آخر الأخبار

محمد ولد صلاحي في "يوميات غوانتنامو": مواجهة الرعب بالأمل

2015-2-8 | محمد ولد صلاحي في

قراءة: صحيفة "القدس العربي" (**)

في 20 نوفمبر2001 ودع محمد ولد صلاحي والدته وسافر إلى نواكشوط العاصمة الموريتانية وسلم نفسه إلى مركز الأمن للتحقيق معه.

وفي غضون أيام رحل صلاحي قسريا إلى الأردن حيث سجن هناك. وبعد سبعة أشهر من التحقيق معه، حيث جرد من ملابسه وعصبت عيناه وقيدت رجلاه، نُقل بطائرة عسكرية إلى أفغانستان التي قضى فيها أسبوعين وبعدها شحن مرة أخرى إلى معتقل غوانتنامو في أغسطس 2002 وأصبح السجين رقم 720، لتبدأ قصة عذاب عمرها الآن 13 عاما حيث لا يزال بطل القصة في زنزانة انفرادية بعيدا عن أهله وعائلته أكثر من 4.000 ميل، وكغيره من سجناء غوانتنامو لم توجه إليه تهم بالإرهاب.

ومن هنا فـ"يوميات غوانتنامو" الذي صدر مرة واحدة في عشرين دولة الشهر الماضي مهم من ناحية تميزه في أدبيات المعتقل الغوانتنامي، ومهم لأنه أول كتاب يخرج من زنزانة وكتبه صلاحي في زنزانته وباللغة الإنكليزية التي تعلمها وأتقنها هناك. ومهم أيضا لأن السارد فيه هو سجين وليس ضابط شرطة أو محاميا أو منظمة حقوقية أو لجنة في الكونغرس.

* معركة نشر الكتاب

وقصه نشر الكتاب مثيرة إثارة وقتامة قصة البطل، الذي ينقل للقارئ رحلة عذاب وهلوسة وضياع بين الحقيقة والواقع، ومعاملة سيئة وتعذيب وانتهاكات جنسية وجسدية، حيث طبق عليه نظام التعذيب المحسن، الذي أقرته القيادة العليا للإدارة الأمريكية وعلى رأسها وزير الدفاع في حينه دونالد رامسفيلد. ولأن ولد صلاحي لم يكن شاهدا صامتا على معاناته بل كان شاهدا يكتب ويستعيد قصته، فقد سجل ما جرى له في مخطوطة جاءت في 466 صفحة قبل عقد من الزمان، ولم تر النور إلا بعد كفاح طويل خاضه محاموه لينشروا المخطوطة كاملة من دون حذف، ونتيجة هذه الرحلة مزيج من الغضب الذي يعتري القارئ ولكنها رغم قتامة التجربة وسوريالية السجن الأمريكي تحتوي على قدر من الفرح والأمل.

* البدايات:

ولد صلاحي في بلدة صغيرة في موريتانيا عام 1970، وكان طالبا مجدا وبارزا في دراسته، حيث حصل على منحة لإكمال دراسته في مدينة ديوزبيرغ- ألمانيا عام 1988، وسافر إلى أفغانستان مرتين في بداية التسعينيات حيث انضم للقتال ضد الاتحاد السوفييتي وهو الجهاد الذي لقي دعما من الولايات المتحدة. بعدها عاد إلى ألمانيا حيث عاش وعمل هناك قبل أن يقرر السفر إلى مدينة مونتريال في كندا.

وهنا بدأت السلطات الأمنية تراقبه بعد أن قبض على شخص ممن يرتادون المسجد نفسه الذي كان صلاحي يصلي فيه وهو يحمل متفجرات، وكان جزءا مما عرفت بمؤامرة الألفية للقيام بهجمات في أمريكا.

قرر صلاحي عام 2000 العودة إلى بلاده، حيث ألقت السلطات الموريتانية القبض عليه في طريق العودة بناء على طلب من الأمريكيين وبعد التحقيق معه أفرج عنه.

بعد هجمات 9/11/2001 ألقي القبض عليه من جديد بناء على طلب أمريكي، حيث بدأت رحلة العذاب التي يشرك صلاحي قارئه فيها.

* وقائع موت يومي:

كتب صلاحي «يوميات غوانتنامو» باللغة الإنكليزية وهي لغته الرابعة التي أتقنها من خلال استماعه للحرس في سجنه. ومعرفة اللغة شيء، لكن الكتابة والموهبة شيء آخر، فهو كاتب موهوب وبالفطرة، ويتميز كتابه بالدفء والسخرية وحس من المرح.

ففي ظل العذاب اليومي والممارسات السادية التي جربت عليه، أجبر مثلا على شرب الماء المالح، ونقل في قارب بمحركات سريعة إلى عرض البحر وضرب وعذب، وضع الثلج في داخل ملابسه وطلب منه الاعتراف، اختلق مثل أي شخص يتعرض للتعذيب القصص والأكاذيب في محاولة منه لوضع حد لعذابه.

فقد أبلغ المحققين معه أنه خطط لتفجير برج «سي إن» بمدينة تورنتو، وعندما سئل إن كان يقول الصدق أم لا أجاب: «لا يهم فما دام كلامي يعجبكم، وإن كنتم ترغبون في الشراء فسأبيعكم الأكاذيب».

ورغم كل هذا فصلاحي ليس حكواتيا يخترع القصص بل يعبر عن حالته وحالة المئات ممن مروا في غوانتنامو وعوقبوا لسنوات بدون أدلة أو اتهامات ولا محاكمات.

فلم يكن جالسا في زنزانته يعيش خيالاته وهلوساته، بل عينه حادة في التقاط التفاصيل والدخول وفهم الطبيعة الإنسانية، فهو يكتب واصفا أحد الحرس «يبدو الرجل مرعوبا، كالغريق الذي يبحث عن قشة للتعلق بها، وأعتقد أنني كنت القشة التي وجدها وهو يغرق، وقد أمسك بها بقوة، وقال مرة لا أفهم لماذا يكرهنا الناس بعد أن ساعدنا كل شخص في العالم، وأجبت ولا أنا، فقد وجدت من العبث تنويره حول الأسباب والأهداف التاريخية التي وضعتنا هنا، ولهذا قررت تجاهل تعليقاته، وبالإضافة لهذا فقد كان من الصعب تغيير رأي رجل كبير في العمر مثله».

هذا جانب، لكن اليوميات تتميز بتقديمها وصفا لبرنامج التعذيب الذي تعرض له ولد صلاحي، فقد عاش حالة من الخوف الدائم، الحرمان من النوم، الانتهاك الجنسي، الضرب والتهديدات باغتصاب والدته، ومع ذلك فسردية الكاتب للعنف الذي تعرض له ظلت هادئة ومنضبطة فهو يقول: "لا شيء يثير الخوف أكثر من جعل شخص يتوقع ضربة مع كل نبضة ينبض بها قلبه".

* لماذا أنا هنا؟

يتساءل ولد صلاحي في كل حين عن السبب وراء اعتقاله، ولا جواب على هذا السؤال، وعندما يسأل «ما هي الاتهامات الموجهة إلي؟» فلا جواب أيضا. ويشعر بالغضب عندها ويكتب أن عليه أن «يكون كلبا، ويمشي مثل الكلب وتنبعث منه رائحة الكلب وينبح مثل الكلب بل عليه أن يتحول إلى كلب».

ويقود هذا الوضع ولد صلاحي لا إلى اختلاق الأكاذيب بل إلى حالة من الهلوسة «بدأت بالهلوسة، وسماع أصوات واضحة جدا، وسمعت أصواتا قادمة من عائلتي وهم يتحدثون عن يومهم وحياتهم العادية، سمعت صوت قارئ القرآن، وموسيقى بلدي، وبعد فترة وجيزة أخذ الحرس يستخدمون هذه الهلوسات ويقلدونها بصوت ساخر، شجعوني على ضرب الحارس والتخطيط للهرب، لكنني لم أسايرهم مع أنني لعبت لعبتهم. وقالوا لقد سمعنا أصواتا تشبه أصوات الجن، أجبت- صحيح ولكنني لم أسمعهم، فقد كنت على وشك خسارة عقلي».

ولم يخسره ففي وجه الوحشية واللا إنسانية حافظ ولد صلاحي على كرامته وعقلانتيه، وفي وجه الخوف والإحباط تمسك بالأمل، وأمام الظلم تميز بالعفو، فقد كتب في نهاية كتابه إنه لا يحمل في نفسه أي ضغينة ضد أي شخص ورد اسمه في الكتاب وكان مسؤولا عن سجنه بل وطالبهم بقراءته وتصحيح أخطاء وردت فيه، إن وردت «ويحلم يوما بالجلوس معهم حول إبريق شاي والتعلم من بعضهم البعض» بدلا من التعذيب.

* 2.500 حذف:

يجد القارئ صعوبة في قراءة الكتاب على ما فيه من صوت إنساني يبحث عن السبب الذي كان وراء اعتقاله، وما الذنب الذي ارتكبه حتى تحرمه الولايات المتحدة وسجانوها من أجمل سنوات عمره.

وهذه الصعوبة نابعة من تظليل الرقيب الأمريكي 2.500 موضع في الكتاب. وتذكرنا النقاط السوداء المظللة بأن الكاتب لا يزال في السجن. ويبدو الحذف في بعض الأحيان عشوائيا وفي مواضع أخرى كان الحذف مدعاة للغرابة، فولد صلاحي يصف مرة كيف تحركت مشاعره لدرجة كاد الدمع ينزل من عينيه عندما تحدث إليه حارس بلطف. وقام الرقيب بحذف كلمة «دموع».

ومن أجل تسهيل قراءة المذكرات قام محررها "لاري سيمز" بملء الكلمات المظللة بتقارير وشهادات لتعطي سياقا. ولم يقابل سيمز ولد صلاحي أو تحدث إليه وعندما طلب مقابلته للتأكد من أنه كان أمينا مع القصة رفضت وزارة الدفاع- البنتاغون- مستندة على ميثاق جنيف لمعاملة أسرى الحرب والذي جاء فيه «يجب حماية السجناء طوال الوقت وإبعادهم عن عيون الرأي العام»، رغم أن البند نفسه يحرم استخدام العنف والمعاملة غير الإنسانية والاستفزاز.

* لماذا لا يزال هناك؟

تؤكد «يوميات غوانتنامو» على أن المعتقلين ليسوا مجموعة من الأشخاص يرتدون الزي البرتقالي بلا وجوه أو أسماء، بل في داخل هذا المسلخ ومركز التعذيب هناك حياة إنسانية تتطلع للحرية والخروج من هذه البوتقة، ووجوه حقيقية تتساءل ماذا فعلت كي تعيش هنا؟

والسؤال هنا طرحه الكثيرون من دعاة حقوق الإنسان والحريات المدنية، لماذا لا يزال ولد صلاحي في السجن رغم أن قاضيا فدراليا أمر عام 2010 بالإفراج عنه؟ ولكن الحكومة الأمريكية استأنفت ضد القرار. ولا توجد أي إشارة عن نية الحكومة الإفراج عنه.

ويحاول صلاحي الإجابة على السؤال، حيث يقول إن الولايات المتحدة بعد «كل العمل المضني وتجميع أعداد من السجناء من غير المقاتلين (العزل) وجدت نفسها أمام مشكلة لكنها لا تريد الكشف عن كل العملية».

وفي النهاية يرى ولد صلاحي أن تجربة السجن أو الأزمة تكشف عن الأحسن والأسوأ في البشر وكذا الدول «وعليه فهل نجحت أمريكا في الامتحان الذي تعرضت له بسبب هجمات 2001 الإرهابية؟» لم ينته الامتحان بعد وهناك الكثير الذي تعلمنا تجربة غوانتنامو كبشر وقادة.

تأتي مذكرات/يوميات ولد صلاحي في ظل الجدل الذي أحدثه تقرير لجنة الاستخبارات في الكونغرس الذي كشف عن فظائع وممارسات ارتكبتها وكالة الاستخبارات الأمريكية «سي آي إيه» والسجون السوداء.

وعلى الرغم من الوعود الانتخابية للرئيس باراك أوباما بإغلاق المعتقل إلا أنه لا يزال مفتوحا، ويحاول تخفيض عدد سكانه، ويفرج عن البعض بين الفترة والأخرى. وحاليا يوجد 122 سجينا منهم ولد صلاحي الذي تبرر الحكومة الأمريكية اعتقاله بناء على قانون استخدام القوة العسكرية عام 2001 حسبما نقل عن المتحدث باسم البنتاغون.

وفي المقابل تقول محامية ولد صلاحي نانسي هولاندر إن «محمد لم توجه إليه أبدا أي تهمة. ولم توجه له الولايات المتحدة تهمة لجرم ارتكبه، ولا توجد جريمة ضده، فليست القضية أنهم لم يجدوا دليلا يدينه بل لا يوجد هناك دليل ضده، ويمكن أن أصف حالته أنه في متاهة قانونية مروعة، وهذا تراجيدي ويجب أن يعود لبلاده».

يذكر أن اتحاد الحريات المدنية الأمريكي بدأ بحملة تواقيع على الإنترنت تدعو للإفراج عن صلاحي. وقالت هينا شمسي مديرة المشروع الوطني للاتحاد «محمد صلاحي رجل بريء قامت الولايات المتحدة بتعذيبه ومعتقل بدون حق قانوني لأكثر من عقد، ولا يمثل تهديدا على الولايات المتحدة ولم يشارك بأعمال عدوانية ضدها».

وأضافت: «نطالب الحكومة بوضع حد لعذاب محمد الطويل، ونطالبها بالتوقف عن متابعة قضيته والإفراج عنه من دون تأخير. ونأمل أن ينضم إلينا كل شخص ممن حركت قصة محمد والتعذيب الذي تعرض له واعتقاله غير القانوني والمطالبة بالإفراج عنه».

** Mohamedou Ould Slahi: Guantánamo Diary

Edited by Larry Siems

Canongate Books Ltd, Edinburgh 2015

466 pages.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر