فقه التغيير: 'قول على قول' 'الخروج من التيه' (5)

2010-1-27 | إبراهيم العسعس فقه التغيير: 'قول على قول' 'الخروج من التيه' (5)

يقول الله عز وجل: "الرحمن. علَّم القرآن. خلق الإنسان. علَّمه البيان"، (الرحمن: 1 ـ 3).

قال الراغب الأصفهاني رحمه الله تعليقاً على هذه الآية: (... ونبَّه تعالى بنكتةٍ لطيفة على أنَّ الإنسان لا يكون إنساناً إلا بالدين، ولا ذا بيانٍ إلا بقدرته على الإتيان بالحقائق الدينية، فقال تعالى: "الرحمن ... الآيات"، فابتدأ بتعليم القرآن ثم بخلق الإنسان ثم بتعليم البيان، ولم يُدخل الواو فيما بينها! وكان الوجهُ على مُـتعارَف الناس أن يقول: خلقَ الإنسان وعلَّمه البيان وعلَّمه القرآن ... فإنَّ إيجادَ الإنسانِ بحسَب نظرنا مقـدمٌ على تعليم البيان، وتعليم البيان مقدم على تعليم القرآن، لكن لما لم يعد الإنسان إنساناً ما لم يتخصص بالقرآن ابتدأ بالقرآن، ثم قال: "خلق الإنسان"، تنبيهاً على أنه بتعليم القرآن جعله إنساناً على الحقيقة.

ثم قال: "علمه البيان"، تنبيهاً على أنَّ البيان الحقيقي المختص بالإنسان يحصل بعد معرفة القرآن، فنبه بهذا الترتيب المخصوص، وترك حرف العطف منه، وجعل كلَّ جملةٍ بدلاً مما قبلها لا عطفاً، على أنَّ الإنسان ما لم يكن عارفاً برسوم العبادة، ومتخصصاً بها لا يكون إنساناً، وأنَّ كلامه ما لم يكن على مقتضى الشرع لا يكون بياناً) "تفصيل النشأتين: 7".

وأقول: 1) ـ اتفقنا في المقال السابق ـ كما أفترض ـ أنَّ الأمة تعيش مرحلة التيه، وأنَّ أهم معالم هذه المرحلة: حالة الرضى بالذل والظلم والقهر، وحالة الجهل بمفاهيم الدين المُحرِّكة، وممارسة حالةٍ من التدين المنحرف بمفاهيم ميتة قاتلة هي السبب الحقيقي وراء أزمة الأمة، والتي لا تغني عنها مفاهيم التدين الفردي أو مظاهر التدين في باب الشعائر أو بعض السلوكات.

2) ـ وفي التيه وبهذه المواصفات لا يستطيع الإنسان أن يحمل منهج تغيير، ومشروع نهضة، لسبب بسيط هو أنه لا يكون إنساناً في هذه الحالة! ومن لم يكن إنساناً كيف له أن يفكر بالتغيير أو النهضة فضلاً على أن يعمل بهما؟! إنه إنسانٌ ـ وافق الأصفاني على وصفه بالإنسان على مقتضى تعارف الكآفة، أما قضية العقل والشرع فتقتضي أن لا يُسمَّى به إلا مجازاً ـ بلا أحاسيس، بلا شعور بالأزمة، بل إنَّه في أحيان كثيرة يدافع عن الأزمة!!!

3) ـ هذه الحالة لا يستطيع الإسلام أن يُنتج فيها، لأنه لا يمكن أن يعمل في ركام إنسان، أو مع إنسان مجازي على رأي الأصفهاني! الإسلام جاء ليتفاعل مع إنسان جاهز للتفاعل، وإلا فإن النتيجة ستكون مأساة بلا حدود، فإن الأرض غير القابلة لاستقبال الماء لن تَفيد ولن تُفيد، قال الله تعالى تأكيداً لهذا المعنى المهم: "وإذا ما أنزلت سورةٌ فمنهم من يقول: أيكم زادته هذه إيماناً؟ فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً وهم يستبشرون * وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون" (التوبة: 124، 125)، وهذا كما في قوله تعالى: "وننزل من القرآن ما هو شفاءٌ ورحمة، ولا يزيد الظالمين إلا خساراً" (الإسراء: 82). قال ابن كثير تعليقاً على هذه الآيات: "وهذا من جملة شقائهم أن ما يهدي القلوب يكون سبباً لضلالهم ودمارهم، كما أن سيء المزاج لو غُذي بما غذي به لا يزيده إلا خبالاً ونقصاً". نفس المنهج يفعل فعلين؛ فمرة يكون سبباً في الهداية والتقدم، وأخرى يكون سبباً في الضلالة والتأخر!! وهذا دليل على أن العبرة بالمتلقي وقابليته الأساسية للتفاعل، إذ حتى المنهج الإلهي لا ينجح إلا مع الإنسان.

4) ـ والنكتة التي نبَّـه إليها الأصفهانيُّ في غاية الأهمية، فالإنسان لا يكون إنساناً إلا بالدين. ولكننا نعكس فنقول: وكذلك فإن الدين لا يؤدي دوره إلا مع الإنسان. إنَّ الدعوة الإسلامية لم تنجح إلا لأنَّها نزلت على إنسان الجزيرة العربية الذي يمتلك القابليات لتحقيق التغيير والنهضة. فالله أعلم حيث يجعل رسالتَه، يعني على من؟ وفيمن؟ وأين؟ هكذا أفهمها، ولا أحصرها في شخص النبي صلى الله عليه وسلم. ولقد كانت هذه الخيارات الثلاثة الموضوعية أحد أهم أسباب نجاح التغيير على مستوى الدعوة، وعلى مستوى الدولة.

وكان هذا ضمن نطاق عالم الأسباب، وسنن الله الجارية لا سنن الله الخارقة. إن الدعوة الإسلامية نجحت بالتخطيط والعمل لا بالمعجزات، وتقدمت بجهد إنسان فعَّال، لا باتظار مسلم يتوقع التغيير لأنه يصلي ويصوم ويحج ويزكي ...

5) ـ وهكذا، فعلى الذين يريدون تكرار التجربة، والخروج من التيه، البدء من صناعة الإنسان، وإعادة صياغة المسلم الذي فقد إنسانيته نتيجة تراكمات تاريخية كثيرة سنأتي على ذكرها في حينه . لقد مضى حين من الدهر وحركات التغيير والنهضة، هذا إن كان في ذهن بعضها تغيير ونهضة، وهي تبدأ من نقطة المعرفة والسلوك، بمعنى أنهم اعتبروا الذي ينقص المسلم بعض المعرفة، وشيئاً من السلوك، أو أنهم اعتقدوا أنها أزمة معلومات، أو أزمة وعي على بعض المظاهر، فإذا بنا وبعد عشرات المحاولات نتحرك في مكاننا، إذا بنا نغزل ثم ننقض غزلنا، وكان إنسان التغيير الذي توهمنا أننا أعددناه ينقض على أمته بعد أن يتمكن، أو يمارس التخلف الذي قام من أجل محاربته! لماذا؟! لأنه قام يصلح وهو يحمل نفس الظروف التي صنعت التخلف والضلال، يعني أنه قام يعمل من داخل المنظومة التي صنعت الجهل والتخلف واللافاعلية!

6) ـ لنخرج من التيه، علينا أن نعيد إنتاج الثقافة التي حرَّرت وغيَّرت ونهضت بالإنسان، وعلينا أن نبحث عن الإنسان الذي سنعطيه المعرفة والسلوك. السؤال يتلخص في كيفية تـشكيل المنهج الثابت الصافي لتقديمه للمسلم مع إلغاء فكرة أننا نتعامل مع مسلم جاهز تنقصه بعض الأمور! إنه ما لم نتخلص من بقايا الأفكار الجاهلية التي تشكل أداءنا، فلن نخرج من التيه، وسنبقى ندور ونلف حول أنفسنا كما تاه بنو إسرائيل في مساحة صغيرة من الأرض، حتى جاء جيل يحمل صفات أخرى وبنفس المنهج الذي لم يعمل بين يدي الساقطين تحرر الجيل الجديد.

7) ـ إنها الملاحظة الشديدة التي صعق بها رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا ذر رضي الله عنه، أصدق الناس لهجة، وصاحب الإيمان القوي، عندما قال له: "إنك امرؤ فيك جاهلية"!! وللخروج من التيه منافذ أخرى، والبحث عنها جارٍ..

بالتعاون مع موقع التغيير

www.altaghyeer.com


تم غلق التعليقات على هذا الخبر