قصص لا ترويها هوليوود مطلقاً (3/3)

2013-3-9 | د. حمد العيسى قصص لا ترويها هوليوود مطلقاً (3/3)

بقلم: د. حمد العيسى / كاتب ومترجم عربي مقيم في المغرب

نختتم اليوم نشر بعض المقاطع المختارة من الفصل الثالث من كتابي المترجم الذي صدر مؤخرا بنفس عنوان هذا الفصل: «قصص لا ترويها هوليوود مطلقاً» (منتدى المعارف، بيروت، 192 صفحة) وهو كتاب يتكون من سبعة فصول ومن تأليف المؤرخ الأمريكي هوارد زِنْ. وهذا الفصل في الأساس هو نسخة منقحة من خطبة ألقاها زن في مهرجان تاوس للفيلم، تاوس، ولاية نيومكسيكو، في 17 نيسان/أبريل 1999 (المترجم).

لن تجدوا أفلاماً عن نضال عاملات النسيج: الفتيات اللاتي ذهبن للعمل في معامل النسيج في ماساتشوستس في لويل ولورنس منذ بدايات القرن التاسع عشر. هناك قصة رائعة عن فتيات لويل في ثلاثينيات القرن التاسع عشر اللاتي نظمن أنفسهن وأضربن.

لن تجدوا أفلاماً عن إنجازاتهن ولن تجدوا أفلاماً عن التاريخ الغني بنضالات العمال التي حدثت في الولايات المتحدة. وعلى أية حال، النظام الأمريكي العام الذي صنعه الدستور، والنظام السياسي الأمريكي، والدستور العظيم والشهير للولايات المتحدة، لم يمنح أي حقوق اقتصادية للشعب الأمريكي.

نحن دائماً ننسى أن الدستور يعطي حقوقاً سياسية ولا يعطي حقوقاً اقتصادية. وحتى تلك الحقوق السياسية تعتبر مقيدة بسبب عدم وجود حقوق اقتصادية. إذا لم تكن ثرياً فإن حقوقك السياسية تصبح محدودة حتى وإن كانت توجد على الورق في الدستور.

حرية التعبير موجودة في الدستور، ولكن مقدار حرية التعبير الذي تتمتع بها، يعتمد على ما تملكه من ثروة أو مال وغيرهما من الموارد. ولكن في ما يتعلق بالحقوق الاقتصادية، لا يوجد شيء مطلقا في الدستور. هناك «إعلان الاستقلال»: الحق في الحياة، والحرية وتحقيق السعادة. ولكن كيف يمكن تحقيق هذه الغايات إذا لم تكن تملك الحق في الطعام والسكن والعلاج الطبي.

الطبقة العاملة خلال مسار التاريخ اضطرت إلى التنظيم والكفاح والإضراب والنضال وإعلان المقاطعة ومواجهة الجيش والشرطة والحرس الوطني. لقد كان يتوجب عليهم فعل ذلك بأنفسهم على الرغم من معارضة الحكومة وذلك حتى ينتصروا في تحقيق إنجاز مذهل وهو تحديد ساعات العمل بثماني ساعات في اليوم، وذلك لتغيير ظروف عملهم الشاقة.

ولذلك، أقول إنه يجب إنتاج فيلم عظيم عن إضرابات عمال سكك الحديد عام 1877، أو عن حادثة سوق البرسيم عام 1866، والتي كانت أيضا جزءاً من النضال لتحديد ساعات العمل بثماني ساعات في اليوم. حادثة سوق البرسيم انتهت بإعدام ثمانية من الفوضويين ظلما بعد أن اتهموا ظلما بزرع قنبلة بالرغم من عدم وجود دليل عن الفاعل الحقيقي. الأديب الساخر جورج برناردشو أرسل برقية إلى محكمة إيلينويز العليا جاء فيها: «إذا كانت ولاية إيلينويز تود التخلص من ثمانية أشخاص من مواطنيها، فمن الأفضل التخلص من أعضاء محكمة إيلينويز العليا الثمانية»!

وماذا عن قصة إضراب يوجين ديبس وإضراب عمال القطارات العظيم في عام 1894، والذي قاموا فيه بإعاقة جميع عمليات السكك الحديدية في الولايات المتحدة الأمريكية ونتج منه تحريك كل من الجيش والمحاكم ضدهم؟ شخصية ديبس تصلح لتكون موضوع فيلم رائع، ولكن لم يسبق لي مطلقاً أن شاهدت فيلماً كان هو فيه الشخصية المركزية.

لقد شاهدت أنواعاً عديدة من الأفلام من النوع التي يرثى لها ولكن لم أشاهد مطلقاً يوجين المذهل الذي يبدأ كمنظم لعمال السكك الحديدية ثم يدخل السجن ويخرج منه كمعارض ومنشق، نعم، السجن يفعل ذلك بالناس، ولذلك ينبغي على الحكومة أن تحذر من عدد الناس الذين ترسلهم إلى السجن.

هناك حالياً مليونان من الناس في السجن وإذا فعلوا جميعا كما فعل ديبس، حسناً!!! عندما أطلق سراحه في النهاية بعد أن دخل السجن بسبب معارضته الحرب العالمية الأولى ليس من قبل الليبرالي وودرو ويلسون ولكن من قبل المحافظ وارن هاردينغ - ديبس ترك انطباعاً لدى زملائه المساجين لدرجة أن مأمور السجن فتح جميع الزنزانات وأخرج جميع السجناء إلى الساحة لكي يودعوا ديبس؛ لقد صفقوا وهتفوا جميعاً عندما حصل على حريته.

كما إننا نحتاج إلى فيلم عن إضراب عام 1912 لعمال النسيج في لورنس ويا له من حدث مذهل. لكن كان مذهلاً لأن الكثير من الإضرابات تخسر ولكن هذا الإضراب انتصر. لقد كان إضراباً لعمال متعددي الثقافات وكانوا يتحدثون 12 لغة مختلفة، ولكنهم اجتمعوا معاً، وتحدوا شركات النسيج والشرطة التي أرسلت إلى سكة الحديد لمنع أطفال العمال من المغادرة. الشرطة هاجمت النساء والأطفال في محطة القطار لأنهم لم يكونوا يريدون للأطفال المغادرة والأمن، لأن الشرطة كانت تريد تجويع المضربين وهو ما قد يصبح أقل احتمالاً للحدوث إذا كان أطفالهم في أمان. ولكن المضربين صمدوا وساندهم اتحاد العمال العالمي وانتصروا في النهاية. وخرجت أغنية «خبز وورد». لقد كان حدثاً مدهشاً ورائعاً.

هناك أيضا مذبحة لودلوو، التي حدثت خلال إضراب عمال الفحم في ولاية كولورادو في 1913-1914. لقد كان واحداً من أشد الإضرابات دموية ودراماتيكية في تاريخ أمريكا ضد أعمال روكفلر. ليس من السهل إنتاج فيلم عن أعمال روكفيلر.

أحد أبرز زعماء ذلك الإضراب كانت مذز جونز (1837-1930)Mother Jones وهي امرأة كان عمرها 83 عاماً وكانت تعمل في تنظيم العمال في ولايتي ويست فرجينيا وبنسلفانيا. قادت مذز جونز الأطفال في زحف من بنسلفانيا إلى نيويورك لمواجهة الرئيس ثيودور روزفلت، لأن هؤلاء الأطفال كانوا يعملون في مصانع النسيج وأعمارهم تتراوح بين 11-12 عاماً.

لقد حصلت على موافقة أولياء أمور هؤلاء الأطفال وقادتهم في رحلة طويلة إلى نيويورك، حيث كان روزفلت يقضي عطلته الصيفية.

لقد وقفوا أمام منزله وهم يرفعون لوحات كتب عليها «نريد وقتاً للعب». هل تم إنتاج فيلم عن مذز جونز؟ لقد كانت في 83 من العمر عندما قبض عليها الحرس الوطني في ولاية كولورادو وألقي بها في السجن، ومع هذا خرجت لتقود النساء في إضراب في مدينة ترينيداد في ولاية كولورادو.

ولكن بالطبع تم إنتاج أفلام سينمائية ووثائقية جيدة، ولكن أنا أتحدث أيضا عما لم تنتجه هوليوود. هناك أفلام وثائقية مدهشة خرجت في السنوات 10-15 الأخيرة. ولكن مثل هده الأفلام يجب أن تناضل بقوة لكي تجمع المال ومن تم تناضل وتناضل أكثر لكي يتم توزيعها لكي يشاهدها الناس.

هناك نجاحات هائلة في مجال هذه الأفلام مثل فيلم مايكل مور «روجر آند مي» (Roger and Me)، الذي شاهده عشرات الملايين، وهذا أمر مدهش.

ولذلك فإن الاحتمال موجود وربما يجب علينا أن نلعب مع النظام بطريقة مثل حرب العصابات لكي ننجح في إنتاج فيلم بصورة مخاتلة ويتم عرضه خارج مؤسسة هوليوود. قد ننجح أحياناً في دس فكرة معينة وتمريرها على نظام هوليوود في لحظة ننجح فيها على جعلهم ينسون من هم وماذا يعملون من أجله.

لقد شاهدنا أفلاماً عن كريستوفر كولومبس، ولكنني لا أذكر أي فيلم كشف صورة كولومبس الحقيقية، أي رجل تحكمه الأخلاق الرأسمالية المتوحشة. هل ستنتج هوليوود فيلماً عنه يهون من الأخلاق الرأسمالية في قتل الناس من أجل الذهب، وهذا ما كان يفعله كولومبس والإسبانيون؟

يمكن إنتاج فيلم عظيم وأحد الشخصيات المهمة فيه قد يكون الأسقف "بارتولوميه دو لاس كأساس" الذي فضح ما فعله كولومبس في مجلدات. "لاس كأساس"، كان شاهد عيان على ما كان يحدث، ويمكن أن يكون هناك مشهد في الفيلم عن النقاش العظيم الذي جرى أمام الهيئة الملكية الإسبانية في عام 1560 عن شرعية احتلال أراضي الهنود الحمر. ذلك النقاش العظيم كان بين "لاس كأساس" وسيبولفيدا، وهو راهب آخر جادل أن الهنود ليسوا بشراً، ولذلك يمكن صنع أي شيء بهم.

هناك أيضا قصة إبعاد هنود الشيروكي قسراً من الجنوب الشرقي عبر «تريل أوف تيرز» (درب الدموع) بحسب أوامر رئيسنا البطل أندرو جاكسون. أنا لم أتعلم في المدرسة أن جاكسون كان عنصرياً وقاتلاً للهنود، وأنه أيضا وقع على أمر طرد الأمريكان الهنود من جنوب شرق الولايات المتحدة عبر الميسيسيبي. لقد كان ذلك تطهيراً عنصرياً بحجم ضخم: زحف الجيوش الأمريكية عبر القارة لطرد الهنود من أراضيهم وحشرهم في منطقة صغيرة في ولاية أوكلاهوما وهي ما تمت تسميتها لاحقاً بـ المقاطعة الهندية. ولاحقاً عندما اكتشف النفط في تلك المقاطعة، تم غزو تلك المنطقة مجددا وعندها لم يعد اسمها «المقاطعة الهندية» مطلقاً. هذا حقاً وبالفعل تطهير عرقي.

لا يوجد فيلم يعرض قصة «الشيروكي» الذين هُجروا في «تريل أوف تيرز» (درب الدموع)، أي قصة 16،000 شخصاً هندياً أحمر نزحوا قسراً من بلادهم نحو غرب أمريكا ما أدى إلى مقتل أربعة آلاف خلال هذا النزوح، بينما كان الجيش الأمريكي يدفعهم بعنف والرؤساء الأمريكان يثنون على ما كان يجري.

وبالطبع، هناك أيضا قصة السود في الولايات المتحدة التي أصبحت متوافرة مؤخراً من وجهة نظر هؤلاء الناس السود. لدينا العديد من الأفلام عن حركة الحقوق المدنية حيث شاهدنا مقاطعة حافلات مونتغمري من وجهة نظر الممثلة البيضاء سيسي سباسيك.

كما شاهدنا قصة قتل 3 نشطاء حقوقيين من العمال في ميسيسيبي في عام 1964، من وجهة نظر الـ إف بي آي، والذين كانوا أبطالا لهذا الفيلم ولكن أي شخص كان في ميسيسيبي عام 1964، ومنهم أنا وزوجتي بكل تأكيد كنا نعرف أن الـ إف بي أي كانت هي العدو. الـ إف بي آي، كانت تشاهد الناس وهم يضربون بعنف ولكنها كانت صامتة وغائبة عندما احتاجها هؤلاء الناس لحمايتهم من القتل.

وفي هذا الفيلم الهوليوودي أصبحوا أبطالاً. نحن نريد أن نشاهد قصة حركة الحقوق المدنية كما يرويها الناس السود وقصة ما جرى في الميسيسيبي من وجهة نظر المناضلة الحقوقية السوداء فاني لو هامر.

أريد أن أقول شيئاً عن الحرب الأهلية. الحرب الأهلية هي مجدداً واحدة من «الحروب الجيدة»، حيث تم تحرير العبيد خلالها، ولكن الأمر ليس بتلك البساطة.

هناك عامل الطبقة بخصوص من تم تجنيدهم ومن لم يتم تجنيدهم، من ربحوا أموالاً هائلة بسبب الحرب الأهلية ومن دفعوا مالاً كبديل عن التجنيد، وما جرى للهنود.

أعتقد أن هناك الكثير من العمل التاريخي الذي يجب إنجازه والعديد من الأفلام التي ينبغي إنتاجها.

إذا تم إنتاج مثل هذه الأفلام عن الحرب ووصلت إلى الناس، وأيضاً أفلام عن تاريخ الكذب الحكومي والمعاهدات المنتهكة والعنف الرسمي. إذا تم إنتاج أفلام عن هذه الحكايات التاريخية، قد نحصد بالفعل جيلاً جديداً. كأستاذ وكاتب هذا ما يهمني.

أنا لست مهتماً في إنتاج كتب فحسب، كما إنني لست مهتماً بإعادة إنتاج فئة بعد فئة من الناس الذين يتعلمون ثم ينجحون في الحياة ليحصلوا على مواقع في المجتمع تعوّدهم على الطاعة العمياء للأخ الأكبر.

الشيء الواجب علينا كمبدعين، سواء كنا نكتب أو ننتج أفلاماً أو نخرج أفلاماً أو نعزف موسيقى أو نمثل أو مهما كان دورنا، يجب أن لا يكون «فقط» أن نجعل الناس يشعرون بالسعادة والإلهام، ولكن أيضا أن نعلم جيلاً جديداً هذا الشيء نفسه: «تغيير العالم».


تم غلق التعليقات على هذا الخبر