عودة إيران لحراسة الجيران 2/2

2015-4-6 | د. محمد الأحمري عودة إيران لحراسة الجيران 2/2

2/2

بقلم: د. محمد بن حامد الأحمري / مدير منتدى العلاقات العربية والدولية  

ملاحظة التحرير: كما يرى القارئ، فإن هذا البحث منه، الذي كتب قبل 15 سنة تقريبا، أجزاء كانت وقتية لتلك الفترة، ومنه أجزاء فكرية وسياسية يمكن أن يستفاد منها دون زمن، ومنها استشرافات جاءت كفلق الصبح. 

* لماذا المبادرة؟

لا ننسى أن أمريكا يهمها أمران: القوة في التفوق العسكري بيد والتفوق الدبلوماسي والمالي باليد الأخرى، ولا يكفي أحدهما عن الآخر. وتعمل لضرورة بقائها وتفردها بهما، وقد استطاعت إيران رغم فقرها أن تبني قوة عسكرية، وأن تبدأ تصدير السلاح، وأن تجد في أواسط آسيا وفي إفريقيا وفي الصين مناطق للتبادل التجاري، أشعر أمريكا بأن هؤلاء القوم يقتطعون قطعا من السوق كل يوم.وأن العزلة لم تحطمهم ولم تنه دورهم ووجودهم، بل تجاوزوا حواجزها نحو آسيا وأوربا وإفريقيا.

وبقاء الموقف الأمريكي هذا، يعطي لأوروبا والصين نفوذا اقتصاديا وسياسيا كبيرا قد لا تستفيد منه أمريكا في القريب وقد يضر جدا بمصالحها مستقبلا. فهذه الشركات الفرنسية تأخذ عقود البترول والطعام، وأمريكا لا تملك إلا محاولات تعد بفشل كبير مستقبلا، فهذا السلام والهدوء الدولي لا يبشر القوى الدولية القديمة "أمريكا" بالخير القادم، فهو غالبا وسنة تاريخية: "هدوء يصنع الخروج من التاريخ للقوى الكبرى."

ولكن المستعمرات لا تراه، فهي مبهورة بشمس الغرب التي قد تكون غاربة، والمستقبل تبنيه قوة أخرى لا تتنفج بقوتها ولا بعملها. وقد كان كرستوفر وزير الخارجية في الإدارة الأولى لكلينتون يقول "أهم ما عرف في عمله أن أمريكا أقوى –لعله يريد في عيون العالم- مما تظن" فالمهابة والخوف المسيطر على العالم جعلهم يبالغون في قوتها.

وعامل آخر مهم هو التطور الذي قد يحدث للقوة الإسلامية في وسط آسيا وحوادث الشيشان مؤشر مهم وما يمكن أن تجلبه هذه من مشكلات منها نشر الجهاد ضد المستبدين في المنطقة. فيتحدث تقرير الاستخبارات الأمريكية بصراحة عن مخاطر انتشار المجاهدين الشيشانيين وأنصارهم للجمهوريات الإسلامية وزعمائها مما يهدد حلفاءها ويهدد استثماراتها البترولية ونضيف أهمية الاستثمارات الإسرائيلية في المنطقة.

وقد افتتحت السي أي أيه وكالة الاستخبارات الأمريكية مكاتب جديدة في أغلب العواصم المسلمة في وسط آسيا، وتحدث رئيسها محذرا من الخطر السني المتطرف على هذه الدول وعلى المصالح الأمريكية من أفغانستان والشيشان! ولم يذكر إيران.

ومع هذا، فلا تثق أمريكا بعد بالثورة تماما ولكن المؤشرات والنداءات تقول الآن أن هذا الموسم آت قريبا. فانتصار خاتمي ثم تأييد هذا بالتوجه الجديد يجعل إيران تتجه لعلاقة جيدة مع الغرب بادر بها خاتمي تحت شعار حوار الحضارات، ويغازل غربيون كثيرون إيران، ففرنسا محافظة على علاقة خاصة وألمانيا أيضا، والدول الصغيرة في أوروبا.

* النفعية:

في إيران حاكم نفعي عملي "خاتمي"، ويرى أن من المهم أن يقوم للنفعية سوق قوي وأنصار وزملاء وتلاميذ، وهم ناجحون إلى الآن في توجيه مدرسة حملة خاتمي، فمن قراءة كتابيه المنشورين بالعربية (8)، وكتاب "الخاتمية" (9)، الذي يمثل هذا التيار يتبين هذا النفس المتملص الذي يعرف ما يريد ويسعى له ويسخر لهدفه الدين والفلسفة والعلاقة والثورة، وعنده براعة في استخدام هذه المتناقضات، وتسخيرها لاستمراره ولاستمرار توجهه وأنصاره في الحكم.

وهذا يمثل مرحلة جديدة في صعود الثورة نحو مرحلة أقوى وأكبر وأخلد في التأثير، أو سقوط مريع لهذه الجبهة، على عتبة الصراع الفكري. وقد كان الغرب يحاول في الماضي أن يسقط الثورة من خارجها ولم يستطع فهناك محاولة لإسقاطها من داخلها اليوم، باللعب بالصراع من داخله، أو فهم ما يتم والتعامل معه.

* من مأمنه يؤتى الحذر:

يتحدث خاتمي عن الانفتاح والحوار مع الحضارات وعينه على رغبات المتشوقين للانفتاح من الشباب الناخبين في الداخل، وعلى رضا أمريكا وغيرها في الخارج. وأمريكا سوف تفتح أحضانها لو جاءها، وتعطي المال الإيراني المحجوز في بنوكها، وستكون أمريكا أسعد لو اقترضت إيران من البنك الدولي، أو قدم لها البنك أي تسهيلات لمشاريع إنمائية واقتصادية كبيرة، ثم تدخل في ظلمات القروض وينتهي استقلالها.

إن الدولار سوف يبذل رخيصا لهم لو جاءوا، ولكنه سيكون ثمنا لما هو أهم منه، وسيكون آخر عهدهم بالاستقلال والحرية.

والجيل القيادي يعي هذه الموازنة، ولكن الناخبين المؤثرين قد لا يعونها، وهذه من الصعوبات التي يواجهها أي نظام أو شعب طموح للكرامة والاستقلال في العالم الإسلامي في هذا العصر فماذا يصنع أمام بريق قوة دولية علمية مؤثرة، مسلحة ببريق السلاح والعدل والمال وشعوب العالم الإسلامي التي تنظر لنفسها فلا ترى إلا شعوبا أهلكها الاستبداد والجهل، وتعيش يومها قلقة بين دينها وهويتها وبين تبعية استعمارية مدمرة.

لا ترضى بغير طريقها طريقا: يقول مدير الاستخبارات الأمريكية جورج تنت: "كلما زادت قوتنا زاد الخطر علينا، نحن أقوى دولة في العالم، لكننا معرضون للخطر من الذين يختلفون معنا في المصالح والعقائد والقيم الأخلاقية" فإذا انتفت هذه الموانع رضيت عنكم أمريكا! قال تعالى: "ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم"، ولكن حتى لو تحقق هذا فلن يرضوا كما يقول هذا المدير.

ولن يكون المنفتحون الإيرانيون أرضى لأمريكا إلا عندما يكونوا خيرا لها من بدائل أخرى، أو تكاليف أكبر.

* سيرة أمريكا مع أصدقائها:

لم تبال أمريكا ولن تبال مستقبلا في خذلان من يرون أنفسهم أصدقاءها، فإن تبينت مصلحتها ذهبت معها فسياستها سياسة مقودة بمصالح مادية،وليس للدين والخلق فيها موقع كبير، وأصحاب التوجهات الدينية المحاربون في الكونجرس أو غيره مدفوعون برغبات ناخبين متدينين، والدين لحماية المال والقوة، والضغط على المسلمين لأسباب دينية ظاهره معه أيضا رغبات استعمارية كامنة أو ظاهرة.

فها نحن نجد أن الكنيسة أو البعثة العربية التبشيرية هي التي قادت أو سهلت طريق أمريكا لبترول الخليج. والشركات الأمريكية الكبرى تقود الحكومة الأمريكية بالقوة لحماية مصالحها ولفتح الأسواق الدولية لها. فالشركات هي التي تصنع الأسلحة وتمون الحكومة والجيش وغيرها. والصداقات مع أمريكا تخضع للمال والقوة أولا، ولا يرون فيها ثبات فهي تموج موج المال.

والأصدقاء عليهم إدراك ذلك، فحين انتهت صلاحية الشاة ولاح في الأفق بديل آخر أيدوه. ولم يفوا للشاة لحظة واحدة، ورموه من عرشه، فهرب لهم يمد يديه يستجدي منهم أن يبقوه في المستشفى في نيويورك ولا يستجيبون، وهو الذي كان يدمره السرطان والخذلان، وزوجة الشاة التي كان يهتز لمكالمتها البيت الأبيض تقول كنت أحاول الاتصال بالبيت الأبيض فلا يرد علي أحد، ويتجاهلها حتى السكرتارية الصغار، ويقول لها موظف صغير في المستشفى في نيويورك: أخرجيه "يعني زوجها الشاة" فليس عندنا له مكان!! المستشفى عندنا مزدحم!! لقد ضاقت أمريكا، به وضاقت الدنيا عن أن يكون له فيها سرير يموت عليه، ثم يقذفونه للمستعمرة بنما، ثم يهرب منها خائفا ليستقبله السادات جثة مؤذية لمصر ولعلاقاتها، ولتزيد مصر في تاريخها فرعونا ميتا مستورداً.

إن أمريكا تخضع كأي قوة لمن له هدف وغاية، وعنده ما يقوله وما يفعله وإن كان في جزيرة صغيرة جدا مثل "كوبا"، ولكنها تغالي في إذلال الضعفاء الجاهلين الخائفين، الهائمين على الدروب، بلا دين، ولا قيمة، ولا فلسفة للحياة، وإن كانت بلدا كبيرا مصر أو إيران الشاة أو البرازيل. وتذل الذين يعبدون أنفسهم وشهواتهم، لأنها بضاعتها السهلة الرخيصة المصدرة، والمتوفرة لدى كل ضعيف، ووسيلتها لهدم الشعوب والقيم.

وجاء دور مجاهدي خلق وبدأ التلميح ثم التصريح باعتبارهم مجموعة إرهابية، وهي المجموعة التي احتفلت بها أمريكا وحلفاؤها سنين وزودتها بالمال، والتدريب، وبنت لها مؤسسة إعلامية قوية ومدربة. وتلقت مساعدات كبيرة لتطيح بالثورة.

والآن يواجه مجاهدو خلق أسوأ من مصير "جبهة الإنقاذ الليبية"، وهذا يعني على المدى الأبعد أن أمريكا تنطلق من المصلحة الواقعية المشتركة مع إيران، وليس من خلال شخص الحاكم أو نظام الحكم المرغوب ما دام تغييره الواقع لم يعد ممكنا في المدى القريب. ويعني أيضا ترك الجيران يواجهون مصائرهم وصراعاتهم وحدهم. وهم على أي مصير مستقبلي يواجههم سوف يبيعون البترول ـ وهم تحت الحماية الإيرانية أو الأمريكية ـ لمن يشتري وسوف يرضخون دائما للضغوط الدولية والإقليمية، ماداموا قلة ضعيفة وجاهلة وممزقة. وسوف تصبح أمريكا الصديق البعيد والملجأ المحبوب وليس المستعمر الكريه، الذي لا تقف رغباته وإذلاله عند حد.

* المودة الصعبة وسقوط المبادئ:

حيرة أمريكا مع إيران كبيرة، واختيارها لهذا الطريق أذكى وأصعب، وقد تكون نتائج المغامرة القريبة معها احتواء القوة والصعود الإيراني، وتعطيل السلاح النووي الإيراني كما حصل مع مصر وغيرها، وإيقاف الاقتصاد النامي إذ بلغ النمو زمن رفسنجاني 3% ، ولم يحقق كثيرا في زمن خاتمي، ويبرر هذا بأسباب منها تدني سعر البترول. ذلك في الزمن القريب، أما مع المستقبل البعيد فقد يتحقق عكس الطموح الأمريكي، فتصبح إيران مع الزمن هي القوة النافذة في الخليج ويخرج البعيدون و يصغر الصغار. وتشتري إيران لها في المنطقة حرسا، وتخرج أمريكا من الخليج مقابل اتفاق وعهود ليس بعيدا أن تكون إسرائيل طرفا فيها، لم لا فليست قصة إيران كونترا بعيدة، وحدثت في ذروة العداء أو كلام العداء الإسرائيلي الإيراني والإيراني الأمريكي، وهذا المستقبل النفعي قد يتغلب إن لم يكن هو الغالب الآن.

* صراع المبادئ والمصالح:

الثورة الإيرانية اليوم تتجه للتعامل الواقعي، ولو على حساب المبدأ المكلف، فقد كانوا يحبون تصدير الثورة في زمن مضى يوم كانوا مولعين إيديولوجيين ناشطين، واليوم يرون تصدير الديمقراطية، ولكنهم غدا سيكتشفون أن هذه العنقاء أيضا لا تصلح للتصدير، فهي تكريم لا يصلح للهمل ولا للمستعمرات، وكلا الحرية والديمقراطية طعام سام يفتك ببطون أطفال السياسة. ولكنه إن تسرب لهم فإنه ينميهم فيكبرون ويتمردون.

ومن قبلهم أمريكا عندما كانت غرة صغيرة شابة فاتكة أصرت زمنا على تصدير ثورتها وحريتها، وتولع متولعون بجمهوريتها وديمقراطيتها في كل مكان، ثم فهم الأمريكيون الدرس بعد قرابة قرنين فتركوا الثورة واتجهوا للحرية والديمقراطية، ثم عادوا بتحريمها على القاصرين الذين لا يفهمون الحرية!

فالحرية والديمقراطية تعلم الصغار في المستعمرات التمرد، ولن تبق هناك مستعمرات عامرة، ولا أسواق حرة، ولا بترولا موفورا، ولا سوقا للسلاح. فانقلب كهنة الديمقراطية يحذرون من سحرهم القديم. لأنهم أدركوا أن الصغار يتعلمون بسرعة، وتجرأ منهم من يحاول سحب البساط من الكبار، بسرعة فائقة. فبدأ الكهنة يقيمون الحد على من يروج للحرية والديمقراطية، ويقلب السحر عليهم وقد فعل الإيرانيون فلا مناص من تحريم الحرية على غيرهم. إن الغرب لا يحب أن يحكم العالم الإسلامي إلا العساكر والجواسيس فقد أثبتوا خير حليف وسجان موثوق.

فهذه دولة الثورة والحرية أو ما سمي بالتنوير: فرنسا هي اليوم تقتل الجزائريين بجنودها الجزائريين لتحرم عليهم الحرية والديمقراطية! وأمريكا الرأسمالية تمنع حركة رأس المال الذي لغيرها حيث لا تريد، بل وتحجزه أمام أعين العالم وتقيم الحصار على دول عديدة تكاد أن تكون كل الدول المحاصرة إسلامية. وتحرم الثورة والحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان على المستعمرات!

 * وجوه أخر للقوى القادمة:

تركيا المجاورة بدأت تسبب قلقا وشكا كبيرا في مصيرها، مع أنها من أهم القواعد الأمريكية في المنطقة. كما أن دول أوروبا والولايات المتحدة لا تعرف الآثار الأبعد لقيام حكم أكثر عقلا واعتدالا مع الإسلام في تركيا، واحتمال إقتراب تركيا من الإسلام مسألة مخيفة للغرب، فتركيا ذات عمق عنصري ولغوي مع الجمهوريات الإسلامية في المنطقة الواقعة بين إسطنبول وغرب الصين تشترك معهم في اللغة والجنس، ولتركيا عمقها السني الأبعد، وبقاء تركيا وإيران مختلفتين ومتحالفتين مع الغرب أضبط لمستقبل الوجود الغربي.

وقد كانت أمريكا وأنصارها محظوظين بأن قامت الثورة في إيران ولم تقم في تركيا أو بلد سني عربي أو أعجمي آخر ، ذلك أن إيران منذ تشيع قسم كبير منها قبل الصفويين، ثم ألزمها الصفويون التشيع بالقوة، بدأت تحافظ على صياغة قومية خاصة للإسلام، فالتشيع والعنصرية الفارسية "الدين، واللغة والجنس" ساعدتهم هذه المكونات في التماسك وصناعة الهوية الداخلية لدولة قومية دينية، ولكنها بالمقابل عزلتها هذه الهوية والخصوصية نفسيا ودينيا وسياسيا عن الجيران، ويمكن لهذه التركيبة أن تستخدم بطرق مختلفة.

وأصبح من الممكن أن تقوم بدور قد لا يتفق مع مصالح دول العالم العربي والإسلامي المجاور، ويسهل عليها ربط مصلحتها بخصوم المسلمين بسهولة، تحت أي شعار أو مصلحة ضيقة لإيران "الفارسية الشيعية" وليس الموقف الإيراني من قضية الشيشان إلا مثالا صغيرا في سياق قادم للعلاقات الإيرانية مع قوى دولية تنتفع إيران خاصة من العلاقات معها، وقد يخسر المسلمون كثيرا جراء تلك العلاقات.

* تركيا العلمانية:

ويبقى أعداء المنطقة الإسلامية والعربية مبتهجين بتركيا التي ترسف في قيود علمانية متخلفة عسكرية مقيتة، تبتهج بروائح التغريب الغربي وكلامه وينبذها الغرب لجذورها المسلمة وتاريخها الدامي معه، وشك الغربيين في رجعتها للإسلام قائم مهما قدمها عساكر أتاتورك قربة لرضى النصاراى.

فقد كان رد أوروبا وكلام ديمريل أوضح من كل تعقيب بأنهم رفضوا دخولها في الإتحاد الأوروبي بسبب أنها دولة إسلامية!! مع أن بلاد النصارى تعطي حريات للمسلمين أكثر مما تعطي العلمانية التركية المتخلفة للمسلمين في تركيا. وأي تحرك إسلامي في تركيا السنية سوف يضر بإيران والغرب، ويقوي التحالف "الإيراني النصراني اليهودي" ضد تركيا دون فرق بين العهد الصفوي المتأخر أو القاجاري، وستجد تركيا ـ إن أسلمت سياستها ـ تبحث عن عمق جنوبي عربي أو شرقي في وسط آسيا.

 * الذين يسارعون فيهم:

عدد كبير من الكتاب الإسلاميين، الذين يستخدمون الخطاب الإسلامي لأنه السائد المنتصر، يسارعون في التعلق والتمجيد لإيران ومنجزاتها، وهؤلاء يغفلون عن حقائق مهمة عميقة في العقول والقلوب وفي الثقافة والاعتقاد وتاريخ المنطقة، وليس بإمكان أحد نسيانها أو تجاهلها، يدركها الموالون لإيران في العراق والخليج، ويدركها الذين لهم صلة بالتجمعات الشيعية في مناطق عربية أخرى.

من هذه الأمور الخلاف العقدي الكبير، والصنمية التي يغالي الشيعة فيها برفع آل البيت لها، واستخدام التشيع كسلاح قومي ضد العرب، ولا يجد حرجا بعض من أنصف منهم أن يذكره بصراحة وأن التشيع الصفوي ـ المتنفذ اليوم ـ مبني على العداوة مع العرب قوم عبد الرحمن بن ملجم قاتل علي، وشمر بن ذي الجوشن قاتل الحسين. وأقاموا دينهم القومي (الإسلام الشيعي 10)، الذي له مقدساته في قم وقبر الرضا ثم قبر الخميني، وما يبتعه الشيعة في كل وقت من زعامات، ويخلطون الإسلام بقومية صارمة، تناقضه.

ثم إن عملية التمجيد هذه لا تزيد عن مظهر إعجاب لدى بعضهم غير ذي معنى ولا يمكن نقل هذه الأفكار لحيز التطبيق، وبالتالي تكون تمهيدا لزرع عقدة استعمارية جديدة دون وعي! مع ما تحمله أيضا من فقدان للهوية الشرعية. والنظر الشمولي في الواقعة قد يساهم كثيرا في إدراك أحسن الطرق للتعامل معها. وليس هذا موطن نقد الموقف الإسلامي بطرفيه لأن هذا له سياق آخر.

* إيران القومية الإسلامية أم الاستعمارية القادمة:

ينمو الحس القومي الإيراني في مرحلة استقرار الدولة وانتصار الدين بشكل لم يعهد من قبل، فالمعارضة السياسية كانت تتخذ الدين وسيلة لمقاومة فساد السلطة وللمواجهة أما وقد أصبح الدين حاكما فإن القومية الفارسية قد تكون ملجأ المعارضة، ففي العام الماضي ـ كما يقول أمير طاهري ـ لم يعد اسم علي وحسين أكثر انتشارا، بل أخذ مكانهما "اسم: آراش و اسم: داريوش" اللذان يعودان لإيران ما قبل الإسلام، وكلمة "ميهان"، التي تعني وطن وكان يراها الخميني وثنية عادت للاستخدام، بل وأصبح هناك جريدة يومية باسم "هام ميهان"، التي تعني "الوطني". وتضاعف زوار قبر قورش ملك فارس وزوار آثار بيرسيبلوس أربع مرات بعد حكم خاتمي بين عامي 97-99.

والملجأ الثاني الآخر لمقاومة السلطة ـ ولعله ظاهر الآن ـ هو التغريب أو ما يسمونه بالانفتاح. وهل سيكون هذا الانفتاح علمانية غربية؟ أم علمانية إسلامية وطنية؟ مسألة تستحق البحث والخوض في المجهول تماما، غير أننا نطلق عنان التوقع لوضع يراه طائفة من الإيرانيين والفلاسفة الجدد مثل: "عبد الكريم سروش" أنه مجتمع يحترم الإسلام ويطبق منه ما يخدم مصلحته القومية ويجافي أي تحكم للمتدينين وأنصار ولاية الفقيه من الملالي ويعلمنون الإسلام من داخله، وهذا طرف فاعل في توجهات الرأي مؤثر في الواقع ومستنكر في العلن.

ستشهد إيران المستقبل صراعا بين قوميتها ودينها، بين تشيعها ومناصرتها لبقية الشيعة وبين مصالحها كما في الخليج وفي لبنان. ثم ما بعد تلك المرحلة بين الثقافة الاستعمارية والشعارات الإسلامية. فالفرق بين إيران الشاة والإسلامية في المستقبل القريب قد لا يكون مختلفا كثيرا في جانبه القومي السياسي. وسيكون العامل القومي هو من أهم المكونات القادمة للسياسة الإيرانية، وسيكبر هذا الجانب ويطغى على سواه. ويكبر الخلاف من أجله مع مكونات إيرانية غير فارسية ويسبب أزمات داخلية وضغوطا خارجية كبيرة مع المجاورين العرب وغيرهم. وسيفتح علاقات أحسن وأقوى مع خصومهم. فالجيل الذي لم يواجه العلمانية الإيرانية وخلاعة الشاة وعمالته لن يكون خطابه الإيديولوجي أقوى مما كان. ولن يكون خطابه الإسلامي أعلى من المصالح القومية القريبة العاجلة.

وهي سنة الله في نسيان الأجيال المتأخرة ما مر بسابقيها، وعمر رضي الله عنه قال إنما يحل عرى الإسلام عروة عروة من نشأ في الإسلام ولم يعرف الجاهلية. ووجود أكثر من نصف الشعب الذي يقارب السبعين مليونا هم أقل من الثلاثين عاما في إيران لا يجعله يذكر الحروب ولا يذكر الشاة ولا الخميني، ولا يتذكر الصراع الماضي بين الدين والشاة، ولا يكره فكرة الاستعمار، وقد يقبل أن يمارسها أو أن تمارس عليه.

كما إن الحس القومي الفارسي والعنصري للدولة وشيعيتها مكونات مطلوبة لأدوار دولية قادمة يغفل عنها الجيران. فإيران المستقبل لا تريد للخليج أن يكون متدينا سنيا ولا حرا في قراراته. لأن صعود شأنه يبعث قلقا كبيرا لها، وغفلته السادرة الآن خير مؤهل لأن يكون لإيران دور استعماري أكبر قريبا.

ولن تستأذن أمريكا العرب عندما تتفاهم مع الفرس، وللفرس عمق ونصير داخلي شيعي في دول الخليج قد يستخدم دينه لمصلحة القومية الفارسية، وهو مكون كبير في العلاقات، وسيتعاظم دوره في مرحلة الهدوء والغفلة أو العلاقات الأكثر مرونة. وليس مما يمكن اعتباره ثانويا في المعادلات السياسية لبعض مناطق الخليج.

وسيكون موقفها من حريته كموقف القوى الطامعة الأخرى، التي تفيدها الديكتاتورية العلمانية والتبعية الغربية في المنطقة أكثر من سواها. لتكون القوة البديلة عن الغرب تحالفا الآن وبعد رحيله المتوقع متصرفا؛ فموقف أمريكا لم يتغير منذ زمن طويل ورأي نيكسون الشهير تتوارثه الإدارات اللاحقة؛ "سيدة تتكئ على الذهب في الصحراء منفردة لن تعدم الغزاة"

يقول مؤلف كتاب حراس الخليج:

"والفترة الزمنية التي ستحافظ الولايات المتحدة خلالها على مواقعها في المنطقة سوف تتحدد على الأرجح بعوامل من خارج الخليج العربي. والوصول إلى مستودعات البترول هو في نهاية المطاف وسيلة إلى غاية؛ وسوف تكشف مجريات الأمور ما إذا كان الأمريكيون سوف يستخدمون ـ أم لا ـ نفط الخليج في تنشيط النمو الاقتصادي الديناميكي في القرن الحادي والعشرين. فإذا لم يحدث فإن الأمريكيين سوف يكتشفون في يوم ما ربما لن يكون بعيداً جداً أن دولة أوروبية أو آسيوية أو مجموعة من الدول سوف تتجه نحو تحقيق هدف أمن تحل محل الولايات المتحدة اقتصاديا وسياسياً وعسكرياً في المنطقة. ولكن إلى أن يجيء هذا اليوم سوف يظل الأمريكيون حراس الخليج. (11)".

وفي حال فراغ المنطقة من الحارس الغربي النافذ، وعدم الرضا عن إيران هل تكون الهند هي البديل الآسيوي. ألم يأن لهذه المنطقة أن تتصالح مع نفسها ودينها وشعوبها، ولتستطيع أن تجعل لنعم الله العظيمة عليها أثرا يعود عليها بالخير والعزة والمنعة، ولتتخلص من ربقة الغزاة والمحتلين منذ البرتغاليين إلى اليوم.

إن المنطقة تملك كل مؤهلات العزة، ولكن المستعمرين في كل زمن يحذرونها من نفسها، فتكره قومها ودينها وتثق بالغرباء الغزاة، ويغرونها بشراء سلاحهم وإغناء أسواقهم بالشراء والاستيراد. وإنها ما لم تع و تعرف نفسها وتتجه للحق الذي تكرهه، وإلا فإن كل مستعمر يعدها بغيره. ويسلمها لمن هو أقوى منه، والمستعمر القادم آسيوي قد تطول إقامته، وقى الله المسلمين من كل مكروه.

 * خطورة الفراغ الخليجي بإقصاء الدين:

يلعب الخبراء والمستشارون والصحفيون و"مؤسسات التفكير"، دورا كبيرا في صناعة القرار الغربي. والمؤسسات ذات حضور مهم جدا في قرارات الحكومات الغربية، وليست هذه المؤسسات موجودة في العالم العربي، لذا يضطر أصحاب القرار فيها أن يستسلموا لخصومهم الذين تتوفر لديهم هذه المؤسسات، أو أنهم بحكم عقدة الخواجة يفقدون الثقة في أنفسهم وفي مؤسساتهم، ولم يعوّدوا قومهم أن يكون لهم رأي مختلف مع السلطة، فإن ظلت فلا هادي لها، وتتلمس الهدى عند من يود لها الخسارة والضلال.

وفي العالم العربي يحرم التفكير في علاقة الدولة، والوعي بما يدور، والدراسة للواقع وللمستقبل، جريمة تسمى تدخلا في السياسة، فينتصر الوهم والخوف وضروب أشبه بالكهانة السياسية التي تخسر في آخر المطاف، لأنها تبدأ بجهل وتنتهي بهزيمة. وقد تقام في العالم العربي مهرجانات صاخبة لقطعان من المنتفعين وبقايا ممن يرون أنفسهم محترفي سياسة وهم جاهلون، ومن مخلفات مرحلة اليسار والقومية، وبقية المدارس الفكرية الخاسرة. وهذه طائفة جاثمة على القرارات ومصائر الشعوب ومؤهلاتها الوحيدة القدم وعدم الصلاحية للمغامرة السياسية والفكرية، وكراهية التوجه الإسلامي.

إن الخليج فيه أوضح ملامح "الخوف من التفكير"، فصاحب القرار لا يستطيع أن يبوح بحيرته من الخطوة الأمريكية المفاجئة، ويخشى ذكر الحقيقة ونقاشها مهما تكن خارج إرادته، ويتوقع أن شعبه يظن فيه عبقرية لا مثيل لها فليسكت خوفا من الانكشاف، أو أن يقال لقد وثقت بغير موثوق، ويستبدل الوهم والأماني بالحقيقة، ويتعامل مع أمنياته وليس مع الحقائق الواقعة التي يستبعدها حتى تعبر عن نفسها. والمفكر أو العالم أو السياسي لا مكان له، فلو تحدث قيل هذا يطمح أن يكون ثائرا أو أن يكون "آية الله". فليقبض على جمر الغبن ويصمت، فقد قرر له الغزاة موقعه وأن يكون بعيدا عن المسيرة الفكرية والسياسية لبلاده، فحرام على بلابله الدوح حلال للطير من كل جنس. وليترك الأمر للرويبضة كما قال صلى الله عليه وسلم، والرويبضة لا يفهم ولا يسمح لنفسه ولا لغيره به.

وحال الإسلاميين في هذه المنطقة من العالم "أنهم إن قالوا المحال رفعوا الأصوات وإن قالوا الحق أطالوا الهمس". فأصواتهم مصادرة، وحقوقهم مستباحة، والمؤسسة الفكرية الإسلامية محرمة ومصادرة الحقوق يتزايد فيها تحكم السلطة وملكيتها المركزية عودة لأسلوب روسيا والتركيز الشيوعي للسلطة مع أن هذا زمن التخصيص والحريات في كل جوانب الحياة سوى هذا.

ولكن العالم المتقدم يجلب الشعب للمشاركة السياسية، ويتمنى منه المساهمة في الفهم والتوجيه للسياسة ونقد السلطة. فالحكومة التي يكثر نقدها صراحة أقدر على الإصلاح، والسلطة التي يتزلف لها المتزلفون والمداحون الدجالون تبادلهم بمثل ما يبذلون وتتزلف لعدوهم كما يتزلف لها رعاياها.

لذا تعاني منطقة الخليج من الفراغ الفكري والسياسي، وهذا مما يساعد في ضعف البنية السياسية، ويزرع الخلل وعدم الثقة وسيطرة الخوف من الداخل والخارج، وهذه البنية هي أحسن الأجواء التي تمكن للمحتلين ولعشاق المغامرات الكبرى من المبادرة، بعد صنع التحالفات والمصالح للشاطئ الذي تعود أن يكون "متصالحا" مع الغزاة المختلفين، فتمزق هذه الجهة من الخليج سهل دور الغزاة في الماضي، وهذا التمزق هو خير وسيلة للغزاة في زماننا. ولا بد من وجود مجتمع مسلم متماسك، يسوده الدين والعدل والثقة وبهذا يكون قادرا على مواجهة مشاريع الاستلحاق من القريب والبعيد.

ولم يعد ممكنا أن يقترح أحد على إيران إبعاد الدين عن السياسة، فهذا مكون من مكونات البلد التي تجاوزت النقاش، وشعار "احتشمي في طهران" يقابله شعار "ابتسمي في دبي"، وكريستيانا أمبور مراسلة الس إن إن تتحجب في طهران، وتخلعه على الشاطئ الغربي العربي. ومنع أمريكا للدول العربية أن تدخل السياسة في الحياة تطفيف عليهم، فأمريكا تعترف أن جمعياتها التبشيرية "البعثة العربية" هي التي فتحت لها باب الخليج: والعلاقات العربية البترولية يعود فضل إنشائها وهيمنة أمريكا عليها إلى البعثة الأمريكية التبشيرية التي سميت بالبعثة العربية، كما يقول تشارلز هاميلتون: "يعترف الكثيرون بأنه لولا عمل البعثة العربية المبدع لما استطاع التجار الأمريكيون أن يشتركوا في استغلال مصادر البترول الهائلة في الشرق الأوسط (12)".

 * التقية إلى الشاطئ الآخر:

إن علينا أن نتدبر بوعي ودون وصاية أثر إبعاد الدين وترسيم وتجميد المؤسسة الشرعية في الشاطئ الغربي، بينما يحكم التشيع الحياة في إيران، وتقوم حركة وثورة فكرية دينية وسياسية حرة مناصرة لطائفتها في كل مكان بدعم من كيانهم العقدي السياسي. وتناقش كل أمورها على الملأ دون إرهاب جاسوسي ولا خوف. ويأخذ رجالها مكانتهم بقدراتهم وجدارتهم بلا بتنصيب من مستعمريهم.

وهنا يجدر بمن يعي الأمر أن يدرك أن مفاهيم التقية قد غادرت مجتمعهم منذ ثورة مصدق 1953م، ثم وقفة 1963م ضد الشاة، ثم أكدتها ثورة 1979م، وغادرت مفاهيم الضعف هذه إلى مواقع أخرى في أماكن أخر، إما شيعة يمتطونها ويتمسكنوا حتى يتمكنوا، أو سنة تاريخيا تلبسوا هذا المفهوم، عمليا وبأسوأ تفسيراته، فهو أخطر عليهم من عقائد الإمامية الأخرى التي تسربت للسنة.

 * الفكر يقود السياسة:

الوهابيون كانت لهم صولات سياسية وفكرية وعملية في بناء هوية لأمة عربية مسلمة، وأثاروا من العمل والفكر ما هز التفكير والسلوك المسلم رغم فقرهم وضعف مواردهم آنذاك، ثم قام القواسم على شاطئ الخليج وكانت لهم أمجاد في مواجهة الاستعمار شهيرة، وكانوا امتدادا للحركة الوهابية، ولم تكن مواردهم ولا تجارتهم البحرية سر قوة الحمية والعزة والمواجهة للغزاة، ولكنه الدين والفكر اليقظ الذي يملي الموقف السياسي، واليوم في الخليج يتوفر المال وفي بعض المناطق بشكل لم يسبق في تاريخها ولا تاريخ البشرية تمركز هذه الثروة مع قلة السكان، ولكن يرافق هذا جهل مريع، وبعد عن الدين وعن الثقافة والتفكير، مما جعل هذا المال مجلبة للخوف والضعف لا وسيلة للقوة.

فليس من علاقة تربط بين السكان إلا بقايا عشائرية يضعفها الخلاف المستمر، والمصالح المتحولة، ويفقد أصحابها الهدف الموجه، ولا يجتمع الناس حولهم بسبب غير مالهم، فلا يجدون من المسلمين تعاطفا حيثما كانوا، ولا يشعرون بلذة أخوة ومناصرة ومودة، فتسود هذه العلاقة مع الخارج مشاعر النفعية والوقتية، وعدم الثقة وضعف التجانس.

وإن سيطرة مشاعر السوق وخلقه المتبادل وعلاقاته أضعف روابط للشعوب وأوهاها، وأكثرها تقلبا حسب البضائع والباعة والوفرة والنقص ، وزيادة المال ونقصه. وغياب فكرة أعلى وأقوى جامعة وهدف مشترك مع المسلمين والعرب، يعني غياب المستقبل والثقة والصدق والود. وللأسف فهذه هي الرابطة في داخل شعوب الخليج الآن ومع غيره، وهي من أخطر التحديات التي تعزل الحكومات والشعوب عن مجتمعها القريب وعن العالم الإسلامي الواسع. يرافق ذلك تغييب متعمد للدين والثقافة والتفكير في صياغة المستقبل، وتوجيهه لمصير منطقة قلب العالم الإسلامي.

 * الدعوة والاجتهاد:

حضرت مرة محاضرة لخبير شهير في الشئون الدولية وممن يطلقون على أنفسهم المستقبليين، أي خبراء التخطيط والتوقع المستقبلي، وله اهتمامات سياسية واجتماعية عديدة، يدعى "فلاخس" من أصل يوناني، وقد دعا لهذه المحاضرة ناد للطلاب، استعرض المحاضر فيها مكونات المنطقة السياسية والاجتماعية والثقافية، ثم قال في نهاية محاضرته إن مستقبل هذه المنطقة السعيد يقوم على أمرين هما: الدعوة والاجتهاد، فهذان العاملان يقويان العلاقة في وسط العالم المجاور والبعيد، ويجعلان للأفراد هدفا في الحياة، ولاجتهاد يصنع التفتح والمعرفة. ثم إن كلا من المصطلحين له جذوره في ثقافة المجتمع وفي الإسلام. وقد كان نص قوله قريبا من هذا عجبت لما يقول وقلت يا ليت قومي يعلمون. فما أشد هروبهم من الخير و والسعادة والمجد دنيا وآخرة، والتهافت على شهوات عاجلة قاتلة.

* دولة الفكرة أم دولة المال:

يخيل للمراقب الذي يقف عند آخر لحظة لمجتمعات هذا القرن أن المال هو الذي كون المجتمعات، وأسس روابطها، وأقام نظمها، وتلك خدعة التفكير الجزئي المبتسر، فالتكوين الفكري والثقافي هو الذي أسس روابط عديدة في المنطقة، والدين هو الذي أقام الدولة السعودية، وهو الذي عزل بعض السكان عن المشاركة السياسية والاجتماعية في العالم الإسلامي، فعمان وعزلتها ليست فقط من أجل الجغرافيا، ولكن هناك عوامل ثقافية دينية جعلت هناك حواجز لا يجوزها المار بسهولة، ولم يستطع مجتمع في العالم المعاصر تجاوزها كما يخيل لنا العلمانيون الذين يبشرون بخرافة نهاية الفكر أو نهاية الإيديولوجية.

فمشكلة صراع البروتستانت والكاثوليك من مكونات الدول وأسباب تشكيلها في الثقافة المعاصرة في العالم النصراني، وايرلندا شاهد يفقأ عين المكذب، ومبدأ صراع الحضارات وآخر موضة للسياسة الخارجية الأمريكية مبدأ ديني صرف، عليه ملحقات قومية أو عرقية قليلة، ولكن صراع الكاثوليك والكنيسة الشرقية والبروتستانتية والإسلام من مكونات النظرية بل هي خلاصة وأساس النظرية.

ومشكلة المال في المنطقة وتحولاته أصعب من استقراره، فليس في المنطقة إلى الآن مؤهلات جاذبة لاستقرار السوق، ولبقائه نشطا وليس للسوق حماية عسكرية محلية، ولا زراعة ولا صناعة متجذرة، ولا تعليم ومؤسسات تستقبل القدرات وتوطنها وتجذب اهتمامها. بل الجامعات الإسلامية تعاني من التحجيم والتجاهل والإضعاف بطريق مباشر أو غير مباشر، وتقلص الحريات في داخلها العلمية والاجتهادية لتكون أقل حرية أكاديمية من المدارس الابتدائية التجارية.

يقابل هذا الهدم عند السنة نشاط شيعي وحرية أكاديمية في جامعاتهم العلمية والشرعية. فالدعوة والاجتهاد أصبح عمل الشيعة وهدف طائفة كبيرة منهم. ودولتهم التي أقاموها لهذا الهدف وغيره ترعى وتنفق على هذا التوجه، ولكن الدعوة والاجتهاد عمل مطارد على الضفة السنية! ولنا أن نرى في ضوء هذا الواقع والتوجه مستقبل أمتين وقوتهما.

 * بين مصر وإيران:

لماذا ينشغل العالم بقصة إيران في كل مكان؟ سياسة وفكر واقتصاد وسلاح، بينما لا يهم أحد كثيرا أو على الأقل الآن ما يحدث في مصر؟ وعدد سكان البلدين يكاد أن يكون واحدا، ودور مصر التاريخي الإسلامي عظيم،ومكانتها أكبر أو مثل إيران، وهويتها العربية والإسلامية السنية أخطر، وكانت في زمن عبد الناصر محركة للكثير من قضايا العالم كالقومية العربية وحركة عدم الانحياز، فما الذي حدث لها؟ ولماذا لم تعد تقلق حتى مثل الشيشان أو أفغانستان، ولم تعد قوية مثل إسرائيل التي تقل عن نسبة 1 إلى 14 من سكانها، ولا تستحق قدرا مقارنة بها، وليس لها في المنطقة صوت ولا صورة، ويقضى الأمر حين تغيب ولا تستأذن حتى في شيء؟ ورحلات مكوكية دبلوماسية شكلية غير ذات قيمة إلا تركيز غيابها عن العالم وتهميش دورها! وكل بطولات حاكمها وحكومته أنه أمسك بمصري في ألبانيا، أو اختلف مع لاجئ مصري مسكين في اليمن ، أو آخر مجنون في لندن، أو مع هارب في سويسرا وهلم جرا من بطولات هذا الحاكم! كيف صغر هذا البلد الكبير قسرا؟ وهمش دوره بلا شيئي؟

السر هو غياب الفكرة والمبدأ، السر هو قيام سلطة مهمتها حراسة مصالح الخصوم، وتجميد كل طموح شعبي ديني أو سياسي، وإماتة أمة بواسطة هذه الحكومات التي تحكم لتميت كل شيء، فلم يعد للحاكم دور معلق به، فلم يخف عدوا ولم يفرح صديقا ولم ينصر مظلوما، ومهماته الكبرى حسب ما يكبرها خصومه، وعزته يراها قهر أمته، فهو شر على أمته وخير عميم لعداتها، شره على المسلمين مستمر وخيره لغيرهم دائم. ولهذا لما انطوت الحكومة التي كان يتوقع لها شأن وتخلت عن عملها لتكون حارسا لعدوها هانت على الجميع، ومن يهن الله فماله من مكرم.

* ما يعدكم الله:

إن الله يعدكم مغفرة منه وفضلا وعزة، ولا يعدكم هؤلاء الصليبيون والمنحرفة إلا الذل والقهر والاستعمار والتبعية، وهذا شأن عظيم رغم خصوصيته بمنطقة إلا أنه يهم بقية الدول العربية والإسلامية المشرقية وغيرها، ومن شك فعليه بقصة الفاطميين، فكرة ولدت في المشرق، ثم فرخت في الشام ثم قامت دولتها في الجزائر، ثم حكمت مصر والشام والحجاز واليمن، وغزت العراق في فتنة البساسيري الشهيرة.

وللأسف فإن المعرفة والوعي تقود غالبا للتشاؤم، والتصرف الحق هو العلم والوعي ثم فعل الخير وتجنب المزالق، وقد أظهرت هنا جانبا مما يحدث أو يتوقع حدوثه، لائما ومشيرا ومحذرا ومشفقا، ومعرفا بما يتم الآن من علاقات لا دعوة للتشاؤم، بل توعية وقراءة في توجهات دولية يدور الحديث عنها لعل في ذلك بدء يقظة. إننا بعد لم نر أهدافا لهذه الدول في قلب العالم السني بلاد العرب المسلمين ولم نر آمالا لهم ولا أعمالا لنتحدث عنها ولتكون بديلا يتعلق به الناس فيها.

ولم نر منهم إلا محاولة الإسكات، وطلب الهدوء و"أكل القوت وانتظار الموت". ولم نرد بهذا بذر الخوف ولا عدم الثقة، فمن يواجه هذا فعليه أن يكون واضحا مع الواقع كما هو، ثم الإقبال على ذاته بالوعي والعمل لدينه وفتح مجالات الحرية والمزيد من العلم والاجتهاد والعدل والمزيد من الإعداد البشري كما ونوعا، للإنسان المسلم الواعي الحر الشجاع، فلا يحمي الذمار خائف، ولا يعز من قهر قومه، أو أخافهم، أو أذلهم، لأنه يبوء بها قبلهم، ويستولي عليه خوف الجاهل من كل شيء.

وعندما يتجه الناس للخير والإعداد آنذاك نتحدث عن بناء مستقبل. ويحسن بالمسلم أن يتفاءل ويعمل فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الفأل ويكره الطيرة. ولم يكن تفاؤله صلى الله عليه وسلم باردا ولكنه يتفاءل في تنفيذ عمل معروف، وهدي قاصد محددة أهدافه، وغاياته في الدنيا والآخرة. ولم يكن التفاؤل بالمعنى الميت الذي خيم على المسلمين المتأخرين، وهو أن تتمنى الخير وتأمله ولا تعمل له. أو تتفاءل بفعل السوء أو فاعليه، بل الفأل أساس الإستراتيجية الإسلامية الصحيحة.

يسبقها ويعقبها ويصاحبها إخلاص ووعي وتفان للعمل. و هذه مسألة لا يصح أن تبقى في دائرة الصمت، فهو قرين الاستخذاء والهزيمة والعجز، والصمت قاتل العلم، وآفة للفهم. وما طال صمت قوم إلا طال ذلهم، وفقدوا حقوقهم، واستتبعتهم الأمم، نسأل الله أن يصرف عن المسلمين كل سوء، والله أعلم.

* قضايا في العلاقات بين إيران وأمريكا:

ـ في 3 تموز عام 1983ضربت البحرية الأمريكية في الخليج طائرة مدنية إيرانية وقتل فيها 290 راكبا.

ـ حادثة تفجير مبنى المارينز في بيروت وقتل أكثر من مائتين.

ـ تفجير الخبر

ـ بيع السلاح

ـ أعلن الرئيس كلينتون في 12 نيسان إبريل "إن إيران كانت عرضة للكثير من الإساءات"

ـ فاز خاتمي بالانتخابات في أيار مايو 1997 م

ـ كانت مدة حجز الرهائن 444 يوما، وقد كانت من أسباب سقوط كارتر أمام ريجن.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــت

1] محمد المنسي قنديل، استطلاع مجلة العربي عدد53 رجب 1421هـ أكتوبر 2000م، الصفحات:41، 44، 45.

2] العربي العدد السابق ص 46

3] من المناسب أن نشير هنا إلى أن بعض الأفلام التي تنتج في الدول العربية تتعمد الحط من قيم المسلم وتهاجم دين الشعب ومقدساته من خلال وصم طائفة العلماء والمثقفين الإسلاميين أو الدعاة بالإرهاب، لأنهم دعاة حرية واستقلال، وحفاظ على الكرامة والهوية، ويقوم هذا الفن الأجير بتزويق وتزيين المنافقين المشوهين نفسيا وثقافيا والتابعين سياسيا، وجعلهم المثل الذي يتبع،وهنا نلاحظ كيف يتوجه الإعلام الواعي لمشكلات شعبه وبلاده مع القوى المحتلة الطاغية. وكيف يلتف معقدون آخرون لجعل الإعلام مدمرا لدينهم ومقسما لشعبهم إلى طائفتين: بين إسلامي رافض للتبعية عزيز بدينه وكرامته وأمته فهو عدو متطرف مخيف، وبين موال متغرب مطيع فهو تابع لطيف قابل بالاحتلال لذا تصب عليه أوصاف المدح بأنه موثوق متحضر تقدمي!

4] يتنامى التشيع والشيعة في سوريا بسرعة، ولديهم وضع سياسي واقتصادي وثقافي مميز من قبل الحكومة، ونشاط إيران السياسي والثقافي قوي ظاهر في دمشق وغيرها .

5] "فورين أفيرز" أخرج هذا البحث فيما بعد على شكل كتيب صغير عن مستقبل الشرق الوسط.

6] ساهم في هذا الرخاء بعض العوامل الأخرى، مثل صناعة الكومبيوتر والاتصالات الجديدة، وتدفق الاستثمارات.

7] نشر الدكتور عبد الله النفيسي تلخيصا لهذه الرؤية في جريدة القبس الكويتية، وأثارت المقالات آنذاك جدلا على مستويات عليا في المنطقة.

8] انظر بيموج و[..]

9] لمحمد صادق الحسيني

10] كتب المستشرق الفرنسي هنري كوربان كتابا قديما مهما عن هذا التطور، في مفاهيم: الإسلام الإيراني، وقد ترجم بعض الكتاب للإنجليزية، وترجم للعربية أكثر من مرة، منها ترجمة سيئة لذوقان قرقوط، وآخر ترجمة للموسوي صدرت عن دار النهار هذا العام.

11] مايكل أ. بالمر، حراس الخليج تاريخ توسع الدور الأمريكي في الخليج 1833-1992، ترجمة نبيل زكي، ص 248.

12] هاميلتون، الأمريكيون والزيت في الشرق الأوسط، ص 11، أنظر بونداريفسكي: الغرب ضد العالم الإسلامي من الحملات الصليبية حتى أيامنا. طبعة دار التقدم، موسكو 1985ص 72.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر

سيد علي الدمنهوري

شكرا لأخينا د. محمد الأحمري،على هذه "الباروناما" أو الإطلالة التي حومت فوق الشأن الخليجي بضفتيه ،و لا شك أنها كانت مفيدة و في الصميم ، و بدوري أؤمن على دعاء أخينا د. الأحمري في الخاتمة : نسأل الله أن يصرف عن المسلمين كل سوء، والله أعلم.