"مخاطر القراءة"

2013-6-30 |

بقلم: يوسف عبدالجليل ـ القاهرة

كانت القراءة -ومازالت- معينًا يروي ظمأ الباحثين عن المعرفة أو الحقيقة أو اللذة، واكتسبت بذلك فضيلة توالت الحضارات والأمم في تأكيدها والحديث عنها بأشكال مختلفة، وصور متباينة.

فالقراءة إذن -بلا شك- فضيلة أممية، وهذا ما أغرى الكثيرين باعتبارها فضيلة مطلقة!

ولعل الدهشة تعلو وجه كل من يسمع الحديث -ولو مزحًا- عن مخاطر القراءة، إذ إننا في أدبياتنا عن القراءة ارتضينا الحديث عن فضائلها وأهميتها ودورها، واعتدنا حشد النصوص في ذلك بدءًا من النصوص المقدسة وانتهاءً بأقوال ومقتبسات للكتاب والمثقفين والأدباء حول فعل القراءة.

ثم تحولت القراءة بفضل الخطاب التحفيزي والتنموي إلى غاية أكثر من كونها وسيلة، فازداد الحديث في أدبيات القراءة عن القراءة السريعة ووسائلها وطرقها، وأقيمت لذلك آلاف الدورات، فقط للحديث عن "كيف تقرأ أسرع ؛ لتنجز أكثر؟"، وغاب -أو ندر- الحديث عن تفكيك القراءة، فلم نرد دورة واحدة للحديث عن "الكيف" دون "الكم"!

في الواقع هذا ليس حديثًا موجهًا إلى محبي القراءة أو كارهيها، ولكنها فقط خواطر وتأملات حول بعض الأنماط السائدة، التي نمارس كثيرًا منها -نحن معشر القراء- سواء المخضرم فينا أو المبتدئ.

فلنتجاوز إذن الكاتب والنص، ولنتأمل قليلاً القارئ وفعل القراءة.

ربما أكثر المخاطر انتشارًا بين القراء ما يعرف بـ"التوحد" مع الكاتب، ودعوني أقول ابتداء: إن الكاتب إنما يستجمع الأفكار ويبذل كل ما يستطيع من محاولات لإقناع القارئ بما لديه، ويأخذ هذا الإقناع لدى القارئ صورًا شتّى، بدءًا من الشعور باللذة وانتهاء بالتوحد.

ورغم أن البعض -كسيوران مثلاً- يرى أن الكتب الوحيدة التي تستحق أن تكتب هي تلك الكتب التي يؤلفها أصحابها دون أن يفكروا في القراء، ودون أن يفكروا في أي جدوى أو مردود، ويؤكد أن مأساة الكُتَّاب تتمثل في كونهم يملكون جمهورًا ويكتبون لهذا الجمهور، وهذا لا يمكن أن يؤدي إلا إلى عواقب وخيمة.

لكنني أرى أن تعدد الخطاب لنفس الكاتب في أكثر من نص له -وأحيانًا في النص الواحد- دليل على أن في وعيه استهدافًا لشريحة ما من القراء، يدرك جيدًا أنه يستطيع -بما أعد سلفًا- محاولة إقناعها، أو إشعارها بالمتعة أو اللذة.

وللتوحد مع الكاتب صور مختلفة، فبعض القراء يخرج بعد قراءته للكتاب صورة مصغرة للكاتب ونصه، أقل بهاء، ربما باهتة، وربما مشوهة، يحدث هذا غالبًا بدافع الانبهار بالكاتب أو النص أو بعض الأفكار الجديدة، وقد تكون هذه الأفكار الجديدة مبدؤها الكاتب -أيًّا كانت مرجعيتها- فيُقال حينئذ: إن من أول من أفرد وبسط الحديث فيها بجدة وابتكار فلان من الكتاب، وقد تكون الأفكار مستهلكة، لكنها جديدة بالنسبة إلى القارئ الذي لم يطلع قبل على مثلها، فيحدث له انبهار ما، ومن ثَمَّ توحد إلى أجل غير معلوم.

صورة أخرى من صور التوحد مع الكاتب أو النص، وهي استصحاب القارئ عددًا من المصطلحات الجديدة الخاصة بذلك الكاتب، أو المصطلحات المعرفية المشهورة على ألسنة المثقفين، تارة لجدتها وقوة دلالتها، وتارة لعجز القارئ عن التعبير عن أفكاره بمصطلحات موازية تكثف فكرة أو مفهومًا في كلمة أو كلمتين، وتارة للولع بكل ما هو غريب وملفت، وتارة لفخر غير معلن واستعلاء خفي بأنه قرأ لمفكر صاحب شأن كبير عند أهل الفكر والمعرفة، وفي ذلك الشعور لذة خفية يعرفها معشر القراء.

وصورة لطيفة وأخيرة من صور التوحد تختص بالأعمال الروائية والقصصية، حيث تقنع القراءة القارئ بأنه نفسه أحد هذه الشخوص المتحركة أمامه في الرواية، ورغم تباين شخوص الروايات فيما بينها تباينًا عجيبًا ومتناقضًا، إلا أن القارئ نفسه هو هو يمكن أن يكون -وفي سنة واحدة-: راسكولنيكوف وجان فالجان وهيثكليف وزوربا والقنصل وهيبا!

تخدع القراءة بعض القراء فتوهمه أنها ستمنحه -وحدها- إجابات وحلولاً لمشكلات كبرى، وربما إشكاليات أرهقت الفلاسفة قرونًا عدة، فالقارئ المخدوع يقرأ كتابًا أو كتابين في موضوع ما، وتغريه القراءة -كعادتها- بالحديث المبكر عنه بجرأة عجيبة ربما لا يقدر عليها المؤلف نفسه، وحينئذ لا يعتقد -كما هو متوقع ومنتظر- أنه عرف طرفًا من فروع هذا الموضوع وعددًا من إشكالياته، بل يعتقد -كما نرى من كثير من القراء- أنه بدأ في امتلاك إجابات وحلول لإشكاليات هذا الموضوع، وهي في الحقيقة -غالبًا- لا تتعدى رؤية الكاتب والمؤلف حول هذه الإشكاليات، ورحم الله امرءًا عرف قدر علمه!

ومن اللطيف أن بعض القراء يهوى كثيرًا تلك الكتب التي تتحدث عما يريد الحديث عنه، أي عن قناعاته المسبقة وتصوراته وآرائه حول شيء ما، ويعد الكتاب الجيد هو ذاك الكتاب الذي يقدم هذه القناعات والآراء والتصورات ويدافع عنها، والسؤال: هل يمكن أن تقدم القراءة للقارئ في هذه الحالة شيئًا أكثر من إراحته عناء الكتابة عن آرائه والدفاع عنها؟

لا شك في أن المعايير العلمية والموضوعية للحكم على جودة كتاب ما تختلف كثيرًا عن هذه الانطباعات الذاتية.

إذن فالقراءة تمثل عند بعض القراء وسيلة مغرية أو سلاحًا معرفيًّا للدفاع عما يملك، وهكذا تخدعهم ليتحول فعل القراءة لدى هؤلاء من كونه طريقًا لمعرفة ما هو جديد، واختبار قديم ما يملكون من أفكار بعقد الموازنات والمقارنات بين الجديد والقديم، إلى كونه طريقًا فقط لتأكيد أفكارهم ومعتقداتهم فحسب، مما يولد حاجزًا نفسيًّا لدى القارئ، أو حالة من الخوف تجاه بعض الكتَّاب أو الكتب أو الفنون التي لم يعتد الاطلاع عليها، أو من كل ما يخشى منه أن يزلزل أو يهز شيئًا من قناعاته وأفكاره، لتنتج إثر ذلك تلك الأحكام التبريرية، والتي تحوي تعميمات فاضحة حول عالم أو مفكر أو أديب، والأدهى من ذلك كله حول علم أو فن بعينه.

في الحقيقة نحن مضطرون لأن نقرأ ما نحب وما لا نحب، لمن نحب ولمن لا نحب، ومن أغرته القراءة فيما يحب ولمن يحب، بأن يدع قراءة ما لا يحب ولمن لا يحب، فليرتض بالسير على ساق واحدة!

 ومن المفارقات أن القراءة تصيب بعض القراء باستعلاء ما، لاسيما إذا كانت قراءته فيما لا يقرأ فيه عامة القراء غالبًا، فهو في هذه الحالة يعرف ويفهم الكثير مما لا يعرفه ويفهمه غيره من القراء، رغم إن القراءة وسعة الاطلاع في أكثر من فن من شأنها أن تشعر القارئ بتواضع شديد ؛ احترامًا لما عنده من علم ومعرفة!

ويستمر استعلاء هؤلاء القراء، ليس فقط على أقرانهم، وإنما يتعدى إلى كثير من الكتاب والمؤلفين ممن يختلف مع أطروحاتهم، وبسهولة شديدة يستغل الواحد منهم سلطته المعرفية والمستعلية -سواء بعلم أو من دون علم- فنراه يصدر أحكامًا عجيبة، وتعميمات هزلية مستفزة على بعض الكتب، وأحيانًا على بعض المفكرين الكبار دون حسيب أو رقيب، وكم هو سهل عند أحدهم أن يقول: هذا كتاب لا فائدة منه، ولا أنصح بقراءته!

وللاستعلاء صورة أخرى خفية، تراها حينما يصمت القارئ، ويكتفي بالنظر إلى بعض الأعمال المشهورة لكبار المفكرين والأدباء دون أن يبدي اهتمامًا -ولو قليلاً- بمعرفة القليل عنها، ولسان حاله يقول حينئذ -تصريحًا أو تلميحًا-: لا حاجة لي به، عندي ما فيه الكفاية! فإذا اعْتُرض عليه بأن هذا العمل جدير بأن يُقرأ أو على الأقل يُقرأ عنه، التمس أحكامًا نقدية لبعض من قرءوا الكتاب ولم يعجبوا به، وهذا ربما أحد السوءات الخفية لموقع "جودريدز"، وهي التأثر مسبقًا -أي قبل القراءة- بأحكام تعميمية أو آراء انطباعية للبعض حول الكتاب!

ختامًا... أعترف بأن بعض ما ذكرت ليس أكثر من وصف لأنماط بعض القراء مع فعل القراءة، وأن اعتبار كل ما ذكرت مخاطر للقراءة بشكل مباشر ضرب من ضروب المجاز، فليس المقصود التنقص من فعل القراءة، وإنما هي محاولة للتفكير بشأن بعض الممارسات السائدة التي نفعلها ربما دون تأمل، وقريب من هذا المفهوم قول نيتشه:

 "إنني أبغض كل قارئ كسول؛ لأن من يقرأ لا يخدم القراءة بشيء، وإذا مر قرن على طغمة القارئين فلابد من أن تتصاعد روائح النتن من التفكير، وإذا أعطي لكل إنسان الحق في أن يتعلم القراءة، فلن تفسد الكتابة مع مرور الزمان فحسب، بل إن الفكر نفسه سيفسد أيضًا!".


تم غلق التعليقات على هذا الخبر