارتدادية كارثية على جماعة الإخوان في الأردن إذ وصل الأمر إلى حد حظر الجماعة على الأرض دون أن يكون هناك  قرار رسمي في ذلك فتم  إغلاق مقرات الجماعة وأصبحت تنعت بالجماعة الغير قانونية في الإعلام الأردني .

من الواضح أن الجماعة وفروعها في معظم دول المنطقة تأثرت بشكل كبير من موجة الثورات المضادة للربيع العربي، حتى إن التأثر لوحق في أوروبا، وإن لم تُؤت ثمارها حتى الآن، لكنها محاولات تشير إلى أن الخسارة سوف تتوالى، وأن الخصومة يبدو أنها لا زالت على رأس سلم أولويات بعض الأنظمة في المنطقة رغم ظهور الخطر الإيراني بوجهه الطائفي التوسعي البشع والميليشيات التابعة له.

(2) باعث الخصومة:

جماعة الإخوان المسلمين تقوم في تشكيلها على تنظيمي هرمي بأنشطة متنوعة، منها ما هو خيري مثل المدارس والمستشفيات ومراكز رعاية الأيتام وحفر الآبار وحملات التوعية الطبية وصناديق المريض الفقير وحملات مكافحة الفقر ومراكز التدريب والتأهيل لبعض المهن، ومنها ما هو دعوي (تربوي ديني) كمراكز تحفيظ القران الكريم والأنشطة الطلابية وحملات الحظ على الفضيلة ... الخ.

لا شك في أن الأنظمة التي عادت الإخوان المسلمين لم تحاربهم لما يقومون به من عمل دعوي خيري تربوي ديني، وإنما حاربتهم لتأثيرهم السياسي، مما أدخلهم مع هذه الأنظمة في حالة صراع، رأت فيه بعض الأنظمة أنه صراع وخطر وجودي.

(3) لماذا التحول إلى جماعة خدمة؟

لا شك في أن تحول جماعة الإخوان من جماعة شمولية بالمفهوم الحالي تمزج بين العمل الخيري والتربوي والدعوي والسياسي في تنظيم واحد إلى جماعة خدمة تنحصر في العمل التربوي والعمل الخدمي سيحقق لها كثير من المكاسب ويجنبها كثير من الخسائر.

•       تحول الجماعة الإخوان إلى جماعة خدمة يعني التوجه إلى مأسسة العمل الدعوي وبناء مؤسسات تربوية وخيرية متخصصة وتعمل تحت مظلة القانون تخدم الأجيال وتساهم في بناء المجتمع.

•       تحول الإخوان إلى جماعة خدمة يعني تجنبها ارتكاب الأخطاء السياسية التي وقعت فيها الجماعة منذ بداية الخمسينيات وحتى وقت الربيع العربي، أخطاء مكنت للعسكر والاستبداد على خلاف ما أرادوا وعملوا، ودخلت معها الجماعة في  صراع صفري محسوم النتائج مع خصومها السياسيين.

•       تحول الإخوان إلى جماعة خدمة يعني تحولها من شريك في العملية السياسية إلى ضامن لهذه العملية وخروجها من مربع الخلافات السياسية والتدافع بين الفرقاء إلى ضامن وعباءة يلوذ بها جميع شركاء الوطن عند الاختلاف لما تمثله حينها من ثقل ديني وشعبي.

•       تحول الإخوان إلى جماعة خدمة يساهم في إنضاج التيارات السياسية التي خرجت من عباءتها ومدرستها الفكرية سريعا، ويعجل في تبني وحسم مفردات الدولة والفكر المدني لديهم، والذي  ظل محل خلاف وصراع لعقود من الزمن في أروقة الإخوان المسلمين نتيجة الخلط بين الفكر الدعوي والسياسي وبين وسائل وأدوات كل فن منهم، إذ يمكن القول إن مساهمة الإخوان بشكلهم التنظيمي الحالي في العمل السياسي عملت على تأخير نمو ونضوج العمل والفكر السياسي المدني وتبنيه شعبيا لصالح أطروحات سياسية قديمة لم تعد تصلح للعهد الذي نعيشه.

•       تحول الإخوان إلى جماعة خدمة يساهم في خروج المنطقة من ثنائية الصراع بين الأنظمة والقوى الإسلامية، والذي كان يحسم في كل مرة لمصلحة هذه الأنظمة لاختلاف ميزان القوة، وانتقاله إلى صراع شعبي عريض مع قوى الاستبداد الملتفة حول تلك الأنظمة.

قد لا يكون للمؤمنين بتحول الإخوان من مربع "السياسي الإسلامي" إلى مربع "الاجتماعي الإسلامي" وجود بالحد الكافي لدفع هذا الطرح إلى الواجهة، لكن من الواضح أن هذا الفكر بدا يشق طريقه نحو الميلاد المتعسر، ميلاد سوف يواجه الكثير من المصاعب في ظل إحكام التيارات المحافظة المؤمنة بالمدارس التنظيمية التقليدية، لكن إذا ما كتب النجاح للتجارب الكويتية والتونسية والمغربية نجاح سيكون له الأثر الكبير في إضعاف نفوذ أصحاب المدرسة التنظيمية داخل الصف الإخواني وستجد مثل تلك الأطروحات طريقها نحو النور خلال عقد من الزمن على أبعد تقدير.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر