المتظاهرون السوريون يطلقون قوة "المعارضة الخلاقة"

2012-2-21 | المتظاهرون السوريون يطلقون قوة

بقلم: ديفيد فيث (DAVID FEITH)، "وول ستريت جورنال"، 17/02/2012

تزداد أعمال الذبح التي يرتكبها نظام بشار الأسد ويتصاعد معها الأمل بنجاح الثورة السورية في إسقاطه، من الآن فصاعداً، سيتوقف هذا الإنجاز بشكل أساسي على قوة "الجيش السوري الحر" وتصميم صانعي السياسة في عواصم مثل واشنطن وباريس وأنقرة.

لكن لم يكن الدبلوماسيون ولا حتى المنشقون عن الجيش هم من أشعلوا فتيل الانتفاضة منذ 11 شهراً، بل كانت الانتفاضة من صنع 15 طفلاً، لم يكن بعضهم يتجاوز التاسعة من العمر، في مدينة درعا الجنوبية الغربية النائية. في شهر مارس الماضي، استوحى هؤلاء الأولاد من أحداث الانتفاضات الحاصلة في تونس ومصر وكتبوا على جدران المدارس شعارات معادية للأسد: "نريد إسقاط النظام الفاسد"، "بشار كلب إيران"، "حرية، حرية!"… لهذا السبب، اعتُقل هؤلاء الأولاد وتعرضوا للتعذيب، ما أشعل احتجاجات امتدت سريعاً من درعا إلى دمشق وحمص ومدن أخرى.

سرعان ما واجه الأسد تحدياً غير مسبوق يطرح خطراً على نظامه بسبب مشاعر الغضب الشعبية بعد عقود من الحكم الدكتاتوري. لم يكتفِ آلاف المتظاهرين بتحدي قناصة النظام ودباباته على مر الأسابيع، بل أطلق الناشطون سلسلة من النشاطات الذكية التي تضاعف قوتهم.

لقد اكتشفوا معنى ما كان يسميه المعارض التشيكي الراحل فاتسلاف هافل "قوة الضعفاء"، فصبغوا النافورات العامة في دمشق وحماة باللون الأحمر الذي يشير إلى إراقة الدم، وكتبوا شعارات معادية للنظام على مئات الكرات الصغيرة ورموها في شوارع دمشق.

كذلك، نظموا تظاهرات وهمية من خلال تسجيل المسيرات في إحدى المدن وبثها عبر المكبرات الصوتية المخبأة على أسطح المباني في مدينة أخرى. وهكذا أجبروا أتباع الأسد على تمضية وقت طويل في تنظيف النافورات وجمع الكرات من الأرصفة ومطاردة المحتجين الوهميين في الشوارع.

على مواقع الإنترنت، نشر الناشطون رسالتهم عبر ابتكارات ساخرة مثل "الأحمق الكبير: يوميات دكتاتور صغير"، وهو مسلسل أسبوعي يظهر على موقع يوتيوب من بطولة دمية تمثل الأسد الذي يعاني تعذيب الضمير ويُجبَر على الظهور في برنامج ألعاب بعنوان "من سيقتل المليون؟". تسخر فيديوهات أخرى من إصرار الأسد على فكرة أن "المندسين" الخارجيين هم من يقودون الثورة. في أحد الفيديوهات، يظهر طفل وهو يرتدي زي الثوار ويتفاخر بأنه "أصغر مندس" في سورية كلها.

كذلك، ابتكر الناشطون صفحات ساخرة على موقع "فيس بوك" وتحمل إحداها عنوان "مغسل ومشحم حمص الدولي للدبابات"، في إشارة إلى ازدهار هذا القطاع بسبب احتلال الجيش للأحياء المدنية.

كتب هافيل، الذي كان كاتبا مسرحيا قبل أن يتحول إلى رجل دولة، أن الحكومات القمعية تطلب من شعبها "العيش في كذبة"، وتقبُل الإملاءات البيروقراطية الاستبدادية، والمشاركة في انتخابات مزيفة، وتعليق صور زعيمها "المحبوب". لكن يجب ألا يقبل الأفراد بتلك الكذبة بحسب رأي هافيل.

هنا تكمن قوة الشعب: عندما يرتكز النظام على كذبة، يمكن أن يتجرأ كل من يتجاوز الحدود المسموحة له وكل من يتمتع بالشجاعة الكافية لمعارضة النظام على إنكار تلك الكذبة وتهديدها بالكامل. وتشكل المبادرات والابتكارات أدوات فاعلة ضد دولة الشرطة التي تطالب شعبها بالانصياع التام.

لنفكر للحظة بأسياد سورية في إيران حيث تحدت "الثورة الخضراء" في عام 2009 كذبة «الديمقراطية الإسلامية» في طهران من خلال نزول الحشود إلى الشوارع وإطلاق موجة قوية من المعارضة الخلاقة.

في البداية، انتشر اللون الأخضر في كل مكان (كونه يرمز إلى لون الإسلام الذي خطفه الملالي)، فظهر هذا اللون على اللافتات خلال الاحتجاجات الحاشدة، وعلى الأساور التي وضعها منتخب كرة القدم الوطني، وعلى وشاح المخرج جعفر بناهي.

في عام 2010، طُرد بطل في كمال الأجسام من المنافسة لأنه طلى كامل جسمه باللون الأخضر، وهكذا اجتاحت مظاهر التحدي المنظم الحياة الإيرانية، فلطخ الناشطون في "الثورة الخضراء" الأموال (حيث يظهر وجه آية الله الخميني) بشعارات مثل "الموت للدكتاتور" أو "أنهوا عمليات الإعدام… أوقفوا الدكتاتورية!".

عندما اعتقلت السلطات الإيرانية الطالب الناشط مجيد توكلي ونشرت صورة له وهو يرتدي حجاب امرأة (إما لإحراجه وإما لكشف محاولة هروبه عبر التنكر)، علّق مئات الناشطين في "الحركة الخضراء" على الموضوع عبر موقع "تويتر" ووزعوا صوراً لهم وهم يتنكرون بالطريقة نفسها.

في الجامعات اليوم، يكرّم أعضاء "الحركة الخضراء" زملاءهم المعتقلين أو المفقودين من خلال تخصيص مقاعد فارغة أو وجبات طعام لهم في قاعات الأكل.

قد يكون المرح أحد أشكال التحدي فعلاً، وهو ما قد يفسر إقدام بعض السوريين على الرقص في جنازات ضحايا الأسد، ولكنه لن يكون كافياً على الإطلاق لتحدي القمع.

صحيح أن هافيل ساهم في تنظيم "ثورة مخملية" ناجحة في بلده، لكن كان لا بد من تضامن القوى المختلفة الداخلية والخارجية لإسقاط الاتحاد السوفيتي. هكذا سيكون الوضع في سورية وفي إيران إذا قرر الغرب مساعدة كل من تجرؤوا على إتباع مسار "المعارضة الخلاقة".

التعليقات

Manuel

It's a real pelasrue to find someone who can think like that


Vandeson

I might be beating a dead horse, but thank you for positng this!


tmdhqsr

aCcrtk jvvvnncmijnc


خالد

صدر كتاب هافيل بعوان "قوة المستضعفين" باللغة العربية في دار العربي للنشر والتوزيع في الشهر الماضي http://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=22042012&id=a6e3c6c0-f35c-44e6-9266-e01c78afcda0