عزمي بشارة: جاهل ومجحف من لا يرى الفرق بين حكم مبارك ومصر اليوم

2012-12-1 | د. عزمي بشارة عزمي بشارة: جاهل ومجحف من لا يرى الفرق بين حكم مبارك ومصر اليوم

جاهل ومجحف من لا يرى الفرق بين النقاش السياسي الإعلامي والشعبي الحر الدائر حاليا في تونس ومصر وبين حالة القمع والتملق والمراءاة التي كانت سائدة في الإعلام وفي المجتمع السياسي العلني في البلدين.

وحتى بعض الصحفيين الذين يتحدثون بما يتجاوز حدود اللياقة كانوا لا ينطقون باسم الرئيس أو غيره من "أولي الأمر"، إلا بعد إلف ديباجة تملق، فحرية التعبير من أهم انجازات الثورة ويجب تطويرها والحفاظ عليها.

لكننا نذكر بعض الإعلاميين أن صراحتهم الحالية هي بفضل نظام ما بعد الثورة على عيوبه (الذي ما زالت دينامكية تطويره فاعلة) وليس بفضل جرأتهم أو شجاعتهم. فقد غابت هاتان الصفتان حين احتاجهما قول الحقيقة.

أما الآن، فالصراحة ممكنة من دون شجاعة، وهي ممكنة في صريح الكذب والصواب. ومن هنا، فليس كل من يرفع صوته الآن جريئا، وهو ليس بالضرورة على حق. قد يكون على صواب وقد يكون مخطئا. والحكمة في التوصل إلى الأجوبة في الحوار الديمقراطي

والنقد، سواء أكان بناء أو غير بناء، حق ضروري وشرعي ومحايد بخصوص مضمون النقد ذاته. وهو ليس منة من أحد. ولكن لا يجوز إنكار أن حق النقد هذا هو من إنجازات الثورة، أو ممارسته والادعاء أن غير قائم.

ولا يصح أن يعتقد الناقد أن حقه في النقد يتضمن بالضرورة أن نوافقه على رأيه، فهذا ليس من حقوقه.. ومن واجب الدولة أن توفر له الإمكانية لإقناع الناس، حتى لو لم تتفق معه.

لقد امتدت الجرأة لانتزاع هذا الحق حتى إلى الدول التي لم تصلها الثورة، لأن روح الثورة وقوة فكرة الرأي العام قد وصلتها.

من ناحية أخرى، هنالك من يستنتج مما يعتبره هو "انفلات النقد"، أنه يجب تقييد حرية التعبير. وهذه خطيئة وليس خطأ فحسب.

فحرية التعبير دفع ثمنها ثوار من القوى كافة وليس من الحاكمين حاليا وحدهم. إنها حق وليس منة. ومن يريد الديمقراطية عليه أن يعرف أن طريقه هي الإقناع بالحجة أو بالمصلحة أو بغيرهما، ولكن ليس بالقوة، وليس في تحديد حرية الآخرين في التعبير.

وعلى من يحكم في نظام ديمقراطي ليس فقط أن يحترم حرية التعبير، بل أن يوفر للمعارضة الأدوات لكي تنشر أفكارها. لأن وسائل إعلام الدولة ليست ملك النظام، بل ملك الشعب، ـ وليست أداة لنشر أفكاره فقط، وينطبق هذا على حق التظاهر وغير ذلك.

* الفرق بين النقد والتشهير:

 وقد دأب المفكرون منذ قرون على تبيين الفرق بين النقد والتشهير. ويتضح الفرق في الدول الديمقراطية بالممارسة، عبر رسم الحدود بينهما بقرارات المحاكم. ولكن لا شيء يمكنه أن يستبدل المستوى الثقافي للمجتمع في وضح الحد بينها.

ففي المجتمعات التي تضعف فيها الثقافة الديمقراطية غالبا ما يتحول النقد غير القادر على المحاججة وتقديم الأدلة إلى الشتم والتجريح، وبث الاتهامات الخطيرة غير المثبتة، وهذه الأخيرة تشهير.

 وغالبا ما يقود التحريض ضد رأي أو موقف إلى التشهير بحامله، ولذلك نقول التحريض ليس خلافا في لرأي.

 التشهير والشائعة غير المبنية على أدلة ممارسة مجتمعية قامت أنظمة الاستبداد بتغذيتها. فقد قامت الأخيرة بعملية "قتل شخصية" (character assassination) لخصومها بفبركة التهم والحكايات السهلة التداول بين الناس، وتقوم على ذلك أجهزة ذات خيال شيطاني، وأقلام شبه صحفية جاهلة أو منزوعة الخيال والضمير.

ومؤخرا ساهم في ذلك "الأنترنت"، وهو يسهل الوصول إلى المعرفة ويشيعها، كما قد يكون أداة تجهيل. وغالبا ما يستخدمه الجهلة أو المغرضين كمجمع نفايات.

 ليس التشهير رأيا ولا نقدا، بل هو فعل غير أخلاقي، وقد يكون فعلا جنائيا إذا كان موجها لإلحاق الأذى، وإذا ألحق الأذى فعلا حتى من دون قصد أيضا. إنه جريمة أخلاقية وجنائية.

التشهير هو اتهام شخص بتهم باطلة من دون إثبات ولا أدلة بهدف تجريحه والنيل منه ومن سمعته، أو من مصداقيته. أو توجيه تهم أخلاقية وسياسية من النوع الذي يمس بسمعته في مجتمعه الذي يعتبر هذه الاتهامات مشينة.

الاتهام قبل تقديم الدليل هو وظيفة النيابة في محكمة في دولة تحترم نفسها. ويفترض أن النيابة لا تفعل ذلك إلا إذا توفرت لديها الأدلة التي تقدمها للمحكمة. وحتى في حينها يكون المتهم بريئا إلى أن تثبت إدانته.

ومن هنا تتهم النيابة ذاتها بالتشهير وتطالب بالتعويضات حين توجه التهم بهدف النيل من سمعة إنسان، أو بسبب آراء مسبقة حوله أو للون جلده أو لانتمائه القومي أو المذهبي.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر