الكتب والتجربة

2013-6-11 | الكتب والتجربة

بقلم: محمد عبدالعزيز .. الدوحة (*)

"كان تحمسي مفرطًا إلى درجة أني كنتُ أظن أنني سأصبح إنسانة غير سعيدة،

إن لم أعثر دومًا على كتاب جديد أقرأه".

تاريخ القراءة، ألبرتو مانغويل

منذ أيام سألني صديقي سؤالاً غير متوقع، قال لي: "لماذا تقرأ؟". كان هذا السؤال الفأس مفاجأة لي غير متوقعة من صديق عزيز لا يحب القراءة، أخذت أنظر إليه وأنا أفكر في دافعه ليسأل هذا السؤال، وتوقعت أن يكون الشغف الذي أبديه ناحية المعرفة والكتب هو ما لفت نظره لمعرفة هذا العالم.

ما دار  في عقلي ساعتها أنني شعرت بصعوبة السؤال وصعوبة الإجابة، وتذكرت حوارًا إذاعيًّا لبرنامج "في مكتبة فلان" مع صلاح جاهين، إذ سألت المذيعة جاهين: ما هي أسباب حبك للكتب؟ لم يجد إجابة، وأخذ يسخر بطريقته المعهودة، واستشهد ساعتها أن الشخص لا يستطيع أن يقول: أحب هذه الفتاة لهذه الخصائص كذا وكذا!

تشغل الكتب رصيدًا ثريًّا في الحياة الشخصية، أنت قبل دخولك عالم الكتب مختلف عنك بعد خروجك منه، هذه الأنا تضاف لها تجارب من خلال هذا الحبل الذي تبنيه القراءة.

لعبد الفتاح كيليطو قصة بعنوان: "صحيفة الغفران"، يحكى فيها عن سؤال عجائبي: هل في الآخرة مكتبات؟ تستمر القصة بتلك العجائبية لتنتهي بحكمة جميلة: أن البشر الذين لم يجدوا كتبًا تبادلوا صحائفهم للقراءة، ثم في النهاية يشعرون بخيبة أمل من أن يجدوا صحائفهم مرة ثانية؛ لأنهم سيكونون عاجزين عن التعرف على صحيفتهم، والتعرف على أنفسهم.

سأحاول وأنا أجيب صديقي أن أشرح له في عبارات يسيرة سبب حبي للقراءة والكتب، سأقول له إنها تمدني بشريان تجديد يدفعني بعيدًا عن رتابة الحياة وتكرارها؛ فالكتب لا تنتهي، ولقاء كل كتاب جديد فرصة للتجديد الروحي والنفسي، سواء كان سياحة في بلد من خلال أدب الرحلات، أو سياحة في عقل أحدهم من خلال سيرة أو ترجمة، أو رواية يضع فيها الكاتب بعضًا من خلاصات التجربة وتأملاته. السبب المميز بالنسبة لي هو دهشتي المتكررة بمدى مشابهة الإنسان للإنسان، هذا ما تثبته الكتب والسينما، ثم تنفيه في الوقت ذاته؛ فهي تمنحنا اتساع أفق في التجربة الإنسانية وتنوعها واختلافها، ودرجات اللون النفسي لهذا الإنسان العجيب، ثم نجد كم يشبهنا هذا البطل، أو كم كنا نود أن نكون في شجاعة فلان بطل الرواية أو من نقرأ سيرته! الكتب قوة دفع لفهم هذه النفس الإنسانية، والتسامح مع تنوعها العجيب، أو على الأقل المعايشة بالخيال.

أحد الأسباب المهمة بالنسبة لي هو الثراء وزيادة الوعي بالأنا والحياة، هذه النقطة خصوصًا تشكل خلافًا بين محبي القراءة وبين من لا يحبونها، الكثير يعتبر أن القراءة تسحب من تجربة الحياة العملية. بالنسبة لي أجد أن القراءة هي تجربة تضاف إلى الشخص من خلال الروافد المعرفية التى تمد الواحد به، وتشكل التجربة والخبرة الحياتية تجربة لا تقل أهمية؛ فالقراءة هي نشاط صغير يندرج تحت النشاط الكبير، وهو فعل الحياة نفسه، فلا يمكن مقايضة الحياة بالقراءة؛ لأنها مقايضة من غير ذات النوع. القراءة تعطي التجويد، أو تبحث حتى عن أسباب الحياة، لكن لا يمكن أن تكون بديلاً عن مادة الحياة أو عن البشر. نحن نقرأ لنستطيع أن نتواصل بشكل أفضل مع الآخرين، لا أن نتدرب على العزلة عنهم، يمكن التدرب على الوحدة في القراءة، لكن نعود للاندماج مع دوائرنا الصغيرة والمجتمع بحيوية أكثر، وبحالة نفسية أرقى، ودرجة عمق وتجويد لتجربتنا الخاصة.

تشكل التجربة محكًّا أساسيًّا للفهم، وللزعم بعد ذلك بوجود تجربة ذاتية فريدة لك تختلف عن الشائع بين الناس. أنت تقرأ عن الحزن في الروايات، لكنك تستطيع تحمله؛ لأنه حزن غير مؤذي، يشبه حزن أفلام الدراما، يمكن تجاوزه بعد مشاهدة الفيلم والخروج للأنوار في الشارع، أما تجربة حمل الهموم أو الحزن الشخصي فهي تجربة فردية، تسحب من الألم والتعب ومجابهة القلق ما لا يمكن فهمه إلا بعيشه، ومحاولة تجاوزه باعتباره عرضًا في الحياة يجب تجاوزه.

الفارق هنا كبير بين ما نحصله بالقراءة وما نحصله بالحياة، لدينا مثلاً كتب عديدة عن تجربة الاغتراب، مؤخرًا طالعت كتاب الشمال المفقود لنانسي هيوستن، بثت فيه مقالات عن تجربتها في الاغتراب في فرنسا، كان شعوري وأنا أقرأ هو الفهم العميق لما تحكيه من تجربة لمروري بما يشبه هذه التجربة، كانت معايشة الظروف الحياتية وسيلة للشعور بعمق الكتب وليس العكس.

اللافت في الموضوع اعتراف سارتر  في مذكراته إلى حد بعيد بنفس التجارب والخبرات، فعندما قارن صور النباتات والحيوانات الموجودة في معجم لاروس الكبير، مع نسخها الأصلية الموجودة في حديقة لكسمبورج "جاردن دي لكسمبورج" في باريس، تأكد مما يلي: "القرود الموجودة في حديقة الحيوان كانت أقل قردة، والناس في حديقة لكسمبورج كانت أقل أنسنة، على غرار أفلاطون انتقلت من المعرفة إلى الموضوع، حيث وجدت في الفكرة واقعًا أكثر من الشيء نفسه. وفي الكتب تعرفت على العالم: مهضومًا، ومصنفًا، ومزودًا ببطاقة تعريف، متأملاً فيه وجبارًا".

أعتقد أن هذه المفارقة بين ما نعرفه بالقراءة وبين ما نعيشه بالتجربة هي الهاجس الأهم لكزانتزاكي في روايته زوربا، الصور المتقابلة بين الرئيس القارئ وبين زوربا الذي يرى الأشياء كما لو كان طفلاً يراها بدهشة المرة الأولى؛ فهو يجعل من الرقص رمزًا على فعل الحياة، يقول: "إن جمجمتي سميكة يا معلم، لذلك فإني لا أفهم الأشياء بسهولة، كنت أتمنى أن تعبر عن كل ذلك بالرقص، إذ لو فعلتَ لفهمتُ ما تقوله بسهولة"، ويتحسر ساعتها المعلم أو الرئيس القارئ وهو يقول: لقد ذهبت حياتي هدرًا...

لدينا جميعًا الفرصة لتجربة حياة أكثر فرادة بما تضيفه القراءة، يحكي محمد عفيفى مطر في مذكراته الممتعة التي أسماها: أوائل زيارات الدهشة: هوامش التكوين، عندما بدأ تعرفه على عالم الشعر بالغ الرقة، فيقول إنه كان يقطع عدة كيلومترات بدراجته؛ لكي يزور صديقًا له يشتري والده الجريدة أو المجلة التي تنشر قصيدة محمود حسن إسماعيل، فيذهب إلى تلك القرية لينسخ القصيدة، وينعم بوجبة دسمة في بيت هذا الصديق.

أتخيل هذا الباب الذي تفتحه القصيدة في عالم الطفل/القارئ من معارف وتشبيهات، وقدرة على معايشة الحال والحياة بأطوار مختلفة عن الشائع، تصبح القراءة بوابة لتميز الأنا، لزيادة لمعان العين تجاه أصول الأشياء؛ فلا يعود العامل الذي تراه عاملاً، ولا الفتاة التي تقدم الطعام في المطعم نادلة، بل هي حكاية وحكاية كبيرة غير مكررة، يليق بروائي أن يتتبع حياتها ويفهم تجربتها، فتصيبك شعور بإنسانية من تراهم يتحولون أمامك إلى أبطال مجهولين، تجعلك القراءة تستحضر مشاعرهم وأحزانهم، من أين يمكن المراهنة على أن القراءة تعطي رقة وأنسنة للحياة؟

لا أستطيع تقديم ما يثبت ذلك، وبداخلي خوف من التعميم؛ لمعرفتي بوجود طغاة قراء (تناقض مازالت أبحث عن حل له)! تكاد تكون قصة مطر مشابهة لقصص العديد ممن أصبحوا مؤلفين وأدركتهم حرفة الأدب بعد ذلك، لحظة تعرفهم على عالم الكتب العجيب، الكتب التي تشبه سلسلة ما إن تبدأ بواحد حتى لا تستطيع أن تنتهي من هذا العالم.

الحديث عن القراءة والمعرفة حديث يطول، يحتاج من القارئ مساءلة دائمة عما يكسبه وما يخسره من تلك التجربة، وما يدفعه من ضريبة. ما لدي اليوم هو شعور بالسعادة، السعادة التي تشبه الرضا، ليست تلك السعادة الخاصة بالمفاجآت، وإنما رضا بوصول الكتب لدينا، بوجود تجارب أعمق مازلنا لم نعرفها، بوجود تجربة جوانية وبرانية مازلنا نقف على الشاطئ فيها.

لدينا فرصة لأن نصنع شيئًا في حياتنا، ثم ننقل تلك التجارب بما تحتوي عليه من أفراح وأتراح لمن بعدنا؛ فالكتب تعلم الإنسان التخلص من الأنانية ناحية المشاركة في تلك الحياة.

ذلك الجمال الذي نكتشفه في الحياة لا يجب أن يتوقف عند بابنا، والكتابة -ابنة القراءة أو أمها- هي البوابة الأولى لمشاركة نصيبك من الجمال.

(*) المصدر: موقع "إيلاف"


تم غلق التعليقات على هذا الخبر