واشنطن: هزيمة المقاومة السنية ضرورية، أما التنظيمات الشيعية فيمكن التوصل معها إلى حلول

2014-5-14 | واشنطن: هزيمة المقاومة السنية ضرورية، أما التنظيمات الشيعية فيمكن التوصل معها إلى حلول

واشنطن - من حسين. ع

لم تقل واشنطن يوما إنها تريد أن ترى نهاية لنظام الرئيس السوري بشار الأسد. السياسة الأميركية انقلبت من سعيها لإقناع النظام بـ"تغيير تصرفاته" إلى محاولة إقناع هذا النظام، عبر موسكو وطهران وفي جنيف، باستبدال رئيسه. واشنطن تريد بقاء نظام الأسد، حتى بعد رحيل بشار، وتعول على النظام في لعب دور بارز في مواجهة الفصائل المسلحة التي تصنفها أميركا إرهابية داخل سورية.

وتطلب إدارة الرئيس باراك أوباما من المعارضة المسلحة من غير تنظيمي «جبهة النصرة» و«الدولة الإسلامية في العراق والشام» (داعش) بمواجهة هذين التنظيمين عسكريا، من دون الالتفات إلى أن مواجهة من هذا النوع تمنح قوات الأسد تفوقا على الثوار.

وبشيء من الوقاحة تطلب واشنطن من فصائل المعارضة المسلحة، التي ترفض أن تزودها بأي أسلحة أو مساعدات «فتاكة»، أن تنخرط في الحرب ضد التنظيمات "الإرهابية" داخل سورية، وهو ما يجبر الثوار المعتدلين والدول الإقليمية الراعية لهم على التأكيد، ليل نهار، نيتهم القضاء عسكريا على التنظيمات الإرهابية، بهدف خطب ود واشنطن.

وحتى مع الإعلانات المتكررة والحرب التي يشنها الثوار على «جبهة النصرة» و«داعش»، تستمر واشنطن في تصلبها ضد تسليحهم والسماح لهم بمقارعة الأسد فعليا.

أما كيف يحارب «الجيش السوري الحر» «النصرة» و«داعش»، الأحسن تسليحا منه، من دون أن تزود واشنطن الحر بالسلاح، فأحجية لا يفهمها إلا من يشاهد مسؤولي الإدارة الأميركية وهم يتجاهلون النزاع السياسي بين رئيس حكومة العراق نوري المالكي وخصومه، وهو نزاع يؤدي إلى تقويض استقرار العراق بأكمله، ويقدمون للمالكي وقواته تدريبات عسكرية وأسلحة ويساعدونه على إعادة وصل العلاقات التي قطعها المالكي نفسه مع العشائر في المناطق العراقية السنية المشتعلة.

وكانت التقارير داخل العاصمة الأميركية قد تحدثت أن القوات الأميركية الخاصة الموجودة في الأردن تعمل على تدريب قوات عراقية خاصة حتى تقوم الأخيرة بعمليات عسكرية في غرب العراق.

الجنوب السوري، الذي كان للثوار فيه أفضلية عسكرية حتى الأمس القريب، من المتوقع أن يشتعل كذلك، بإيعاز من أميركا وبعض حلفائها في المنطقة، وأن ينقض الثوار بعضهم على بعض، مما سيمنح الأسد الوقت الكافي لإنهاء الثوار في ضواحي دمشق والتوجه جنوبا لإنهائهم هناك.

على أن التناقض الأكبر في سياسة واشنطن في سورية، والعراق، فيكمن في أن إدارة الرئيس أوباما لطالما تحدثت عن استحالة الحلول العسكرية في المنطقة، وضرورة أن يرتبط أي مجهود عسكري بمجهود سياسي مرافق.

وغالبا ما يردد المسؤولون الأميركيون أن تثبيت الوضع في العراق قبل الانسحاب الأميركي منه لم يكن ممكنا من دون الحلول السياسية التي توصل إليها العراقيون أثناء الانسحاب.

لكن في قضاء الأسد والمالكي على معارضيهم المسلحين، من متطرفين ومعتدلين، تغيب الحلول السياسية بالكامل. المالكي نفسه كان أول من نقض اتفاق أربيل الذي أعطاه ولاية حكومية ثانية، والذي تم بعناية ورعاية مستشار نائب الرئيس جو بيدن حينذاك ونائب مستشارة الأمن القومي اليوم انتوني بلينكن.

طبعا لم يحافظ المالكي على وعوده، ولم يجبره الأميركيون، الذين ضمنوا الاتفاق، الالتزام بتلك الوعود، وهو ما أدى إلى توتر في العلاقات بين المالكي وكل من الكرد والسنة وبعض الأطراف الشيعية حتى من شركائه.

وكما في العراق، كذلك في سورية، لا يأبه المسؤولون الأميركيون إلا لهزيمة الثوار السوريين من غير المعتدلين. الثوار المعتدلون تسهل هزيمتهم، فهؤلاء ممنوع عليهم الأسلحة، بحظر أميركي. أما الثوار من غير المعتدلين، فلا بأس في أن اشترك المعتدلون وقوات الأسد وحتى «حزب الله» اللبناني، والذي تتناسى واشنطن أنها تصنفه تنظيما إرهابيا، في إلحاق الهزيمة بهم.

هكذا، تعتقد واشنطن أن هزيمة الكتائب السنية المسلحة عملية ضرورية وواجبة، أما الفصائل الشيعية، مثل «حزب الله» و«عصائب أهل الحق» وحتى الأسد، فممكن التوصل إلى حلول معها بالحوار مع إيران، وهذا بيت القصيدة، وهو ما يعكس نظرية أوباما في مقابلته الشهيرة مع «بلومبرغ نيوز»، والتي قال فيها إن إيران تعرف ما تريده ويمكن التعامل معها والحوار معها، أما الأطراف "الشرق أوسطية" الأخرى، من بينها حلفاء أميركا، فتريد أن ترى أميركا في حالة حرب –وإن كلامية فقط– مع إيران، من دون أن يكون لدى هؤلاء الحلفاء خطط إقليمية واضحة.

هذه هي سياسة أوباما في سورية والعراق ولبنان والمنطقة عموما، وهي تقضي بالتقارب مع إيران وفي الوقت نفسه القضاء على التنظيمات غير التابعة لنظام طهران.

من يفهم هذه السياسة يفهم لماذا استبقت واشنطن وصول وفد المعارضة السورية برئاسة أحمد الجربا إلى العاصمة الأميركية بإعلان تقديم مساعدات «غير فتاكة» بمبلغ 27 مليون دولار، ولماذا حرصت واشنطن على منح الائتلاف «صفة دبلوماسية».

وعلى الرغم من أن هذه الصفة لا تعني الكثير، إلا أن الإدارة الأميركية لا تفوت مناسبة من دون أن تكرر أن صداقتها بالمعارضة السورية سياسية ودبلوماسية فقط، وإن اتجاه البنادق في سورية يكون ضد فصائل الثوار فقط. أما رحيل الأسد، فمن دون بنادق، بل باستجداء طهران وموسكو، ومع التأكيد على بقاء نظامه في حال رحيله.

هكذا، وجه السفير الأميركي السابق في سورية روبرت فورد في الماضي أصابع الاتهام في المأساة السورية إلى غياب الوحدة لدى المعارضين السوريين، وعدم تواصلهم مع الأقليات، ولم يتطرق كثيرا إلى إطاحة الأسد بتجاهل مبادرتي بان كي مون والأخضر الإبراهيمي، وعدم اكتراثه لقرارين صادرين عن مجلس الأمن بإحجامه عن تسليم 8 في المائة من ترسانته الكيماوية وعدم إقفاله معامل إنتاجها، وبعدم سماحه دخول المساعدات الإنسانية.

أما الجربا وصحبه، فهم بدوا في أحسن أحوالهم، وقدموا خطابات ومواقف موزونة، ولكن تصوراتهم هذه خارج الاهتمام الأميركي، ما جعل استقبال واشنطن لهم من باب رفع العتب.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر