آخر الأخبار

"الإسلام..الثورة..الديمقراطية" و"الضد النوعي" (2)

2012-10-6 | إبراهيم العسعس

الضد النوعي، نماذج تاريخية:

الضد النوعي كطريقة في التعامل مع المخالف لإجهاض مشروعه، أو للتشويش عليه قديمٌ قِـدم الصراع، وسواء سُمي ضداً نوعياً أو غير ذلك، فالعبرة بالمعاني لا بالألفاظ والمباني.. فهو موجود ويمارسه البشر في صراعهم. وقد رأيت أن ألقي الضوء على نموذجين مارسهما خصوم المشروع الإسلامي الأول... 

النضر بن الحارث وأساطير الأولين:

   النضرُ بن الحارث أحد صناديد قريش، وكان يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينصِب له العداوة، وكان قد قدم الحيرة، تعلَّم بها أحاديثَ ملوك فارس، وأحاديث رستم وأسفنديار، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس مجلساً، فذكَّر بالله وحدَّث قومَه ما أصاب مَن قبلهم من الأمم، مِن نِقمة الله خَلَفَهُ في مجلسه إذا قام، ثم يقول : أنا والله يا معشر قريش أحسن حديثاً منه. فهلمُّوا فأنا أحدثـكم أحسنَ من حديثه، ثم يحدثهم عن ملوك فارس ورستم وأسفنديار، ثم يقول : ما محمد أحسن حديثاً مني، قال : فأنزل الله تبارك وتعالى في النضر ثماني آيات من القرآن... منها قوله تعالى : " وقالوا : أساطيرُ الأولين اكتتبها فهي تُملى عليه بكرة وأصيلاً.. ".

  فهذا الذي كان يفعله النضر بن الحارث في حقيقته (ضدٌّ نوعي) يحاول من خلاله النضر صَرفَ الناس عن الاستماع للرسول صلى الله عليه وسلم بمادة يدَّعي أنها تشبه القرآن الذي يُـقدِّمُه الرسولُ صلى الله عليه وسلم، وهذا هو الضد النوعي بعينه مبني على التشابه الشكلي كما يراه من يُقدِّمُه...

    قال الله تعالى: "وقالت طائفةٌ من أهل الكتاب : آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وَجْهَ النَّهارِ، واكفروا آخره لعلهم يرجعون" (آل عمران:72).

   هي طائفة من اليهود، وهم ملوك في صناعة (الضد النوعي)، اخترعت هذه الطريقة، قالوا: "تعالوا نؤمن بما أنزل على محمد وأصحابه غدوة، ونكفر به عشية حتى نلبس عليهم دينهم لعلهم يصنعـون كما نصنع فيرجعون عن دينهم".

إنه شكل من أشكال (الضد النوعي) لأنهم يريدون أن يفسدوا القضية من داخلها وليس عن طريق المواجهة الواضحة، والعداء الصارخ، فهم عندما يسلمون ثم يكفرون سيقول المسلمون: لولا أنهم وجدوا في الدين ما يعيب لما تركوه وهم أهل الكتاب أي أنهم أصحاب خبرة !

ولا شك في أنَّ هذا أبلغ في التأثير وزحزحة المسلمين عن دينهم من لو أنهم بقوا يجادلون من الخارج، إنهم هنا يستغلون قاعدة طبيعية في البشر، وهي أن الإنسان يصدق من لبس ثوبه، خاصة إذا كان صاحب تاريخ يدعو إلى تصديقه واتباعه، مثل هؤلاء فقد كان العرب يشعرون بنوع من التقدير لأهل الكتاب كونهم من النخبة المثقفة بلغة اليوم.

ويبدو لي أن هذا هو السر في التعبير عنهم: بأهل الكتاب... فلم يقل طائفة من اليهود مثلاً لأنه يريد أن يؤكد على الفكرة الأساسية في لعبتهم وعلى البعد النفسي في اللعبة، فهم أصحاب خبرة ومثقفون فإن تركوا فلأنهم كشفوا ما لم نستطع كشفه نحن.

إن فكرة الضد النوعي قائمة على ضرورة أن يكون البديل مشابه وصاحب إنجاز مما يؤدي إلى تصديقه، ومن ثــَـمَّ تحقيقه القصد من الرهان عليه.

مسجد الضرار: كان مثال النضر بن الحارث عن إيجاد الضد النوعي في المضامين، والمثال السابق كان عن إيجاد الضد النوعي في الأشخاص... أما هذا المثال فهو في إيجاد الضد النوعي في المؤسسة... هنا حاول المنافقون، تلاميذ اليهود، إيجاد مؤسسة (مسجد) لجذب المسلمين إليه، أو على الأقل لجذب الفئة التي لم تحسم أمرها بعد، أو جذب ضعاف الإيمان الذين لم تستقر حقيقة الإيمان بعد في قلوبهم...

  لاحظ أهدافهم من وراء تأسيس مسجدهم: "والذين اتخذوا مسجداً: ضراراً، وتفريقاً بين المؤمنين، وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله من قبل، وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى، والله يشهد إنهم لكاذبون" (التوبة:107).

إن هذه الآية تختصر بلغة رائعة بليغة أهداف الضد النوعي، وليس هنا محل تفصيل، ولكننا نكتفي بالإشارة إلى ما يلي:

أن الأمر هنا لا يقتصر على المسجد، فقد يكون الضد النوعي أي مؤسسة تبنى لتـفسد على الفكرة التي يتوقع أن تقدم شيئاً مستقبلها..

أن الذي يستحق أن نقف عنده هو أن الله سبحانه يدرب المسلمين على التفطن لمثــل هذه  الأساليب، ويعلمهم كيف يدركون دوافع الأمور بالنظر في العلامات الظاهرة ولا يكونون ممن يُستــغــفَــل، وأن يكونوا أعقل من أن يُخدعوا..

   هذه لمحات عن تاريخ الضد النوعي، إذ هو قديم قدم الصراع، ولا يحتاج لدراسات كي يصل إليه الناس، فهو إنتاج مصنع الخبث والدهاء، وإن كانت الدراسات تصقله وتُـشيطنه فترفعه إلى مستوى يستعيذ منه الشيطان نفسه، وفي المقابل لا يوجد في الطرف المقابل تطور في مستوى الوعي يرتقي إلى مستوى التطور الشيطاني المشار إليه. 

  


تم غلق التعليقات على هذا الخبر