آخر الأخبار

هاتف محمد علوان وسر صمته مع أبو دهمان

2015-9-12 | د. محمد الأحمري هاتف محمد علوان وسر صمته مع أبو دهمان

بقلم: د.محمد الأحمري / مدير منتدى العلاقات العربية والدولية

23\8\2015

يقولون إن صاحب شكوى ذهب إلى "عرض حالاتي: كاتب المعاريض والتظلمات"، وكان الكاتب يجلس أمام المحكمة ويكتب، ولحسن حظ الشاكي أو لسوئه لقي كاتبا بارعا متعودا على كتابة الخطابات البليغة في الشكوى، فذكر له قصته، ثم تناولها الكاتب بما توفر له من عبارات التوجع والتظلم والتهويل لما بلغ به من أمر المظلمة.

ولعل الكاتب كان هلاساً وقصد أيضا استمطار جيب الشاكي بمزيد من المال عن المعتاد، ولما فرغ الكاتب قرأ نصّ الشكوى على المشتكي، تفاعل المشتكي مع مظلمته وتأثر قائلا: الله ما كنت أدري أني مظلوم إلى هذا الحد إلا من المعروض! وبكى وهلّت دموعه لما سمع من هذه التهاويل عن حاله والظلم الذي لحقه! محمد علوان في "هاتف" اشتكى حاله لنفسه فلنر ماذا حدث.

منذ زمن بعيد لم أر شيئا من مطبوعات نادي أبها الأدبي، ولما أهداني القاص الأستاذ محمد علوان مجموعته القصصية بعنوان "هاتف" وكتب هذا الإهداء: "أهديك بعض الحنادي، آمل أن تعجبك"، فرحت بها فها أنا أقرأ لمحمد بعد ثلاثين عاما من صدور مجموعته الأولى "الخبز والصمت"، تلك المجموعة التي هزت سوق الأدب وقتها، ولفتت الناس إلى كاتب قادم يحمل ذلك الأسلوب الجديد جمالٌ في اللغة ودقة في الوصف، وتتابعا في مشاهد غزيرة بالمعاني والتلميحات فالمجموعة كلها كذلك، وحينها لم تعجبني بعض أفكارها ولكنها من الأدب الذي لا تعرض عنه لسبب فكري.

* الغيبة الكبرى لعلوان وأبو دهمان:

غاب محمد الغيبة الكبرى لمدة تزيد عن ثلاثين عاما حتى قلنا سكت أو أُسكت، ولكني علمت بعد اغترابي الطويل أنه لم يترك حرفة الأدب وأشرف على صفحات أدبية عديدة في الجرائد، ثم تولى منصبا صعبا لا يصلح لأصحاب القلم، وهو الرقابة على الأقلام!

وقد وددت لو كتبت مع إشارة التعجب هذه إشارات كثيرة استنكارية وليست تعجبية، إذ كيف يجمع مبدع بين الرقابة على الإبداع وممارسته، ولعل في هذا بعض سرّ الغياب. لكن لا نعرف ظروف ذلك، وعسى أن يفاجئنا ذات يوم بشيء من توثيق المرحلة بلا مراعاة للسياقات الأدبية الملتزمة بنمط خاص.

صمت علوان مثل صمت قرينه الروائي الآخر والفنان المطبوع أحمد أبو دهمان إذ سكت بعد "الحزام" ربع قرن ويزيد.

وقصة الانقطاع هما أبصر بها، ولعلي أجترح تعليلا لا أدري هل هو دارج من قبل أم لا، وهو أني لا أستبعد سببا مهما وهو "صدمة النجاح"، ذلك أن كلا الكاتبين صُدم هو نفسه بنجاحه وتفوق عمله الرائع من أول مرة، فخاف أن يكتب لاحقا أقل منه، فأصمته الخوف على نجاحه أن يكتب بعده أقل منه.

وهذه ظاهرة معروفة في مختلف الآداب، فعبد الرحمن الباشا كتب رواية: "أرض البطولات" ثم ترك الرواية، وسالنجر كتاب "الحارس في حقل الشوفان"، ثم هجرها وصمت، ومحمود شاكر كتب "المتنبي"، ثم سكت خمسين عاما وغيرهم كثيرون، وهذا عندي أقرب تفسير حتى يجدّ سواه، ثم إن الكتّاب ليس لهم كلهم جلد نجيب محفوظ ولا دأب سارتر الذي التزم أن يكتب كل يوم لعشرات السنين.

لا يدري كاتب أي نصوصه سيكون أبقى وأجمل، فعليه أن يكتب ولا يقف عند حال، ولا ظرف، فبالكتابة الدائمة الجادة تُستدر الأفكار وتتحسن الأساليب، وتترقى المهنة.

صدمة أبو دهمان ربما كانت أكبر لأن عمله كان روائياً وبيئته وجائزته الفرنسية قدمته للعالم، بينما محمد علوان كتب لنا، ونحن قوم نُكر، نحب أن ننكر على قومنا ما يجيدون ونقلل من الإنصاف، بل كان رد بعض حساد دهمان وللأسف قولهم: إن العمل ليس له، وخطر ببالي تصديق ذلك قبل قراءة العمل الرائع، ثم قلت ألا يستحي هؤلاء من خُبالهم؟ فهو نص إن لم تثبته اللغة أثبتته الفكرة والأسلوب والمشاهد التي ما كانت لتكون إلا في قرية قحطانية "قرية آل خلف".

سبقت مجموعة علوان "الخبز والصمت" زمنيا، وجاءت في فترة تراجع القصة القصيرة، ورافقت بدء موسم الهجوم على بعض كتاب الأدب فذهبت في غبار الهيجة، ولكنها عملٌ يصور زمنه باتقان أسلوبا وفكرة، صحيح إن علوان لا يملك تقنية "إدجار ألن بو" في صنعته الميكانكية الباهرة التي قد تملها لما تعرفها، ولكنه يلمس الشغاف ويأخذ بيدك للحدث ولغته في "الهاتف" ناصعة سهلة معتادة، إلا ما أدخل لها من أمثال وعبارات من لهجة أبها أو الحجاز قليلة لطيفة حملت ذكريات وعبارات ساكنة في الذاكرة أحيتها، مثل: "أبطيت يا ذا الريع ما جا معك ناس"، وهي كلمات فصيحة قليلة عميقة ودارجة. وكم في أبها من ريع؟ تلك المدينة التي بالغ في حنينه إليها حتى قال إن الترك كانوا يسمونها: "إسطنبول القديمة".

توقعت أن عنوان مجموعة "هاتف" تشير إلى: "سمعت صوتا هاتفا في السحر"، ولكنه يقصد الهاتف الذي بين أيدينا ونتحدث عبره. ولأنه ذكره في عدة مواضع.

* الأم والأب:

المجموعة تصور الكاتب مشغولا بالبيت والأسرة والحوش وقليلا ما غادرت إلى القرية، ولكنه يرمي صورة هنا أو هناك تذهب بك بعيدا، وتحيي التفكير ثم تخفت سريعا، رقم هاتف والده تهزك ذكراه، وكل من فقد والده أو أمه يعرف تلك الأخاديد المؤلمة التي يتركها الوالدان في الأبناء، ويشجي القارئ أي كاتب يذهب لأعماق المشاعر فيحييها أو يجدد أحزانها.

أمه حاضرة في المجموعة، وحين تدعوا له كثيرا يقول: "ينكسر خاطري ، أدخل في مرحلة بكاء،  لا يعرفها سواي، أرغب في صراخ يقلب هذه القرية عاليها سافلها" وحين يصب لأمه القهوة، نكاد نشم هيلها الزاكي، وبعدما تموت يتذكر مجالسه مع أمه، وسرد الحكايات عليها، ويحتفظ بملابسها يشمها من وقت لآخر، ويربط بين أمه وقهوته، ولا يقف حبه لأمه عند مشاعره، لا، بل يصنع قهوة ويذهب لقبرها يصب لها فناجين القهوة المهيلة واحدا إثر آخر على قبر أمه: "معذرة حبيبتي لم يعد في الدلة شيئ من القهوة، سوف أعود إليك.. أستودعك الله" لمحات إنسانية مؤثرة مشبعة بمشاعر مرهفة، ص 63.

* حزن:

أما الحزن والبكاء، فقد أكثر الكاتب منه، ربما لأن مشاعره وشعوره بدخول عالم الستين ولم يكتب كما أحبّ، أو أن مركب الحزن مؤثر وناجح في الأدب، لأن من يكتب نصا حزينا فسيكون نصا ناجحا! إذ الحزن في القصة والرواية مركب ناجح منذ البدء، مثل قافية الراء في الشعر الموزون المقفى.

غير أن قصص علوان تقرأها فتجدها قد اقتحمت حياته دون استئذان بدءا من الأم المحزنة والخالة وإلى الباقين، ولم يزل عنده قلق أو حنين يظهر رغما عنه.

من القصص المشبعة ألما أشبه بالفكاهة قصة الديك، للطفل الأعمى الذي أبصر فرأى الديك مرة واحدة، ولما عرضت عليه أمه لزواج لاحقا ومدحت الزوجة وجمالها فقال وقد أصبح رجلا كبيرا: "وماذا تشبه من الديك؟" ص24.

* رمادي:

هذا الحزن ويا للطرافة يربطه باللون الرمادي، وهو لون ملابس الكاتب المنشور في النت، ولون الشعر الذي ترحل من السواد للرمادي، بل وتسأله بنته عن صورته التي غطاها اللون الرمادي: "بابا هل هذه صورة والدك؟ لم أقل شيئا وقال اللون الرمادي كل شيء"، ص 90.

وفي قصته الأولى وتعليقه الذكي على تحول ألوان إشارة المرور بين الألوان الثلاثة الأحمر والأصفر والأخضر ثم يعقب: "وصلت إلى مرحلة عجيبة أصبحت أسمع الألوان، كثافتها، خفتها، الجرأة التي يملكها لون بذاته، اللون الرمادي ملك الألوان، حيث يختبئ الصدق والعفوية والكذب، والعهر والطهر وهو المتهم الوحيد"، ص 16.

اللون الرمادي يا صاحبي ليس قويا ولو حاولت تقويته، قد أقول لك لون الذئب، ولكنه ليس الذي نحتاجه، الرمادي لون الصمت الذي شكوته في أول كتاب كتبته أنت ولم تكن فيه رماديا كما حاولت أن تعيش فترة من العمر.

تريد الحقيقة: لون الرماد لا أحبه، وإن حمل عندك فكرة تذهب وتجيء، ربما لم أفهمها، أو بالغتُ في تحميلها ما لا تحتمل، ولكنه لون لا يُحب، ولو صلح في زمان وقدم نفسه لونا عابرا للمكان والأزمان، لكن لنتجنبه في هذا الزمان. وقد استغربت قصة اللون الأولى ولماذا الرمادي.

* عتب قديم:

في قراءتي القديمة لمجموعة "الخبز والصمت"، أذكر أنه قصّ قصة طفل يضيع في الطائرة ولا يعرف أمه، فكلهن مغطيات الوجوه، وفي مجموعته الجديدة لم ينس أن يذكّر برأيه هنا: "حيث الغطاء الكثيف يحجب الملامح والغناء والبكاء" ص68.

وفي الصفحة التالية يذكرنا أو يستعيد نصا قديما: "ثم أسدلت الغطاء الأسود الكثيف"، ويؤرخ لهذه القصة عام 14 محرم 1392. منذ أربعة وأربعين عاما، صحيح إن جيلنا في السروات نشأ قبل انتشار غطاء الوجه في تلك الربوع، لكن الأمر ليس كبير الأهمية لنقف عليه كثيرا وتحولات اللباس تذهب وتجيء، وكان رصد الكاتب للروح الإنسانية أبلغ من مراقبة اللباس.

* الشبع كافر:

المثل السائر: "الجوع كافر" يقلبه عليك الكاتب ويقول لا، ليس كذلك بل "الشبع كافر"، ص 84. ونعلم كم أضر بالعالم الذين شبعوا، رأي يذكرنا بمقولة علي عزت بيقوفتش: "إن السبع أخطر إذا جاع، أما الإنسان فإنه أخطر إذا شبع"، ذلك أن السبع يفترس ليسد جوعه، أما الإنسان فإنه إن شبع طمع، وتوسعت حاجاته، وكثيرا ما تتوارى حكمته خلف تعاظم بطنه ورغباته التي تزيد عن حاجاته، ويتبعها حتى لو أذلته، حيث لا يملأ بطنه إلا التراب.

عندما تقرأ قصص "هاتف" الحزينة تشعر أن محمد علوان الإنسان اشتكى للقاص محمد علوان، ثم بكى مصدقا لشكواه. لكن أيها القاص المقلّ هات بقية شكاويك الأخرى فهي ممتعة محزنة فربما هيّجت قارئاً يبكي معك.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر

سفر الاحمري

نقد ادبي رائع مشوق لقراءة القصة افتقدنا لمثل هذا النقد الصادق المبدع فشكرا لك ابا عمر ونود ان نرى لك رواية من بداية دراستك في قرية القزعة الى الوقت الذي تراه وفقك الله لكل خير