العم نجيب (1)

2013-6-19 | العم نجيب (1)

بقلم: محمد عبدالعزيز ـ الدوحة

* بداية:

بالأمس سهرت مع روايته "حضرة المحترم"، تصف الرواية حالة من التوحد بين الوظيفة العريقة، وبين حلم الإنسان الذي يضيع بين أروقة ممرات المؤسسات الحكومية، فكم تقتل تلك المؤسسات حياة الإنسان بما تكسبه من رتابة!

 لا أشعر بفوات الكثير مما فاتني من جلسات محفوظ في مقهى ريش. مؤخرا مررت على مقهى ريش، أصبح مكانًا لصناعة نماذج مكررة من المثقفين، ومن ثقافة معلبة تقوم على الكيتش الثقافي، بالاهتمام بالمظهر أكثر من الاهتمام بجوهر الثقافة ذاتها، تحول مقهى المثقفين إلى مكان سياحي أو مزار، صور لشعراء وكتب على الطاولة، وبعض زجاجات البيرة كنوع من الحرية داخل ذلك الحيز...

لم أشعر أن جلساته التي كان يجلس فيها مع الشباب وقرأت عنها كثيرًا ستفوت علي الكثير؛ فقد اشتهرت عنه هذه المجاملة في الثناء على بعض المواهب الضعيفة. لم أحب أن ألتقي بنجيب خارج روايته، ولم أكن لأتفاجأ وأنا أقرأ تعليقات المسيري وجلال أمين عن شخصية نجيب محفوظ.

كان حديث المسيري عن كون نجيب لا يتصور صورة للتقدم والخروج من الكبوة الحضارية إلا بالمنتجات المادية، دون حديث عن هوية المجتمع، حتى أطلق على هذا التقدم: تقدم الميه والنور.

لحظات التعرف على نجيب محفوظ تأخرت كثيرًا، كان الهم في البداية هو الحصول على رواياته في طبعات رديئة من باعة الكتب القديمة، لا أتذكر أول رواية قرأتها لمحفوظ، كانت رواية الطريق رواية أجد فيها سلوى؛ لكونها صغيرة وتخرجني من جو الامتحانات الممل، كنت أتعب فيها من الرمز وسؤال ماذا يقصد؟ لم أكن تعودت ساعتها الغرق في عالم الحكي الجميل، ثم كانت رواية الحرافيش، والتي كانت بوابة رائعة للانبهار بلغة الرجل، وقدرته على نسج القصص، حكي ممتاز يتقن حرفته.

الرائع في نجيب هو قدرته على حكي الأمور العادية بطريقة ساحرة، يحول من الحارة ملحمة، فيصبح العالم بمشاكله وقضاياه صورة مصغرة عن طريق حكايات حارتنا والفتوات، يصنع نجيب في روايته الحرافيش عددًا من الشخصيات ذات طابع مميز ولا يتكرر، كل شخصية قادرة على التميز والانفراد.

* الزمن:

"لقد اختفى عاشور الناجي، لكن الزمن لن يتوقف وما ينبغي له". (الحرافيش).

في حوار إذاعي تسأل المذيعة نجيب محفوظ عن روايته الجديدة، فيعتذر عن ذكر التفاصيل ويكتفى بالحديث أن محور الرواية هو "الزمن". كم أشعر أن هذه الكلمة هي المفتاح لروايات نجيب محفوظ!

إن محفوظ الذي يكتب الثلاثية والحرافيش والشحاذ يلاحق فصول الحكاية ويناقش الزمن، أشعر أن الزمن ذلك العامل الذي لا نراه ولا نتعرف عليه شيء غائب عنا لكنه يؤثر فينا، هو الثيمة الأساسية لكثير من روايات نجيب محفوظ، فالزمن يمثل صورة أصيلة تقوم بتوجيه العديد من رواياته.

في روايته حضرة المحترم يأخذ محفوظ في تتبع موظف حكومي قادم من تلك الطبقات الفقيرة الكادحة، والتي ترى في الوظيفة الحكومية بوابة لتغطية الأصول الفقيرة التي خرجت منها.

في تتابع الحكي، يلتقط محفوظ بذلك الخط الذي يصنعه الزمن في أبطاله، كيف يتخلى عن حبيبته من أجل ما أطلق عليه "اللحظات المقدسة للوصول إلى فردوسه الأرضي"، والذي ينحصر في مكتب مدير الإدارة، بداية ظهور الشيب في الشعر، اللحظة التي قابل فيها حبيبته الأولى ووجد جمالها قد طار عنها، وأخذ في التفكير في هذه المرأة البدينة التي أصبحت أمًّا.

في الحرافيش يتابع محفوظ فتوات الحارة، ثم يلتقط صورتهم وهم في أراذل العمر، مهزومين يحملون خيبة الضعف، أو يفكرون بالتوبة بعد هذه الحياة المديدة من الزيغ.

سؤال الزمن قد يكون مفتاحًا لبحث نجيب عن أرواح أبطاله الهائمة في بحر الحياة، وأظنه لم يعثر على إجابات، فهو -الدارس للفلسفة- لم يكن لينقل الحكايات إلا ليحولها إلى أسئلة، وبرغم القول بأن "الحكاية علامة شفاء الراوي"، إلا أنني أعتقد أن حكي محفوظ هو محاولة البحث عن هذا الشاطئ الذى يمكن للإنسان أن يرسو فيه، وهو ما عبر عنه في رواية الشحاذ من خلال تلك التجربة التي مر بها بطله في البحث عن معنى وغاية لحياته.

 يحكى محفوظ عند إحدى الأزمات التي عانى منها هو وعادل كامل وزكى مخلوف في مقابل السحار وباكثير، حيث وصفهما بأنهما كانا ممتلئين بالإيمان والتفاؤل.

أما هو وصديقاه فقد دخلوا في حالة تشاؤم، حتى وصف محفوظ هؤلاء الأصدقاء بأنهم كانوا كأبطال ألبير كامو قبل أن يكتبهم. يقول محفوظ: "كان السؤال الذي نسأله لأنفسنا دائمًا: لماذا نكتب؟ وكنا مجمعين -أي محفوظ وعادل كامل وزكى مخلوف- على أن الكتابة عبث، والنشر عبث، والرغبة في الكتابة يجب أن تعالج على أنها مرض. غاية ما في الأمر أن صديقيّ اعتبرا نفسيهما شفيا من هذا المرض، وما زالا يدعوان لي بالشفاء".

* الحلم والمستقبل:

يقتبس علاء خالد لقطة مميزة من رواية "بين القصرين" لنجيب محفوظ، يتلقى الأخوان نبأ وفاة سعد زغلول ليلاً عبر صوت بائع الجرائد، بينما هم يتحدثان على سطح البيت، عندها يطلب الأخ الأكبر -والذي قام بدوره في فيلم بين القصرين الممثل عبد المنعم إبراهيم- من أخيه الأصغر، والذي يقوم بدوره نور الشريف، المصدوم والذاهل من وقع الصدمة، يطلب منه بمواساة أن يذهب لينام؛ لأن أمامه في الغد يوم طويل.

 ما يفرق هذا اليوم عن باقي الأيام أن شبح الموت يحلق عليه، أشعر أننا مازلنا نعيش في نهار طويل كهذا حتى الآن، شبيه لذلك النهار، فهناك موت منتظر أو موت قد حدث بالفعل، أو هكذا نشعر في لحظة التحول الحادة.

تلتقي تلك اللقطة بفكرة تساورني دائمًا بشأن الحماس المفقود تجاه الأحلام المتجاوزة للأحلام الذاتية، في رواية نجيب لا يخجل "فهمي" من الحديث عن الإنجليز  وخروج المستعمر، لم يكن هناك خجل من ترديد عبارات من قبيل: "الاستقلال التام أو الموت الزآم"، تحلق الجميع حول سعد زغلول باعتباره منقذًا لهذا الهم الجاثم على قلوب العباد.

في هذه الأفلام المصرية القديمة كفيلم "في بيتنا رجل" المأخوذ عن رواية لإحسان عبد القدوس، يظهر عمر  الشريف كشخص يرهن حياته بأفكاره الثورية ضد المحتل وضد السلطة المتحالفة مع هذا الاحتلال، هذه اللحظة أشعر أنها أتيحت لها فرصة للظهور في أحداث ثورة 25 يناير، ثم كانت الأحداث السياسية المحبطة على مدى أكثر من عام، أسفرت هذه الأحداث عن خيبة أمل مريرة، لتتحول الأغاني الوطنية التي تتكلم عن الميدان إلى شيء يتسم بالسخرية القاسية.

عملية تجريف الأحلام، والتي تنتج بعد هذه الخيبات التاريخية، تعود بنا إلى النقطة الأولى من حالة الطموحات الفردية، المرتبطة بتأمين الدخل ومحاولة السفر للعمل أو المكوث في البلاد بمرتبات ضعيفة.

تحمي كثير من الحاضنات (الإسلامية كالإخوان وغيرها من الجماعات، أو حتى شلل اليسار) بعض هذه الحاجات النفسية، فجزء من آليات الانتماء لهذه التجمعات هو ما تحفظه للفرد من حالة من الانضواء تحت حلم جماعي قادر على التفكير والمشاركة فيه، وجزء من تجمعات القراء التي تجدها، وحرص المثقفين على التواصل، يقوم على محاولة الحفاظ على حيوية تلك الطموحات.

ففي مصر أشعر أنه بعد عقود من مسخ الهوية ومن الحط من قيمة الحلم، نتجت حالة من المنافسة المادية الشديدة، ليتحول أستاذ الجامعة إلى موظف يبحث عن زيادة الدخل في بيع الكتب، ويصبح طرح أي مساءلة رسالية مرتبطة بنشر العلم مساءلة لا معنى لها في ظل توحش الواقع وصعوبته.

يستغل العديد من الروائيين هذا التناقض الذي يظهر في المجتمع ليمارس عملية شديدة التضليل للقارئ، ويمكن تسمية هذه العملية: "نزع القداسة عن العالم".

 تتحول روايات الأسواني إلى روايات بشرية كما عبرت عنها إحدى القارئات، تحمل روايات كونديرا والتي تحتوي على نفس عدمي لا يمكن تجاهله، استخدام القسوة في التعبير حينما يقول: "إن حب الإنسان لكلب أفضل من حبه لإنسان آخر". هذا التغول في العالم المادي والذي ينتج عنه سخرية قاسية بأي شيء متجاوز حدود إدراكه في الواقع.

 بالنسبة لي كقارئ أدفع غائلة هذه الأفكار، وأقاومها بإعادة الاعتبار لمفهوم الحياة بما يتجاوز الحياة ذاتها، وما يتجاوز الحياة ذاتها ينبع ابتداء من الإيمان. لدينا إمكانية عظمى بوجود القرآن كنص مطلق بين أيدينا يفتح مغاليق النفس البشرية، هذا النص يمكن أن يشكل في بداية الدرب مفتاحًا للتصالح مع تلك الغمامة التي تتيه بالإنسان في حبال السرد، دون رده إلى أصل مانع، يفسر له ويعطيه ولو قدرة بسيطة على الحكم على جوهر الأشياء.

وبجانب ظاهرة انتشار الروايات أناقش صديقي، فيطرح لي استشهادًا من تهذيب مداج السالكين ويذكرني بمنزلة "اليقظة"، لعل اليقظة التي تحدث عنها ابن القيم تقاوم بها ما عبر عنه نجيب في قوله: "إن آفة حارتنا النسيان".

في النهاية -كما بدأنا- ينتهي بنا الحديث مع عم نجيب إلى قوله في أصداء سيرته الذاتية: "الحياة فيض من الذكريات تصب في بحر النسيان، أما الموت فهو الحقيقة الراسخة".


تم غلق التعليقات على هذا الخبر

رياض المسيبلي

هذا قلم مدهش وساحر. شكراً لهذا الجمال