'منتدى المفكرين المسلمين'

2010-2-6 | إبراهيم العسعس 'منتدى المفكرين المسلمين'

عُقِد في التاسع عشر والعشرين من الشهر الماضي في الكويت أول لقاء لمجموعة من المفكرين للتباحث في تأسيس منتدى للمفكرين المسلمين. وكان ذلك بدعوة وإشراف من مركز أبعاد للدراسات والتدريب في الكويت. وفيه تمَّ الاتفاق على المحاور العامة التي تشكل الرؤى والأهداف للمنتدى. وقد انفض اللقاء على موعد بلقاء ثانٍ تُستوعب فيه أعداد أكثر من مفكري العالم الإسلامي، بعد أن تكون خطوات التأسيس قد أصبحت أمراً مقضياً، والرؤى والأهداف قد أخذت حقها في التبلور والرسوخ.

والحقيقة أنني لا أريد التحدث عن المنتدى من خلال ما ذكر في لائحة الدعوة، أو ما عرض في اللقاء الختامي، ولكني سأحاول أن أفصِّل قليلاً، من خلال الرؤية الخاصة، والأمل الذاتي الذي انطوى عليه الفؤاد سنوات عديدة.

1) ـ هناك حساسية لدى كثير من طلبة العلم تجاه المفكر، وما ينتجه المفكر، وحجتهم لها وجه في كثير من الحالات، إذ إنهم يعترضون ـ أولاً ـ على قائمة طويلة وعريضة ممن ينتسب إلى الفكر، ويسمى بالمفكر الإسلامي، وليس له حظ من هذا الوصف إلا الكلام والمداد، فهو بعيد عن الإسلام وقواعده، ويصدر فيما يصدر عنه من خيالات يلبسها ثوب الإسلام، ويكيفها بسوء فهمه أو ظنه تكييفاً مبنياً على جملة هنا وعبارة هناك مما يلتقطه من كلام أكابر العلماء، مبتوراً عن سياقاته، قاصراً عن فهم مراداته، بانياً بذلك نظرية ـ هكذا يحبون تسمية ما تلفظه أوهامهم ـ يريد حمل الأمة عليها، لظنه بأنه أتى بما لم تستطعه الأوائل!

ويعترضون ـ ثانياً ـ على صنف آخر ممن يسمى بالمفكر الإسلامي، ولكنهم طيبون لا يُتهمون، ولهم من الثقافة الإسلامية حظُّ لا بأس به، أرجو أن تعيرني انتباهك، أقول الثقافة الإسلامية، فهو قد مرَّ بالمصنفات، واطلع على كلام الأئمة، وسمع وقـرأ، فهـو يعرف ـ مثلاً ـ أنَّ الأربعين النووية للإمام النووي، بخلاف الصنف الأول الذين قد يظنُّ أحدهم أنها أربعون رأساً نوويةً يبحث عنها البرادعي! يعني هو رشف ولم يتضلع، طاف ولم يتعمق، مرَّ ولم يرسخ!

يقول العلماء أو بعضهم: هؤلاء يتحدثون في الإسلام وليسوا من أهل الفن، ومن تحدث في غير فنه أتى بالعجائب كما قال ابن حجر رحمه الله!

وأقول وبكل صراحة: هذا تخوف صحيح، واحتياط مشروع، والجدال فيه إضاعة للوقت لأنه جدال في المحسوس الملاحظ فالقوم أساؤوا ولا يزالون.

... ولذلك فإن من مسوغات وجود المنتدى أن يجمع المقبولين من أهل الفكر مع المقبولين من أهل العلم ليقول للطرفين: ما عاد لكما عذر في التراشق عن بعد، والاكتفاء بالتصنيف والرد اعتماداً على القيل والقال، وسمعت وظننت. يريد المنتدى أن يسيج جهد المفكر بالعلم المؤصل، وفي نفس الوقت يريد من أهل العلم أن يوسعوا رؤيتهم، بالانتـفاع بما عند المفكر.

يريد المنتدى أن يقول: لا فضل لأحد على أحد، ولكنه التخصص الذي يكيف قدرات الإنسان ويوجهها باتجاه معين، فيسبق غيره في هذا الاتجاه وحسب، في حين يسبقه الآخر في اتجاه آخر، ولقد قال الفقهاء قديماً للمحدثين: أنتم الصيادلة ونحن الأطباء. ولقد صدقوا وبالعدل نطقوا. ولا يزال يرن في أذن التاريخ قولهم: فلان عقله أكبر من علمه، وفلان علمه أكبر من عقله. فلماذا يريد بعضهم أن يكون فاكهة العام كله؟! وإن أمكن فسيكون انتفاخاً بلا مضمون، وشيئاً بلا طعم أو رائحة، تماماً كفاكهة الصيف التي ينتجونها في البيوت البلاستيكية، وينفخونها بالهرمونات المسرطنة، وهكذا فنحن لا نريد علماء أو مفكرين مهرمنين مسرطنين تربوا في البيوت البلاستيكية!

2) ـ عندما أخبرت أحد الأصدقاء من طلبة العلم عن تأسيس المنتدى أخذه العجب كل مأخذ، وقال لي: معقول، (مش ممكن)، المفكرون نخبويون بعيدون عن الناس، أظنُّ ـ والكلام لا زال لصاحبي ـ أنهم لا يحبون الجلوس حتى مع بعضهم!!

وبصراحة مرة أخرى أقول: صدق صاحبي! فعدد لا بأس به ممن ينتسب إلى الفكر منعزل في صومعته، مقتصر على ما يعرف، لا يختلط بالآخرين، ولا يوسع أفقه ! ولو وقف الأمر عند هذا لقلنا: رجل اختار لنفسه العزلة فهو وما اختار. ولكن المشكلة أنه يكتب ويصدر للناس فكراً صادراً عن أفق ضيق، منعزل لا يتخيل وجود غيره، ظاناً أنه جاز القنطرة، ولذلك فإنك ترى أحدهم ينتفض إن وُجه إليه نقد أو نقض. المشكلة أن عزلته هي التي تكتب له، ويريد بعد ذلك حمل الناس على ما أنتج دون تردد!

إن مثل هذه العزلة ضارة بالمفكر، فالمفكر يحتاج لوسط جماعي يكتسب منه، واستمرار التلقي ضرورة وجود وليس من نافلة الأمور. وكيف يفهم آراء الآخرين، وكيف يستوعب ظروفهم وهو بعيد عنهم جالس في بيته؟!

... يريد المنتدى أن يقول: أيها المفكرون افتحوا نوافذ عقولكم، واستمعوا ـ فقط استمعوا ـ للآخرين. اخرجوا من صوامعكم والتحموا بالحياة، حتى تكون مخرجاتكم نتيجة وعي وإحاطة. ايها المفكرون التـقـوا وتعاونوا، والمنتدى يقدم لكم هذه الفرصة على طبق من الراحة، فقط تعالوا إليَّ وأنا أوفر لكم المحضن، ولنجرب ثم لننظر عما تنجلي.

3) ـ اللقاء مهم، إنه ضرورة لاستيضاح الموقف، ومعرفة ما الذي ينبغي فعله في الوقت الراهن. الناس يتفاوتون في الإطلاع، يتنوعون في الاهتمامات، واللقاء يكمل الصورة، والنقاش يقدم خيارات لما يجب فعله، فقد لا توجد عند الكثيرين فكرة عما يجب أن يفعل.

اللقاء وتبادل المعلومة، وفهم ما يحصل، ومعرفة ما ينبغي فعله يؤدي إلى التنسيق والتسديد والتوعية. واللقاء ـ وهذا من أهم الأهداف ـ يكسر الحواجز بين المفكرين، ويزيل كثيراً من سوء التفاهم الناتج عن المعلومات المقتنصة عن بعد بلا تدقيق أو تحقيق.

... المنتدى مع كل هذا يطمح لدور للمفكرين؛ دور يخرج بهم من ضيق الأنا والعزلة، إلى سعة النحن والاشتباك مع الحياة والناس وهمومهم وقضاياهم. البحث عن دور عادة الأحياء، والمنتدى يطمح أن يشارك المفكرون بدور في صياغة مستقبل الأمة، وصناعة الإرادة العامة للأمة. وفي جعبة المنتدى الكثير ولكنها مقدمة للتعريف نسأل الله أن يسدد ويوفق، ويعين على التعاون والتفاعل.

بالتعاون مع موقع التغيير

www.altaghyeer.com


تم غلق التعليقات على هذا الخبر