آخر الأخبار

البريدي: اللغة لا تحفظها الكتب المقدسة وإنما فاعلية المجتمع

2013-9-20 | البريدي: اللغة لا تحفظها الكتب المقدسة وإنما فاعلية المجتمع

جدة - مباركة الزبيدي (صحيفة الحياة)

أكد الدكتور عبدالله البريدي استحالة حدوث أي تنمية حقيقية في عالمنا العربي من دون حل المشكل اللغوي الثقافي. وقال في حوار مع «الحياة» إن اللغات لا تحفظ بمجرد وجود كتاب ديني مقدس يؤمن به المجتمع، وإنما تُحفظ بفاعلية المجتمع المتكلِم بها، بما في ذلك منسوب «الأنفة اللغوية»، مشيراً إلى أن ما سيحفظه القرآن الكريم لنا هو فقط جزء من اللغة العربية يكفي لفهم القرآن والتعبد لله بموجبه، وهذا هو مقتضى الوعد الإلهي في الآية الكريمة الشهيرة، ومعنى ذلك أننا إزاء جزء كبير من اللغة يحتاج إلى جهود بشرية مجتمعية كي يحفظ وينمّى.

وأوضح البريدي، الذي أصدر كتاباً صغيراً في حجمه كبيراً في مضمونه وعنوانه: «اللغة هوية ناطقة: منظور جديد يمزج اللغة بالهوية والحياة» عن «المجلة العربية»، إن الخطر يحدق باللغة العربية، وهو حقيقي ومشاهَد، موضحاً أن الخطر عليها خارجي وداخلي، ولكن الداخلي هو الأكبر. إلى نص الحوار:

* تلمح في كتابك الصغير «اللغة هوية ناطقة: منظور جديد يمزج اللغة بالهوية والحياة» إلى صعوبة حدوث تنمية عربية قبل حل المشكل اللغوي الثقافي، هل لهذه الدرجة يمثل هذا المشكل أهمية قصوى في التنمية العربية؟

** بل إنني أقول باستحالة حدوث أي تنمية حقيقية في عالمنا العربي من دون حل المشكل اللغوي الثقافي.

ويمكن الإجابة على هذا الأمر بمجلد كبير ومن جوانب عدة، غير أنني أقول في شكل مضغوط:

مثل تلك التنمية تستلزم أن يتلبس مجتمعنا العربي الإبداع بصوره وأشكاله كافة وفي كل الميادين، وبات من المسلم به في علوم التنمية أنه يتعذر على أي مجتمع أن يبدع خارج نطاق «قاموسه اللغوي»، لأن الإبداع يتطلب قدرة هائلة على الفهم المعمق للأشياء والمشكلات والحاجات والأسباب والعلل والآثار، بجانب مهارة ذهنية فائقة في تشغيل منظومة متكاملة متعاضدة من الكلمات والمفاهيم والمعاني للخلوص إلى بدائل عدة ومن زوايا متنوعة، تمكّن الإنسان في نهاية «المطاف التفكيري» من الانفلات من «الحلول المقولبة السائدة» ليصل إلى كسر الصندوق والتنفس في فضاءات الأفكار الخلاقة الجديدة.

ولتقريب الفكرة السابقة، لنفترض أننا أعطيناك «حالاً عملية» باللغة الإنكليزية، وهذه الحال تتضمن مشكلة وتتطلب حلاً إبداعياً، وطُلب منك تحليلها وتوليد «حلول إبداعية».

في هذا الوضع، عقلك سيصرف «وقوداً ذهنياً» لتفتيت «التعقيد اللغوي» نظراً لاستعمال لغة أجنبية، وقطعاً سيكون المتبقي من الوقود الذهني لديك غير كافٍ لإيصالك إلى «محطة الحلول الإبداعية»، بخلاف لو كان تفكيرك يتم ضمن «قاموسك اللغوي»، إذ نجد أن العقل سيصرف الوقود الذهني لتفتيت التعقيد المحيط بالمشكلة ذاتها، وسيكون العقل قادراً إذ ذاك على غرس «شجرة مفاهمية» (كلمات ذات ارتباط بالمشكلة)، ويُحتمل أن تقودك بعض الكلمات التي تتخلق في ذهنك إلى «حل إبداعي». وهذا يطول التفصيل فيه، وأرجو أن يكون واضحاً، ويدخل في مبحث «اللغة والتفكير».

* لماذا دائماً الخوف على اللغة العربية، مع أن هناك من يرى هذا التعدد اللغوي واللهجي انعكاساً للحظة عولمية لا بد منها، إضافة إلى ما يمدنا به الجانب الديني، إذ إن اللغة العربية محفوظة بوجود القرآن الكريم؟

** هراء أن نقول بأن القرآن الكريم سيحفظُ في شكل آلي اللغة العربية، فاللغات لا تحفظ بمجرد وجود كتاب ديني مقدس يؤمن به المجتمع، وإنما تُحفظ بفاعلية المجتمع المتكلم بها، بما في ذلك منسوب «الأنفة اللغوية». ما سيحفظه القرآن الكريم لنا هو فقط جزء من اللغة العربية يكفي لفهم القرآن والتعبد لله بموجبه، وهذا هو مقتضى الوعد الإلهي في الآية الكريمة الشهيرة، ومعنى ذلك أننا إزاء جزء كبير من اللغة يحتاج إلى جهود بشرية مجتمعية كي يحفظ وينمّى. أي أن محيط اللغة العربية أوسع من المحيط اللغوي للقرآن.

وزاوية أخرى لا بد من تجليتها في هذا السياق وهي أننا نحافظ على لغتنا ليس للعامل الديني فقط على أهميته الكبيرة، وإنما لأننا نروم الحفاظ أيضاً على هويتنا الموحِّدة وذاكرتنا الجمعية وذوقنا الخاص، وهذا ما تفعله المجتمعات الحية التي تحافظ على لغاتها القومية من دون أن يكون لديها كتب دينية. فأنا مثلاً يعنيني كثيراً أن أصون العربية وأنمي ذخيرتي اللغوية كي أكون قادراً على الاستيعاب والاستمتاع بقول كثيّر لعزة:

كأنّي وإيّاها سحابة ُ ممحلٍ / رَجَاها فَلَمّا جَاوَزَتْهُ استَهَلَّتِ!

ولذا فإنني آمل من الخطاب الديني الكف عن الاستمرار في بث خرافة الحفظ الآلي للغة العربية، لأن ذلك من شأنه تخدير الناس وعدم بذلهم لجهود كافية للحفاظ على العربية الفصيحة، مع ضعف بيّن في هذا الخطاب تجاه تعضيد العربية في مواجهة التحديات والتهديدات المتزايدة.

بل إننا نجد بعض المشايخ في القنوات يتبجحون بذكر كلمات أجنبية دونما أدنى حاجة، ربما ليقال بأنهم يعرفون لغة أجنبية أو بأنهم منفتحون، مع تلبس بعضهم بالتشدد الديني أصلاً، وهنا مفارقة عجيبة!

* تلجأ في هذا الكتاب إلى أسلوب متنوع يجمع بين مناهج عدة، هل نستطيع أن نقول أنك عثرت على شخصيتك في هذا الأسلوب؟

** التنوع في استخدام مناهج بحث عدة هو جزء من عقيدتي المنهجية في العلوم الاجتماعية والإنسانية، وينبع ذلك من الوعي التام بنقائص كل منهج، ومن ثم الحاجة إلى تعضيد المناهج بعضها ببعض، وهو ما يعرف بـ«الأساليب المهجّنة» أو «المختلطة».

* يبدو لنا من كتابك أن اللغة العربية ليست مجرد كلمات ولغة نتداولها، إنها أعمق من ذلك، وإلا لما اشتبكت بالهوية، ولكن ألا ترى أن هذه المسائل المفاهيمية، كثيراً ما تغيب عن العرب، أو على الأقل غالبيتهم، بخلاف نخبة محدودة من المهتمين؟

** مؤكد بأن اللغة ليست كلمات وليست مجرد أداة تواصل فيما بيننا، إذاً لهان الأمر، فهي في الأصل المادة التأسيسية للهوية، ولذلك عرّفت اللغة في الكتاب بأنها: «هوية ناطقة».

ومسألة ارتباط اللغة بالهوية غائبة أو مسطحة لدى الكثيرين في عالمنا العربي، ولهذا فإننا نحتاج إلى «نضال لغوي» طويل النفس لأجل ترسيخ هذه الفكرة لدى جميع الفئات، على نحو يصنع منهم «مناضلين لغويين» أو على الأقل يسلخ منهم الأرواح الجائرة على هويتهم الناطقة، وما أكثر جورهم!

* هل فعلاً الخطر على اللغة العربية -إذا سلمنا بوقوعه- لن يأتي من الخارج، إنما من الداخل؟

** الخطر محدق وهو حقيقي ومشاهَد، وقد أقمت على ذلك أدلة عدة في الكتاب، والخطر على اللغة العربية: خارجي وداخلي، ولكن الداخلي هو الأكبر، تماماً كما نقول عن خطر إعلانات الشوكولاتة على تسوس أسناننا، فما يسوس الأسنان في واقع الأمر ليس الإعلانات بقدر ما هو ضعف إرادتنا أمام إغراء المذاق والتزين بجلب «الحلا» في مناسباتنا الاجتماعية، مع التكاسل عن «تفريش الأسنان» وزيارة طبيب الأسنان في شكل دوري، والنتيجة الحتمية تسوّسها وربما تساقطها الواحد تلو الآخر في مشهد يجلب لنا قدراً من القبح الذي يحرمنا من ابتسامة عريضة، وقد نضطر لدفع مبالغ طائلة لإصلاحها أو ترميمها أو تلبيسها وربما لـ«تركيب طقم صناعي».. أليس كذلك؟

* اللغة العربية أيضاً تحولت إلى مناسبات للتندر والسخرية في بعض الأعمال الفنية والدرامية، إلى ماذا يحيل ذلك بالنسبة لك؟

** يحيل إلى نوع آخر من «الخيانة اللغوية»، إنها خيانة الفن المبتذل. ولئن كانت تشريعاتنا تخلو من عقوبات رادعة لمثل هذا المسلك المشين، فإنني أرى ضرورة إصدار عقوبات مجتمعية على هذا اللون من الفن الرخيص التافه عبر المقاطعة الجماهيرية وتعرية المتورطين به، فاللغة القومية الدينية الحضارية شيء مقدس ولا يسوغ للصغار أن يعبثوا به.

* من خلال ما تقرأه وتتابعه في الأدب السعودي في شكل عام، ما الانتهاكات التي يمكن العثور عليها، وهل يمكن ذكر نماذج بعينها؟

** لست متخصصاً في الأدب. ولكن بنظرة وإجابة عامة أقول إن الأدب السعودي بالجملة غير متورط بانتهاكات لغوية صارخة، فهو مثلاً غير حامل لجرثومة «تلهيج الأدب»، أي استخدام العامية بوصفها اللغة الرئيسة له، كما تبنته بعض الأقلام في بعض الأدبيات العربية في عقود مضت، فالعربية الفصيحة هي المستخدمة في أغلبية الأعمال الروائية والقصصية والمسرحية والشعرية، فضلاً عن المقالية، مع وجود الشعر الشعبي باعتباره جزءاً أصيلاً من الفعل الثقافي والذاكرة الجمعية، ولكن ضمن نطاقه ومرتبته الطبيعية التي لا يسوغ أن يتجاوزها بأي حال من الأحوال.

ومع ذلك أشير إلى ظهور موجة انتهاكات أدبية يمارسها بعض الشباب على وجه التحديد في الإعلام الجديد، إذ يتعاطون العامية في بعض الأعمال السردية، وهذا توجه غير حميد، ويفترض أن يخضع لدراسات بحثية متخصصة معمقة.

* كتابك على رغم صغره ضمّ مراجع هائلة، وبدا أنه أخذ منك جهداً كبيراً، أليس كذلك؟

** الإدعاء بالجهد البحثي لا يعني شيئاً للقارئ فهو الأقدر على تحديد ذلك، والنتيجة تعلُق على جدران المكتبة العربية فشلاً أو نجاحاً، فمن الكتب ما يبقى عقوداً متطاولة، ومنها ما يكون كسعفة النخيل حين تحرقها نار صغيرة!


تم غلق التعليقات على هذا الخبر

الـتـرهـونـي

حقيقة أقدر عاليا تمسك و إعتزار الصينيين و اليابانيين و الكوريين بلغلتهم و هويتهم،فلا نجد إلا لماما مزاحمة لغات أجنبية في شوراعهم و حياتهم العامة.و عكس هذا يحدث في العالم العربي و الإسلامي نتيجة لموجة الإستعمار و التغريب العاتية بعد الإنحسار الحضاري للمد الإسلامي في شبه الجزيرة الإيبيرية غربا بسقوط غرناطة و نظيره العثماني شرقا أمام أبواب مدينة فيينا بالنمسا و بودابيست بالمجر وسط أوروبا. أظن أن ما أثاره الكاتب الكريم من إشكاليات اللغة العربية في هذا القرن 15 الهجري بالبلدان العربية،مرده إلى خواء تشريعي و قانوني و تنظيمي و هو من مسؤوليات الحكومات،في دولة مثل فرنسا توجد أكاديمية اللغة الفرنسية و تم تأسيسها منذ سنة 1635 وهي من أقدم المؤسسات في فرنسا و من مهماتها الحفاظ على اللغة الفرنيسة و تطويرها،و لها حصريا و قانونيا إصدار مصطلحات جديدة رسميا و تعديل قواعد النحو و التراكيب اللغوية و إصدار المعاجم المرجعية إلخ...و تلتزم الدوائر الإدارية للدولة بتطبيق ما يصدر عنها قانونيا. عندنا،و مع وجود "مجامع اللغة العربية" وهي بدون إختصاصات قانونية ،و رغم أن أغلب الدول تنص في دساتيرها على "رسمية" اللغة العربية،و لكن تطبيق هذا النص الدستوري تنظيميا و تفعيله قانونيا غائب و هو آخر مشاغلها ،و مثال بسيط عن ذلك أن مراكز الإعلانات و الإشهار العامة و الخاصة تصب يوميا "رسائلها" نحو الجمهور نطقا و كتابة بلغة دارجة هجينة و خالية من الذوق..