د. عزمي بشارة: لهذا تقدمت تجربة تونس وتعثرت الثورة المصرية

2015-1-2 | خدمة العصر د. عزمي بشارة: لهذا تقدمت تجربة تونس وتعثرت الثورة المصرية

المصدر: مقتبس من حديث د. عزمي بشارة، المفكر العربي البارز، في برنامج "في العمق" بتاريخ: 30/12/2014

القول بأن الثورات بدأت في تونس ودُفنت فيها كلام مُبالغ فيه جدا، فالثورات العربية أصلا لم تُدفن في أي بلد عربي، فهذه عملية تغيير مستمرة، مرتبطة بالأوضاع السياسية والاجتماعية ومدى النضج عند القوى السياسية العربية أن تحول إلى موجة ثورية أولى، وأن لا تكون ثورة لها بداية ونهاية، هي موجة فتحت الطريق نحو التغيير في العالم العربي، وهناك مخاض عسير ومؤلم ولكنها مرحلة طويلة لم تنته بعد.

وفي حالة تونس، تحديدا، لا أعتقد أن هناك فشلا على الإطلاق، على العكس من ذلك، فالوضع لم يتضح تماما ولكن ليس المهم من يحكم ولكن الأهم كيف يحكم، بمعنى هل تم الاتفاق على مبادئ النظام الديمقراطي، وإذا اتفق عليه فليفز من يفز، هذا ليس الموضوع، السؤال هل هذا الذي فاز سوف يلتزم بمبادئ النظام الديمقراطي في تونس الذي أُقر في الدستور الجديد.

والحقيقة، هنا، أن تونس استثناء، فقد نجحوا في وضع دستور ديمقراطي، إذا ما التزمت النخب السياسية والاجتماعية وعموم الجماهير التونسية معها بمبادئ الدستور الجديد، وهو من أفضل الدساتير العربية في تاريخ المنطقة، وهذا إنجاز مهم في المرحلة الانتقالية، إذا التزموا به فإننا نكون عمليا قد خطونا خطوات حقيقية على طريق الديمقراطية.

ثم من فاز في تونس لم يفز بانقلاب عسكري، فاز بانتخابات، وانتخبته أغلبية الشعب التونسي، وبالتالي هناك أغلبية ديمقراطية لهذا الحكم، الآن الشخص نفسه، السبسي، كان وزير داخلية سابق، كان مؤيدا أو معارضا للرئيس السابق بن علي، وهو بورقيبي النزعة، حول هذا يتركز النقاش، وهذا كله نعرفه، ولا أضيف شيئا جديدا في هذا.

صحيح أنه في سنوات المرحلة الانتقالية، لم تظهر القوى الثورية النضج الكافي وتنظم نفسها وتقوي حزبها الديمقراطي لتقود عملية التغيير الديمقراطي، فمن تصدى لحمل رايات شباب الثورات، الحالمين بالديمقراطية والعدالة الاجتماعية والعيش الكريم، هي الأحزاب التي كانت قائمة، وليس كلها أحزاب ديمقراطية ولم تكن في حالة توافق، ولم تتنافس على الحكم بالمسؤولية الكافية، بمعنى أنها لم تفهم أن مسؤوليتها الأولى هي انتزاع السلطة قبل التنافس، وفي غالبية السلطة انتزاعا، بلاد الثورات العربية لم تُنتزع، ولا أعني الانتزاع بالقوة، قد يحصل هذا ولكن ليس بالضرورة، قد يحصل الانتزاع عبر تشريعات حاسمة وواضحة.

والمهمة الثانية، أن يحصل التنافس بعد الاتفاق على مبادئ الدستور، استغلت قوى الدولة القائمة هذا الوضع واخترقت المشهد، فظهر الوضع كأنه فوضى، وفي بعض الحالات جهاز الدولة هو الذي أحدث الفوضى لكي يُفشل التجربة، ونعرف أن ظاهرة البلطجية في مصر، خلال الثلاث سنوات الأخيرة، أوجدت لإشاعة حالة من الفوضى واختفت فجأة عندما لزم أن تختفي.

وبهذا استُغل عدم انتزاع السلطة من قوى الفساد والاستبداد بشكل حاسم من القوى التي تصدرت الحراك، علما أن الشباب لم يكونوا منظمين ولا أقاموا حزبا ديمقراطيا هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، حصل تنافس من دون اتفاق جدي على المبادئ الديمقراطية، وعلى هذا، ظهرت القوى القديمة وكأنها هي صاحبة المشروع، على الأقل مشروع الاستقرار، وكأنها تقول تعالوا نعود إلى وضع الاستقرار، وهذا أغرى جزءا من القوى الاجتماعية والسياسية.

ولكن، يجب أن نميز، فما جرى في تونس حصل بأساليب ديمقراطية وانتخابات بموجب دستور ديمقراطي اتفق عليه، وبالتالي قد يكون فاتحة لعملية تحول ديمقراطي مستمرة تدريجيا.

وفي تونس، ما حصل كان أفضل من مصر، فالتحالف الذي كان سائدا، والذي عورض لأسباب لا علاقة لها مباشرة بأدائه بقدر ما لها علاقة بتاريخ التنافس السياسي في تونس بين القوى المختلفة، بين النهضة والآخرين، كان تحالفا بين الإسلاميين والعلمانيين تمكن من إعداد دستور ديمقراطي، هذه هي الحقيقة.

ما يجري في تونس هو عملية انتخابية وتنافس حزبي، كان بالإمكان أن يتحقق أفضل من هذا بكثير، ولكن ما لدينا الآن هو عملية انتخابية نزيهة، انتخب فيها رئيس بالأغلبية، لن يبق إلى الأبد، ستكون هناك انتخابات قادمة، وهذا هو الامتحان الرئيسي، ستكون هناك معارضة منظمة، والشعب التونسي أظهر درجة عالية من الوعي والتفاعل السياسي مع ما يجري، وبالتالي تشكلت لدينا عملية سياسية.

الآن، هل سيتم ضبط هذه العملية السياسية في إطار دستور ديمقراطي؟ في هذه الحالة، الشعب التونسي سيتعلم من تجربته تدريجيا، وسنكون أمام تجربة ربما في الأولى عربيا، كما كانت هي الشرارة الأولى في الثورات العربية... وكل شيء مرتبط بوعي القوى السياسية في تونس.

**

والقوى السياسية نقلت عقلية المعارك والصراعات الشرسة على القضايا الهامشية والجانبية والصغرى التي كانت تشهدها النقابات والاتحادات الطلابية والبرلمانات إلى المعركة حول مستقبل وطن، بعد الثورات، فلم يكن هناك انتزاع للسلطة من النظام القديم، ثانيا الاتفاق على المبادئ الدستورية قبل التنافس السياسي.

وعوضا عن ذلك دخلنا في صراعات ثأرية في التنافس على السلطة، يعني تنافسوا قبل أن يحكموا، وهذه مصيبة كبرى، وبالتالي أصبح الخصم الأساسي، أسميتها يوما ما "نحن وهم"، داخل هذه القوى السياسية الحزبية التي تصدرت بعد الثورات، وبدأوا يتحالفون مع قوى الدولة العميقة ضد القوى الحاكمة، مثلا في حالة مصر، المنتخبة ديمقراطيا، مع أخطاء هذه القوى التي حكمت ديمقراطيا في مصر في فترة الرئيس مرسي، فلم يكونوا حاسمين لا في مسألة انتزاع السلطة ولا في مبادئ الدستور الديمقراطي. ودخلوا في حلول وسط مع الجيش، اعتقادا منهم أنهم سيكسبون الجيش ضد الآخرين، يعني بدأ هناك تنافس على من يتحالف أكثر مع الدولة العميقة، وبالتالي عاد النظام القديم.

وفي تقديري أن الثورة في مصر نجحت في 11 فبراير 2011، بمعنى أنه إذا سقط الرئيس ستُفتح الأبواب للقوى الثورية، ولكن كان ثمة تردد لهذه القوى وعدم اتخاذها قرارات واضحة وعدم وجود انسجام واضح بينها وتصميم قاطع حول بناء نظام الحكم الديمقراطي، ثم التنافس على من يحكم.

وفي هذه الأثناء الجمهور أو الشعب هُمش بطريقتين، الشباب الذين قادوا الحركة الثورية أُخرجوا من الصورة، ولم يتسلموا أي مهام قيادية حقيقية في التحول الديمقراطي، والجماهير بشكل واسع التي انضمت إلى الثورة في مراحل مختلفة تعبت، واعتبرت أن ما يحدث فوضى، ولا يمكن لومها عندما تطالب بالاستقرار، وتصبح معرضة للإشاعات ولما يصدر عن الإعلام المتواطئ المملوك من رجال الأعمال المرتبطة مصالحهم بالنظام القديم، وقوى عاتية في الإقليم لديها مال وقدرات تدعم هذا.

وعلى هذا، تمكنت قوى الثورة المضادة، عمليا، من وضع حد للتحول الثوري في مصر، ولكن أعتقد أن هذه موجة أولى، إذ لا يمكن العودة إلى أساليب النظام القديم.

**

الفرق كبير بين طبيعة النظام الذي كان قائما في مصر وتونس، ففي مصر كان الجيش هو صاحب السيادة الحقيقي ولكنه لا يحكم مباشرة، مثلما كان الجيش التركي، كان في الخلف ويتدخل في اللحظات الحاسمة، وقد طُلب منه التدخل في ثورة 25 يناير فتدخل، ولكن خلال فترة قصيرة عندما اتضح له حجم المظاهرات رأى أنها فرصة مناسبة لاستعادة قوته داخل النظام في مقابل تنامي قوة الأجهزة الأمنية في العشرية الأخيرة من حكم مبارك على حساب نفوذ الجيش وتأثيره في صنع القرار السياسي، خاصة مع احتمال ظهور طبقة جديدة من رجال الأعمال، غير العسكريين، بقيادة جمال مبارك، قد تصبح هي الطرف الرئيس في نظام الحكم وليس الجيش.

وعلى هذا، استغل الجيش الثورة لكي يستعيد نفوذه، تحالف مع الثورة لفترة قصيرة، حاول بعدها، في تقديري، أن يقوم بثلاث محاولات انقلاب في مصر، ولم تنجح إلا الأخيرة في 3 يوليو 2013.

فلدينا الجيش المصري بهذه القوة والنفوذ مقابل الجيش التونسي الذي لم تكن لدية أجندة سياسية للحكم إطلاقا، ولا هو متورط في هذا النوع من الصراعات بين مكونات الحكم في مصر، فهذا الوضع غير قائم في تونس.

الأمر الثاني المهم، هو درجة نضج القوى السياسية، لدينا الاتحاد العام التونسي للشغل كتعبير حقيقي عن المجتمع المدني، موجود وقائم حتى في ظل مختلف أنماط الاستبداد، درجات مختلفة من العمل السياسي القانوني، جمعيات حقوق الإنسان في تونس نشطة وقوية حتى في فترة بن علي، وتخرج منها جيل كامل من السياسي، والأمر نفسه بالنسبة للحركة الطلابية في تونس، أما في مصر، فإن درجة النشاط والقدرة على العمل السياسي أقل، وتدخل أكثر لجهاز الأمن، مع أن هامش حرية الكلام متاح بشكل واسع في آخر عهد مبارك، ولكن مستوى التعليم ودرجة الوعي السياسي أقل، والتاريخ الكلاسيكي لحركة الإخوان في مصر مختلف عن تاريخ حركة النهضة وطريقة تعاملها مع القضايا السياسية ونوع الإصلاح الفكري والسياسي لديها.

وأخيرا، وليس آخرا، الوزن الإستراتيجي لمصر يختلف عن الوزن الإستراتيجي لتونس، وتدخل القوى الخارجية في دعم وسائل الإعلام والاستثمار في محاولة قطع طريق التحول الديمقراطي في مصر أكبر بكثير من أي مكان آخر، وكانت الخشية من أنه إذا نحج النظام الديمقراطي في مصر فلن يوقفه شيء في المنطقة.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر