'التفجير الأعمى' 'القتل عندما يصبح هدفاً'

2009-12-16 | إبراهيم العسعس 'التفجير الأعمى' 'القتل عندما يصبح هدفاً'

كلما أسمع عن تفجير هنا أو هناك أفزع فيه بآمالي إلى التكذيب؛ تكذيب أن يكون وراءه مسلم! وأغلِّب في كل مرة أن جهات استعمارية تريد من وراء هذه التفجيرات تحقيق أغراض لها معروفة.

فحجم القتل الأعمى الذي تخلفه هذه التفجيرات مرعب، ولا أعتقد أنه يحقق مصالح للإسلام والمسلمين، على العكس من ذلك فهو يخرب ـ ولا أقول أكثر مما يصلح بل يخرب وحسب ـ ويشوه صورة الإسلام، ويعود بالدعوة إلى ما قبل الصفر! وإلا فليقل لي عاقل ما الهدف المرجو تحقيقه من تفجير سوق شعبي كما يحدث غالباً في العراق والباكستان وأفغانستان، أو من تفجير احتفالِ تخريجِ طلبةٍ جامعيين كما حدث مؤخراً في الصومال؟ ويُسرُّ المرءُ عندما يسمع تكذيباً من جهة متهَمة بتفجيرٍ من هذه التفجيرات، الأمر الذي يؤكد أن كثيراً منها وراءه أيدٍ خفيةً بأهداف كبيرة رهيبة.

ولكن ماذا عن عشرات التفجيرات التي لا يتم نفي مسؤوليتها من قبل المتهمين بها؟ هل هي فعلاً مسؤولة عنها؟ بل وماذا عن التي تتحمل الجماعات تبعاتها؟ لتعود بنا هذه التساؤلات إلى الصرخة التي بدأنا بها: ما الهدف من هذا الجنون؟ وكيف يستفيد الإسلام من هذا العمى؟

أبفتوى التـترس يتترسون؟! فقد بالغوا إذن، وخرجوا بالفتوى عن تكييفها الفقهي، وحملوها ما لا تحتمل، ولا عجب أن لو اطلع أصحابُ الفتوى الأصليون على ما يفعلون، لاستغروا ربهم ولسحبوها ـ أي الفتوى ـ وهم يسترجعون. وليس هذا المقال محلاً للتفصيل في هذه الفتوى، فمن أراد الاطلاع عليها فعليه بمظانها.

إنه تفجير أحمق لأنه لا غاية له إلا القتل وسفك الدماء، بصرف النظر عن نية مقترفيه، وهي نية عظيمة لا جدال حولها، ولكن لا ينبغي أن تخيفنا هذه النية عن تقييم هذه الأعمال، ودراسة جدواها، والفوائد المرجوة منها، والأهداف التي ستحققها في النهاية.

إنها قضايا تنتظر الإجابة من العلماء المقبولين من مجموع الأمة، ومن الدعاة العاملين الثقات، ويكفينا هذا الجهد الضائع، والدماء المهدورة، والشباب الشجاع الذي يذهب بلا هدف في عملية عمياء تقتله وتقتل ضحاياه، وتلغي أهدافه، وأهداف غيره ممن يعمل في الساحة ! وما المقابل؟ التجربة المعاصرة في مصر وغيرها تقول: لا مقابل! المقابل شباب مجاهد، شجاع، ذو أهداف عظيمة، تتناثر كل هذه الغايات مع لحمه المتناثر، ودمه المهدور.

وأرجو من الأكارم أن لا يقول لي أحدهم إنه ذهب شهيداً من أجل غاية سامية. وأقول: وهل تكفي الغاية السامية، والهدف العظيم مسوغاً لأي عمل؟ ألم نتلقى في ألف باء العلم أن العمل لا يقبل ولا يعتمد إلا إذا توفر فيه شرطان: الأول النية المخلَصة، والثاني أن يكون العمل صحيحاً، أي موافقاً للكتاب والسنة.

هل المطلوب أن نموت ثم تنتهي مهمتنا في الحياة؟! أليس هناك غاية من وراء الجهاد؟ هذا الذي فجر نفسه قرب بيت نائب حامد كرزاي ـ مثلاً ـ وأخذ معه ستة أشخاص غالباً لا علاقة لهم بكل القضية، ولم يصب النائب ـ الذي كان يكفيه رصاصة واحدة في أمِّ رأسه إن كان يستحق الموت ـ بأذى بالطبع، لأنه لم يستطع أن يصل إليه، فقد أصبحت اللعبة مفهومة وأصبح من الصعب جداً الوصول للمقصودين فيضطر القنبلة المتحركة تفجير نفسه عند أقرب نقطة التي تكون بعيدة فيطير رجل خرج من بيته يطلب رزقاً، وتتناثر امرأة لعلها تمسك بيدها طفلاً خرجت به لتشتري له حلوى أو اي شيء آخر.

هذا الشاب ماذا أراد أن يقول هو ومن أرسله؟ هل يظنون أنهم يملكون حقِّ سلبِ حياةِ هؤلاء بدعوى أنهم مجاهدون، أصحاب مشروع تحريري؟ وأنهم أعداء لأعداء الأمة المستعمرين؟ الجواب بكل بساطة وسذاجة: فتوى التترس!

بهذه الفتوى سُفِـك الدمُ المعصوم، واتسع الخرق على الراتق، واختلط الحابل بالنابل، ولم نعد نعرف من أين تخرج الرصاصة، أو من الذي سحب مسمار التـفجير، هل هو الشاب الملتف بالحزام الناسف أم آخر يجلس بعيداً بعيداً ...

قد نفهم أن يخترق مجاهد معسكراً للأمريكان، فيفجره بمن فيه، فيذهب معهم من ليس منهم ممن يخدمهم .. في هذه الحالة يتحقق مناط فتوى التترس، كما يتحقق في الصورة التي ذكرها العلماء قديماً، أما غير ذلك مما يحصل اليوم يومياً فحرام، وهو ليس جهاداً بل هروب ـ إن كان الفاعل مسلماً أصلاً ـ من أشياء لا علاقة لها بالجهاد!

أما ما يحصل في العالم الإسلامي من تساهل بالقتل بدعوى إعانة الظالمين، ودعوى البعد عن التوحيد ... فقل لي بربك وبعد قرون من التشويه والتحريف ونشر الإنحراف باسم الإسلام، أو التجهيل باسم تعليم الدين ... هل الحجة قائمة على مجموع المسلمين؟!! وأعد معذوراً بقولي هذا في هذا العصر، إذا كان عمر بن عبد العزيز رحمه الله يقول عشية انتهاء القرن الأول: "إني أعالج أمراً لا يُعين عليه إلا الله، قد شبَّ عليه الصغير، وهرم عليه الكبير، وهاجر عليه الأعرابي، وفصح عليه الأعجمي حتى حسبه الناس ديناً لا يرون الحق غيره".

يقول هذا وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم متوافرون، والعلماء كثيرون، والدائرة للإسلام، فكيف بنا الآن والحال على ما وصفت؟ ! المشكلة أن هؤلاء يريدون حل مشاكل المسلمين كما لو كنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة السنة التاسعة للهجرة وفق آخر إجابة صدرت عنه، ووفق آخر آية نزلت، ناسخين بذلك كل مناهج التعامل السابقة مع المراحل المختلفة، متوهمين أن آخر إجابة، وأن آخر آية قد نسخت كل ما قبلها ! وليس كذلك فكل إجابة، وكل آية تطبق كلما تحقق مناطها.

إن منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم في التعامل مع واقع الدعوة في مكة، منهجٌ في قمة الحكمة والشجاعة وضبط النفس يقتضيه ملابسات تقتضيها طبيعة المرحلة.

وامتناع الرسول صلى الله عليه وسلم قتلَ المنافقين (المعروفين لديه) له ملابساته التي تقتضيها طبيعة الظرف حينئذٍ، ولا يقال ـ ولا ينبغي أن يقال ـ إنها مراحل مضت وانـقضت، بل هي تشريع يدور مع ملابساته وجوداً وعدماً.

ولأنك قد لا تأمن عليَّ الفتنة، فإنني أحيلك إلى من مات وهو في قمة صموده وتحديه للباطل ولا أظن أن أحداً قد يخطر على باله أنه يجامل ويداري، أحيلك إلى سيد رحمه الله فيما كتبه في المعالم فصل الجهاد في سبيل الله.

إنني أدعو من خلال هذا المقال إلى توقف هذه التفجيرات وإعادة الدراسة والمراجعة، بل وأدعو إلى مدارسة الأمر مع العلماء والدعاة واستماع وجهات النظر المتعددة بصرف النظر عن الموقف منهم، ولا أقول مدارسة من هو متهم في دينه، أو المحسوبين على الأنظمة، ممن فتاواهم مدخولة.

الأمر جدُّ خطير ومستعجل لا يحتمل التأخير، وعلى العقلاء أن يساهموا وبشدة في معالجة هذه القضية، وفتح القنوات مع المعنيين، والانفتاح على الجميع فضرر هذه الأعمال لا تمس أصحابها، بل إنها تعدت كل عامل للإسلام، ومن يشتغل في الدعوة يشعر بهذا ويلمسه.

بالتعاون مع موقع التغيير

www.altaghyeer.com


تم غلق التعليقات على هذا الخبر

عبد الله

ما أخذه على الشيخ أنه اعتمد في مقاله على معلومات ينقلها ويروجها خصوم المجاهدين, فإن كان الله قد أمرنا من التبين من خبر الفاسق, فكيف بخبر تنشره أمريكا أو حكومة أفغانستان أو باكستان عن خصومهم من المجاهدين.
تلك أولا

وثانيا في نفس الوقت نهمل تصريحات المجاهدين أنفسهم مع أنهم أولى بالتصديق ولم نعهد عليهم فسقا أوكذبا, فهل ذكر الكاتب رواية الاخوة في طالبان ؟؟

وهل يقسم الكاتب أن رواية الحكومة هي الصحيحة وأن من قتل من المارة وليس كما ذكر المجاهدون ؟؟؟

ثالثا: من المعروف للمتباع وقد بين المجاهدون مرارا انهم بريؤون من كل هجوم يستهدف المسلمين, واتهموا مباشرة بلاك ووتر ومن لف لفها من المنظمات وهو واضح من طريقة عملهم التي نقلوهامن العراق الى باكستان, والهدف هو تدمير شعبية ومحبة المجاهدين بين الناس, وللأسف البعض من أبناء جلدتنا جعل نفسه مطية للأعداء من حيث يدري او لا يدري.

رابعا بالنسبة للصومال فالهدف من تفجير المتخرجين كان تشويه حركة الشباب وقد نفوا أفلا نصدقهم ؟؟ طيب وتفجير المسجد التابع لحركة الشباب من فعله ؟؟ والشباب اتهموا بشكل واضح في تفجير المسجد بلاك ووتر, وهم يريدون أن يوجوا للشباب أن الصوفية من فجروا المسجد حتى ترد الشباب ولكن الله خيب فألهم

هذا والله أعلم


mai elghamry

مقال جميل و كفاية هذا النزيف من دماء الأبرياء


مهد عبدالله

أخي الكاتب ،،
نحن في الصومال اكتوينا بنار العلمانيين البائعين لدينهم ودنياهم بثمن بخس ،ولم تتوقف الحرب الاهلية العبثية طيلة عشرون عاما ، بل انتجت جيلا لايعرف معنى للامن والامان والاستقرار ، تخيل عشرون عاما من النزاع الاهلي في بلد اهله مسلمون من اهل السنة والاجماع ، وعندما ظهرت الي السطح الجماعات الاسـلامية استبشر الناس خيرا ، فاذا هي اشد ضراوة من العلمانيين ولجأت الي صنوف من التهديد والقتل بأسم الله تعالي الله عما يقولون علوا كبيرا.
فصار من الطبيعي ان ترى الجثث المقطعة رؤسوهم في الاماكن العامة والتهمة جاهزة ومعلبة ، هو من المنافقين المحاربين لجنود الله ، واذا كانت امراءة فهي زانية وهلم جرا.
أن التفجير الذي وقع في فندق شامو لايتصور عقل كافر فكيف برجل مسلم ، أن هؤلاء الطلبة والطالبات امضو سنين من حايتهم في دراسة تحت القصف والدمار وفجاة وعند قطف الثمار يتم قتلهم غيلة.
أن منظمة الشباب المجاهدون وان كانت نفت التهمة عن نفسها الا انها هي من قامت بأدخال وابتداع دس الانتحاريين في صفوف المدنيين ولم تجرؤ سوى الانكار خوفا من الغضب الشعبي العارم عليها..
لكن ان ربك يعلم ماخفى.
والسلام


ايمن

أولا يا اخي جزاك الله خيرا
ثانيا انت تكلمت عن موضوعين ولم تتكلم عن موضوع واحد
الموضوع الاول : التفجير في الاسواق فيجب عليك ان تعلم ان المجاهدين لا يفجرون في اسواق او كما تقول وسائل الاعلام انما هذا كله لتشويه صورة الجهاد
الموضوع الثاني : العمليات الاستشهادية انت تنكر علي اصحابها فبكل احترام لحضرتك تعالي وعلمنا فانت تقول يكفيه رصاصة ان كان يستحقها ولماذا لا يستحقها وهو عبد لعباد الصليب فارجوا من حضرتك ان تحدد اي تفجير تقصد وارجو من حضرتك ان تنظر لاقوال اخوانك المجاهدين لنفيهم عمليات كثيرة اما عن عدم وصول الاخبار فنرجو من حضرتك ان تقوم بعمل قناة اخبارية ليست تابعة لليهود حتي تصل الاخبار ونفي العمليات


عبدالله

مقال رائع وصريح وواقعي .


صلاح البابقي

الله يجزاك خير ؛ فعلا نحن بحاجة لمئات الصرخات المخلصة من اجل أن يتوقف هذا الاستهتار بالدماء المعصومة بسبب تأويلات فاسدة تفسد علينا الدنيا والآخرة ..


عبد الله

جميل قولك (الأمر بحاجة لدراسة) وجميل أن نسمع كل الآراء فمن يقاتل المحتلين يرى أن هذه هي الطريقة الممكنة في ظل استمرار المحتل في القتل والتعاون معه فالكف عن هذه العمليات لن يردعه أو يخفف من القتلى ويرى أنه قد حذر مرارا من الاقتراب من المحتل ، فهل الحل ترك المحتل أو هذه الطريقة أو هناك طريقة أخرى ؟ لا نكتفي بالنقد فقط


عبد الرحمن

لاشك أن الاهتمام بالعقيدة في بلادنا جعلنا نشعر براحة الضمير وصحة المبدأ ، لكن ذلك جعل من كل فرد منا ينظر لنفسه كمعلم للآخرين من الدول الأخرى مهما بلغت أعمارهم وثقافتهم ، وكنت أنظر لنفسي كذلك ، لكن هذه النظرة قد اهتزت كثيرا بسبب الأحداث التي جرت في العالم ، وطريقة تعاملنا معها ، والرضوخ للتغير وإلباسه لباس المصلحة والحكمة ، فرأينا أن الحديث بدأ يتطرق لأمور لم تكن محل نقاش ، وكنا ننظر لمن تساهل فيها كمقصر في العلم والتطبيق ، وهذا جعل العقلاء يراجعون أنفسهم في مبدأ (معي أو ضدي) والذي كان ساريا بطريقة أو أخرى ، ولكن لازال البعض ينظر للآخرين ممن تعرضوا لما لم نتعرض له وربما لو امتحنا لرسبنا ، فواحد يعيب على حماس وينقدها نقد الكاره الذي يرغب في اختفائها لكنه لا ينتقد نفسه في تقصيره تجاه القدس وفلسطين والحصار الخ ، وآخر ينقد من يحارب المحتل ، ولكنه لا يقدم البديل لما ينقد ، وهكذا ، فهل يدل هذا على أننا مهووسون بالنقد والتنظير ؟