صالح بن عبدالرحمن الحصيّن .. العالم الزاهد (1)

2013-5-8 | صالح بن عبدالرحمن الحصيّن .. العالم الزاهد (1)

(1351-1434هـ)

بقلم: عبدالرحمن بن فؤاد العامر

(1)

قال ميمون بن مهران: "لقد مات سعيد بن جبير وما على ظهر الأرض أحد إلا وهو يحتاج إلى سعيد"، هكذا يرحل الكبار في أوقاتٍ الأمة أمس ما تكون حاجةً إليهم. وما أحوج الأمة إلى تكامل علم وعقلٍ وزهد كما حبى الله به فضيلة الشيخ العالم الزاهد الصالح اسماً ومعنى صالح بن عبدالرحمن الحصين –رحمه الله تعالى-، والذي اختاره الله إلى جواره يوم السبت الماضي.

 

(2)

ورد عن جماعةٍ من السلف قولهم: "ما وُصف لي أحد قط إلا رأيته دون الصفة، إلا فلاناً، رأيته فوق ما وصف لي"؛ قالها ابن المبارك في حيوة بن شريح، ومروان بن محمد في وكيع بن الجراح، والحاكم في الدارقطني. وقد قال ابن خلكان عن بهاء الدين الكاتب: "رأيته فوق ما سمعت عنه من مكارم الأخلاق، وكثرة الرياضة، ودماثة السجايا"؛ ولا أجد أوضح من هاتين العبارتين لبيان حالي مع فضيلة الشيخ، وهذا ليس انطباعاً أنفرد به، بل شعور يشاركني فيه الكثير.

 

(3)

سمعت عن الشيخ صالح قديماً، ومن أوائل انطباعاتي عنه –فيما أذكر- ما خلفته في نفسي قراءتي لمقال الأستاذ زياد الدريس: "عالم الزهاد وزاهد العلماء"، والمنشور –إذ ذاك- في مجلة المعرفة، ثم أُعيد نشره ضمن كتاب "حكايات رجال"؛ للكاتب.

ثم في السنين المتأخرة أكرمني الله تعالى بلقيا الشيخ، والاجتماع به، والإفادة منه في مجالس متعددة متكررة. وقد كان لما قرأت عنه أولاً، وما سمعتُ من حاله أثرٌ كبير عليّ؛ فقد شكّل نواة محبةٍ، وبذرة عُلقةٍ لهذا العَلَمِ، تضاعفت تلك المودة مع استمرار اللقاءات، ودوام الصلة.

كانت مساءلة الركبان تخبرنا

                عن جعفر بن فلاح أطيب الخبر

          حتى التقينا فلا والله ما سمعت

                أذني بأحسن مما قد رأى بصري

 

(4)

لقد اجتمع في الشيخ رحمه الله ما يندر أن يجتمع لأحد من أبناء عصره؛ من تكامل الشخصية، ومحاسن الشيم، ومكارم الأخلاق، وسائر الصفات الحميدة؛ فقد كان عديم النظير، عظيم القدر، قلَّ أن ترى العيون مثله.

لقد كانت شخصية الشيخ صالح الحصين فذة في طبيعة المجتمع؛ عجِبَ لها كل من رآها واتصل بها؛ فقد كان فيه من الساسة دهاؤهم، ومن القادة قوتهم، ومن العلماء حججهم واطلاعهم، ومن المتصوفة زهدهم، ومن الفلاسفة مقاييسهم، ومن المفكرين عمقهم، ومن الخطباء بيانهم، ومن الكُتَّابِ رصانتهم؛ فاجتمعت فيه صفاتٍ لا يُعرف اجتماعها إلا في كتب السير والشمائل. فكأن الشيخ رحمه الله جاء متأخراً عن وقته؛ فمحله القرون المتقدمة.

أخلاقه نكت في المجد أيسرها

                لطف يؤلف بين الماء والنار

          لو زرته لوجدت الناس في رجل

                والدهر في ساعة والأرض في دار

لذا، فإن مما يُجمع عليه من له خلطة بالشيخ أنَّ في شخصه وذاته وعمله وعلمه وفكره ما يستحقُّ أن يدوّن ويُنشر للناس؛ لعله أن يكون نبراساً لهم في زمن غابتْ فيه الأُسى؛ وقد كان هذا دافع تتابع كثير من محبيه –أثناء حياته وبعد وفاته- على ذكر ما وقفوا عليه من مواقفه وقصصه.

ولاشكّ أن أولى الناس بتدوين ذلك أهل بيت الرجل؛ إذ "أعلم الناس بالرجل أهله"؛ وبعد أن اختار الله تعالى الشيخ إلى جواره، ولما رأيت ابنه البار الدكتور عبدالله حفظه الله عزَفَ عن الكتابة عنه براً بما علِمَه من أبيه رحمه الله من كُرْهِ الثناء والمديح، ولعله أن يُراجع نفسه في ذلك؛ رأيتُ أن أجمع في هذا المقال وما يتبعه –إن مدّ الله في الأجل- بعضاً مما وقع إليّ من خبره، وما وقفتُ عليه من فكره وتأملاته، مما يليق بالناس وترتفع به هممهم، وتتجلى في تصوراتهم؛ جمعتها من خلال تردادي إليه، ومخالطتي له، وما أدّت الاستطاعة إليه، وما وقفني النقل عليه بحسب قربي من بعض أهله، وما لديّ من مؤلفاته وكتاباته، مؤثراً الاختصار في ذلك قدر الإمكان.

وإني وإن كنت أعلم منه رحمه الله كرهه الشديد لهذا؛ كما أبانه ابنه الدكتور عبدالله في تغريدة له، وقد عايشتُ هذا منه رحمه الله؛ حينما نقلتُ إليه رغبة بعض الإعلاميين بصناعة برنامج مقابلة تلفزيونية شخصية معه؛ يتم فيها تناول صفحاتٍ من حياته، وأوراق عمره، وما يذكره من عفو تجرِبته، إلا أنه رفض.

وذكر لي أنهم قد ألحوا عليه في ذلك، ولما ذكرت له قيام بعض من عاصرهم وعرفهم بكتابة سيرهم وتدوين مواقفهم؛ ذكر لي أنَّهم منحوا ذاكرةً حُرِمَ منها، وأنه لا يتذكر ما قبل خمس دقائق، فكيف بسنين؟! يحتسبها وقتا بدل الضائع!

ولما أيقنتُ بأنّ الشيخ لا يمكنُ أن يلينَ في هذا الباب، ومع جزمي بأهمية تدوين سيرته، وإيضاح تأملاتِهِ للناس، اقترحتُ عليه في اتصال هاتفي به أواخر أيام رئاستِهِ لشؤون الحرمين أن يدوّن رؤاه حول الموضوعات التي امتاز فيها برؤيةٍ؛ كالاقتصاد والمال، والمصرفية الإسلامية، والعمل الخيري، والأوقاف، وغيرها.

أما المصرفية الإسلامية فكما أخبرني رحمه الله أن الإخوة في مؤسسة الوقف الإسلامي -والتي يرأس الشيخ مجلس أمنائها- قد اقترحوا عليه جمع ما كتبه حولها، وإخراجها في كتابٍ مفردٍ، وتلك البحوث وأوراق العمل نشرها الشيخ في فتراتٍ متباعدة، كما تفيده التدوينات في حاشية مقدمة كل مقال؛ فخرج فيها كتابه: (خاطراتٌ حول المصرفية الإسلامية)، والكتاب فريدٌ في بابه، بما فيه من بحوثٍ وأوراق عملٍ، وملاحق، تصوّر رؤية الشيخ للمصرفية الإسلامية، والهيئات الشرعيّة، والاجتهاد الفقهي في المعاملات الماليَّة.

هذا، ومع معرفتي التامة بإعراض الشيخ رحمه الله عن المديح والثناء إلا أني خفّفت عن نفسي اللائمة؛ إذ كان التأسّي بكتابة مواقف الكبار وسيرهم من أخلاق القوم، وجادة للمتقدمين.

 

(5)

قيل لحسان: ما بالك لم ترْثِ رسول الله؟ قال: لم أر شيئاً إلا رأيته يقصر عنه؛ ولذا فأنني معترف وكلّ من رأى الشيخ وجالسه بقصور اللغة عن التعبير عن حقيقة حاله، وتشخيص وصفه؛ إلا أنه يكفي من القلادة ما أحاط بالجِيد. وإنني مع إقراري بقصوري مقرّ بأن كثيراً من أخباره وآرائه لا توفيها اللغة، ولا يصوّرها البيان، لكني أدع للقارئ مجالاً للتأمل فيما وراء السطر.

كما إني مقرٌّ بغلبة لغة العاطفة والحبّ على هذا المقال، في محاولة أعترفُ بأنها لن تفي بالمقصود من كتابة مقال علميّ موضوعيّ في رصد مواقف الشيخ الزاهد، وطريقة تفكير المفكر المثقف، وعمق تحليل العالم الموسوعي.

 

(6)

إن أخبار أولئك العلماء العاملين والمفكرين المصلحين وأرائهم لحقيقة بالاطلاع والبحث والنظر والتأمل والامتثال من قِبل الأجيال؛ لما جبلوا عليه مما قلّ نظيره فيمن يليهم؛ من سعة في الاطلاع، وعمق في النظر والتحليل، وموضوعيَّة في الطرح.

أما عندما تذكر سيرة الشيخ، فإنّ الأمر أبعد من ذلك؛ إذْ على المشايخ والدعاة والمفكرين والمثقفين أن يقتفوا سيرة الشيخ وسمته ودّله، لا سيما في عزوفه عن الدنيا، وزهده في المناصب، والأموال، وما تميز به من الموضوعيَّة في الطرح، بعيداً عن المؤثرات.

إن تلك الأخبار والآراء زادٌ للطريق، وصناعةٌ تُنال بها الإمارة والسيادة، وبضاعة يستقيم بها الأمر المعوجّ، والله المستعان.

 

(7)

لما مات عمر  دخل عليه علي  فقال: رحمك الله، ما على الأرض أحد أحب إليّ  أن  ألقى الله بما في صحيفته من هذا المسجى، إن كثيراً من الناس لربما قال هذه العبارة ونحواً منها في أحدٍ من أولئك الكبار، إلا أن هذه العبارة طرقت أُذني مراراً بعد وفاة الشيخ رحمه الله.

وإن اجتماع الناس على محبته، وثناؤهم عليه؛ أمرٌ ظاهر لكل من خالطه، وسمع عنه، وقرأ ما كُتب ونُشر عنه في وسائل الإعلام، ومواقع التواصل الاجتماعي.

وإني لأظن والله أعلم أن الشيخ رحمه الله ممن وُضع له القبول، ولعل هذه قرينة على حسن صلة له بالله ؛ فعن أبي هريرة  قال: قال رسول الله : "إن الله إذا أحب عبدا  دعا جبريل فقال: إني أحب فلانا فأحبه، قال: فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء فيقول: إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، قال ثم يوضع له القبول في الأرض..." الحديث.

وإنّا نرجو للشيخ خيراً من عند الله وفضل؛ بما له من حسن عمل، وطيب ذكرٍ، -نحسبه كذلك والله حسيبه-؛ ففي الصحيحين من حديث أنس بن مالك، لما مروا بجنازة، فأثنوا عليها خيرا، فقال النبي: "وجبت"، فسأله عمر: ما وجبت؟ قال: "أثنيتم عليه خيرا، فوجبت له الجنة، أنتم شهداء الله في الأرض"، وهذا لا يعني بحالٍ التألي على الله، لكنه حسن الظن به؛ ولما مات داود الطائي وأكثر الناس فيه القول، وكان موضعاً لكل ثناءٍ جميلٍ، وقف بعضهم على قبره، قائلاً: يا داود قد أكثر الناس القول فيك، فلا وكلك الله إلى عملك، فلا وكلنا الله إلى أعمالنا، ورحمته تعالى واسعة، وجوده عظيم؛ والله المستعان.

 

(8)

ذكر لي بعض الفضلاء وقد التقينا في الطريق لتشييع الشيخ رحمه الله: أنَّه عندما تأمل في حياة الشيخ وجد –احتمالاً- أن من فوائد عودة الشيخ إلى الوظيفة بعد تقدم سنّه عام 1422ه، ممثلةً برئاسته لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي؛ شيوع معرفة الناس له، وانتشار ذكره بينهم، لا سيما وأن الشيخ قد تقاعد قبلها بفترة مبكرةٍ، فلم يدرك جلّ جيل الشباب اليوم حياته العملية إذ ذاك، فقد تقاعد عام 1394ه.

وهذه إلماحة ذكيّة؛ فإنّ الشباب في هذا الزمن الحاضر أحوج ما يكونون لمثل الشيخ في سيرته وسمته، والمتأمل في حياة الشيخ يلحظُ أهمية هذه المرحلة من حياته، وهي العقد الأخير من حياته، فقد انتشر ذكره، وتناقل الناس مواقفه وقصصه.

وعلى ذكر هذه الفائدة فإنّي سمعتُ الشيخ يذكر أنّه ترك الوظيفة شباباً وعاد إليها (شيّابا)، -يذكرها مستنكراً-، وهذا درسٌ يضافُ إلى دروس الشيخ الكثيرة في التواضع والزهد في المناصب، والتي تجفّ الأقلام دون حصرها.

ولعله لم يفتك أيها القارئ الكريم أنَّ الشيخ لما تقاعد كان وزيراً للدولة، وعضواً في مجلس الوزراء!، وهذا أمرٌ يستحق التأمل، فهو قد ترك الوظيفة وهو في أعلى هرمها، إلى أعماله الدعوية والعلمية، فآثر الشيخ بذلك الباقية على الفانية –نحسبه والله حسيبه-، وتفرغ لأهدافه التي أخذت من حياته ووقته الكثير في العمل الخيري في العالم الإسلامي، والعلم، لا سيما في التأسيس للمصرفية الإسلامية.

 

(9)

لقد أحسن الدكتور عبدالوهاب الطريري حينما ذكر من سمات شخصية الشيخ: كونها شخصية مشعّة، وقد يعبّر عنها بـ: سحر الشخصية –كما عنون بول جاغو لكتابه: "سحر الشخصية –فلسفة النفوذ والتأثير على الآخرين-"-، وهذه ميزة عرفها كل من جالس الشيخ، أو رآه.

ووصف شخصية الشيخ بأنها مشعّة أو مشرقة؛ فهذا ظاهر يعرفه كل من جالسه، وهذا الإشعاع والإشراق فيه لم تنفرد فيه شخصيته؛ بل هو ظاهر في كل كيانه، بروحه وجسده، بسمته ودلّه، بأفكاره وعباراته، حتى أنَّ المجالس له لربما انعكس لقاؤه به أياماً بل أسابيع بل أشهراً، ممن يلحظ منه من الزهد والتواضع الخُلُقي والعلمي والبساطة ونُكران الذات.

إن هذه الصفة تعزّز ما للشيخ من صفة القيادة بالفطرة. وقد رأيت بعض الإخوة المهتمين بصناعة البرامج القيادية وَضَعَ سيرة الشيخ كأنموذج لقائد معاصر في كتيّب تعريفي بالبرنامج، ولما حكيت هذا الأمر للشيخ، استنكر، وقال: لم أُستأذن في هذا!، وقد رأيتُ في وجهه الكراهة لذلك.

 

(10)

إذا ذكر الشيخ أبو عبدالله صالح بن عبدالرحمن الحصين ذُكِر الزهد؛ فقد كان رحمه الله في بيته مثال الزهادة، وفي ملبسه مثال التواضع، حتى أنَّ الناس تناقلوا في زهده وتواضعه كثيراً من القصص والمواقف التي تحكي تحليهِ بتلك الصفة، والتي تبدأ ولا تنتهي، وما خفيَ من حاله كان أعظم.

وحينما تولى الشيخ رئاسة الحرمين واستقرّ بمكة، اقتنى شقة في برج الجوار في أجياد بمكة، قريبة من رئاسة الحرمين، وقريبة من الحرم المكي الشريف، حيث عرَفَت اسطواناته قصصاً لأبي عبدالله، وعاشت جنباتُهُ حكاياتٍ معه. والشيخ مع أنه أُتيح له سكن في الطابق الخامس ضمن الضيافة في القصور الملكيَّة والمطلة على الحرم، إلا أنَّه لم يستفدْ منه أبداً –فيما أعرف-.

وإنني حينما أكون في مكةَ المكرمة، وأدلف إلى برج الجوار في أجياد، وأصعد إلى الطابق التاسع، فأنحرف ذات الشمال، لتأتيني الشقة (903) على اليمين، حيث شقة الشيخ، لا تسلْ عن حالي وشعوري حينها.

لقد حكتْ تلك الشقة -التي تبكي على فقيدها- حكاية جديدةً مع زهدِ أبي عبدالله، بعد شقة المدينة النبوية عمارة الأوقاف المطلّة على البقيع، والتي سكنها ما يقارب أربعين عاماً، وقد أشار إليها الأستاذ زياد الدريس في مقاله الآنف الذكر. كانت تلك الشقة القريبة من بيت الله الحرام عزيزة لدى ساكنيها؛ حتى أنَّ بعضهم حكى أن لو عوّض بها قصراً في عوالي مكة ما قَبِلَ؛ فـ(هذه الشُقيقة ولا قصْرٍ بالعوالي).

تدخل تلك الشقة فتجد تلقاء وجهك باباً لحجرة هي ما يطلق عليه تجوّزاً: مجلس، يكوّن غرفةً من الشقة إضافة لغرفةٍ أخرى ومطبخ صغير ودورتيْ مياهٍ –أعزّكم الله- تلك الشقة.

لقد كانت تلك الحجرة، أو سمّها المجلس –إن شئت- متواضعة مساحةً وأثاثاً؛ أما مساحتها فلم تكن تتجاوز الأربعة أمتار في مترين ونصف، وأما أثاثُها فلم تكن تحوي سوى سجادة متواضعة، ومساند على الجدار و(مراك) إضافةً إلى دولابٍ فيه رفّان للكتب على يسار الداخل، يحوي أمهات الكتب، وما يُهدى إلى صاحبها؛ أذكر منها الصحيح، وقاموس المورد، وكتباً أخرى، يلحظُ المطالع أنّ كلها قد قُرئ أو طُولع، كما كان في الدولاب أدراج سفليّة ممتلئة بأوراقٍ لصاحب هذا الدولاب، يجملّ ذلك لوحةٌ جداريّةٌ على الجدار إلى يمين الداخل، تحوي قطعةً من سترة للكعبة المشرفة.

وقد كان في ذات الغرفة (مطرح) مطويّ، غالباً ما يكون في الركن الذي عن يمين الداخل؛ كان ذلك (المطرح) هو فِراش معالي الوزير رحمه الله؛ أسأل الله ألا يحرمنا وإياه فُرُش الجنان. لقد حكى هذا (المطرح) قصة أخرى من قصص زهد معاليه. ولقد اشتهر فراش الوزير هذا؛ وإن شئت فاسأل من له صلة بالشيخ: كم مرةً سُئِل: ألا ينام معالي الشيخ على فراش؟!

إنني حينما تذكرت ذلك (المطرح) تمنيتُ أن أُسائله عن حديث الشيخ، وعن همومه، وعن شجونه، وعن طموحاته، وعن قيامه، وعن ذكره؛ فهل يجيب؟!

لقد كنت إذا دخلت الغرفة الآنفة الذكر وفيها صاحبها، ذلك الرجل المخبتُ المنيبُ، ذو اللحية الخفيفة على ذقنه، وذلك المظهر الذي لا تجد فيه تكلّفاً ولا تصنعاً وقاراً إلى وقارِهِ؛ وجدته إما قارئاً أو كاتباً، حكى لي بعضهم: أنّه لا يعرف مرضه وتعبه وجهده إلا بتركه للقراءة، والتي اعتمد في أواخر حياته عليها بمكبرٍ، وربما جاء به في ملتقيات (الحوار الوطني)، إن هذا الشغف غير المتناهي أكسب هذا العالم تلك الثقافة الموسوعية، في شتى الفنون؛ الشرعية، والفكرية، والاقتصادية، والسياسة، وغيرها.

أما الجمع بين تلك الرفوف القليلة وثقافة صاحبها؛ فإني سألته عما يصنع بالكتب التي تهدى إليها، أو يقتنيها، فقال: ما أقرؤه فإني أُهديه إلى مكتبة الحرم!.

لقد كانت تلك الحجرة (المجلس) هي غرفة معالي الشيخ الزاهد، فيها قراءته، وكتابته، وأكله، وضيافته، ونومه وراحته.

 

(11)

إن من يرى الشيخ لا يكاد يراه مختلفا عن أي إنسان عاديّ من أواسط الناس، لا يخطر بباله أنّ من أمامه وزير أمضى في الوزارة نصف قرنٍ؛ سوى ما امتاز به من البريق اللامع الذي تبعثه عيناه، دلالةً على الألمعية، وإشراق الوجه الذي لا تخطئه عيناك، دلالة على السماحة والبساطة، حتى إذا تحدث سمعتَ من كلمات منتقاة مُوجَزًا وَاضِحًا لقضايا مطوّلة تحتويها المجلدات، وقد كان إضافةً إلى تلك الثقافة الواسعة، والتي دعمها بلغتين سوى العربية -اللغة الأم-؛ اللغتين الإنجليزية والفرنسية؛ أما الأولى فهو مجيدٌ لها، قراءةً وتحدثاً، رأيته مراراً، وأما الفرنسية؛ فإنه يخبرُ: أنَّه لم يتبقّ له منها إلا ما يمكّنه من قراءة روشتة الدواء!.

إن تلك المؤهلات أهلت صاحبها لمطالعة ثقافاتٍ مختلفةٍ جعلت منه شخصاً قادرا على فهم الأشخاص، وتحليلهم. وقدرة على الحوار والنقاش، وتقبلاً لرأي المخالف؛ فهو لا يفاجئك بالرأي المعارض، ولا يصدمك بما يخالف مذهبك، وإنما يحتال عليك حتى يصل إلى قلبك ويتصل بك فيما يتفق معك عليه، ويعذرك فيما تختلفان فيه.

كما أن تلك المؤهلات جعلتْ منه مثقفاً واسعُ الأفق إلى أبعد حدّ، يفتح النوافذ للهواء الطلق، فلا يكره حرية الرأي، ولا يضيق بالرأي المعارض، مما جعله حريّا برئاسة: (مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني).

 

(12)

كان إذا تحدث سمعت صوتاً تحس فيه العاطفة والهدوء والعمق، وبياناً يصل إلى النفوس، لا تنبو عنه أذواق المثقفين. بل إنه بما امتاز به من حسن اختيار لمصطلحات حديثهِ وخطابهِ وكتابهِ، وطرح موضوعي معمّق؛ لربما صعُب حديثه وكتابه أحياناً على بعض المستمعين والقراء.

أما عندما تستمع إليه –أيضاً- لا تخطئك اللباقة والمهارة في إدارة الحديث، وحسن الاستماع، والقدرة على الإقناع؛ أما استماعه وإصغاؤه فغاية في العجب!؛ حتى أنك ربما تراه مطرقاً مستمعاً لحديثٍ كان عارفاً به قبل أن يولَدَ المتحدث؛ وكأني بعطاء بن أبي رباح حينما يحدَّث بحديث كان أحفظ له من المحدِّث، فيصغي إليه، وقد سمع هذا الحديث قبل أن يولد أبوه!، فكأن أبا تمام لا يعني غيره حين يقول:

وتراه يصغي للحديث بسمعه

                وبقلبه ولعله أدرى به

إن الشيخ بهذه الصفات وغيرها استطاع كسب قلوب الكثير من الناس في أنحاء المعمورة.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر