آخر الأخبار

مصير الوساطة التركية في الملف النووي الإيراني

2010-5-4 | علي حسين باكير مصير الوساطة التركية في الملف النووي الإيراني

تتميز السياسة الخارجية التركيّة الجديدة بأنها تحافظ على علاقات متوازنة مع عدد كبير من الدول ذات المصالح المتضاربة على المستوى الإقليمي والدولي، كالعلاقة مع الولايات المتّحدة وإيران على سبيل المثال.

من إيجابيات هذه السياسة الخارجية أنّها تتيح لتركيا لعب دور مميز وفريد في المنطقة، والعالم يقوم على الوساطة بين الأطراف المختلفة لحل النزاعات بالطرق السلمية والدبلوماسية وصولا إلى "صفر نزاعات".

لكنّ الملاحظ ـ إلى الآن ـ أنّ هذه السياسة لم تؤد دورها الفاعل سواء في الملف السوري-الإسرائيلي، أو الإيراني-الأمريكي، وهو ما يثير العديد من التساؤلات حول مدى قدرة تركيا على متابعة سياسة خارجية فاعلة ومؤثّرة في المنطقة، وبالتالي حول مدى قدرتها كقوة إقليمية على التأثير في مجريات التحولات في المنطقة في ظل حقيقة "صفر نتائج" التي توصّلت إليها الوساطات التركية.

ففي ملف المفاوضات الإسرائيلي-السوري، قام الإسرائيليون بعرقلة الجهود التركية التي كادت أن تثمر في اللحظات الأخيرة وتؤدي إلى مفاوضات مباشرة بين تل أبيب ودمشق، وذلك عندما شنت الحكومة الإسرائيلية الماضية عملية حربية على غزّة لتنسف المجهود التركي لتحقيق الاستقرار في المنطقة وتضعه في موقف حرج وتعيده إلى نقطة الصفر. وقد أدّت هذه الحرب إلى توتر في العلاقات التركيّة-الإسرائيلية انعكس بشكل سلبي على إمكانية تقبّل تل أبيب لأي وساطة تركية مستقبلية.

اليوم تخضع الدبلوماسية التركية والسياسة الخارجية للبلاد لامتحان آخر في الملف الإيراني-الأمريكي حول الأزمة النووية. وكما إسرائيل، فقد رفضت إيران في السابق الوساطة التركيّة عدة مرات، منها في آذار/مارس 2009 وأيضا في كانون أول/ ديسمبر 2009، عندما قال رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان أنّ تركيا ملتزمة بالعمل على ضمان ألا تتمكن طهران من تطوير أسلحة نووية، وأنه يجب حل هذه المشكلة بالطرق الدبلوماسية.

لكنّ إيران عادت وقبلت مؤخرا بالتفاوض على الاقتراح، بأن تكون تركيا محطة لتبادل اليورانيوم مع الغرب، وفق اقتراح الأمين العام السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية محمد البرادعي الذي تم التفاوض على أساسه بين المجتمع الدولي وإيران.

وتتجدد المساعي الآن من قِبل الخارجية التركيّة لمحاولة حل الأزمة النووية قبل أن تتفاقم الأوضاع مع فرض المزيد من العقوبات الدولية على طهران، لكن الموقف التركي يعاني من بعض المشاكل حاليا فيما يتعلق بدوره المفترض كوسيط، منها:

1- الأطراف الدولية لا تثق بإيران، فقد مضت عدّة سنوات ظلّت إيران خلالها تماطل بدعوى التفاوض إلى أن وصل برنامجها النووي إلى مرحلة متقدّمة اليوم. وسيكون من الصعوبة جدا أن تقنع تركيا الغرب بأنّ إيران جادّة هذه المرّة في مسألة التفاوض وأنها تريد التوصل إلى حل حقيقي، وليس تضييع الوقت للتهرب من العقوبات أو مواصلة برنامجها النووي.

2 - هناك شكوك دولية واسعة تجاه طبيعة البرنامج النووي الإيراني، الذي يُعتقد بأنه برنامج عسكري، هدفه الوصول إلى قنبلة نووية وليس الوصول إلى الاستخدام السلمي للطاقة الذريّة. ولم تقدّم طهران إلى الآن ما يكفي من الأدلة لتثبت بأنّ برنامجها سلمي. بل على العكس قامت بالعديد من الخروقات الخطيرة وأنشأت العديد من المنشآت بشكل سرّي كمنشاة قم، كما قامت برفع نسبة تخصيب اليورانيوم إلى 20%، وهي تنفق أموالا طائلة على التسلّح وتحمّل العقوبات، وكلّها خطوات توحي بانّ البرنامج غير سلمي. وسيكون على تركيا أن توضح هذه المسالة عند الشروع في أي عملية وساطة أو تفاوض لتطمين الغرب، وهو أمر في غاية الصعوبة.

3- تتطلب عملية "الوساطة" و"المفاوضات"، أن تكون تركيا على مسافة واحدة من الطرفين. لكنّ الموقف الرسمي المعلن إلى الآن هو الرفض القاطع لفرض المزيد من العقوبات الدولية على إيران، وفي هذا انحياز واضح إلى إيران.

يمكن تفهّم الموقف التركي بسبب طبيعة العلاقات الاقتصادية والتجارية العميقة مع إيران، ولكون الأخيرة تزوّد أنقرة بالطاقة وللمصالح المشتركة الكبيرة بينهما. لكنّ الموقف التركي سيكون في غاية الصعوبة إذا ما نجحت أمريكا في إقناع أعضاء مجلس الأمن الدائمين، كروسيا والصين أو غير الدائمين كالبرازيل. عندها سيكون على تركيا أن تعيد حساباتها لتوازن بين علاقاتها الثنائية مع إيران والتزاماتها الدولية كعضو غير دائم في مجلس الأمن.

لقد قبلت الدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتّحدة، الوساطة التركية مرات عديدة في هذا الملف، لكنّ الطرف الإيراني هو الذي كان ينسفها بعدم لقبول بها. ومن المستبعد أن يقوم المجتمع الدولي الآن بالسماح بعملية تفاوض جديدة دون أفق زمني و دون هدف محدد قبل فرض المزيد من العقوبات، وسيكون على الأتراك التحضير لهذه المرحلة الصعبة التي قد يترتب عليها نتائج سلبية خاصّة تجاه العلاقة مع الحليف الأمريكي.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر