آخر الأخبار

وطأة سلاح حزب الله على الداخل اللبناني

2009-10-16 | علي حسين باكير وطأة سلاح حزب الله على الداخل اللبناني

يعد سلاح حزب الله من الملفات الجدلية الكبيرة العالقة في لبنان، وإن كان البعد الخارجي لدور هذا السلاح بات معروفا في إطار وجهات النظر المختلفة، التي يرى بعضها أنّه لمواجهة إسرائيلي، فيما يرى البعض الآخر أنّه مجرّد ورقة لتحسين شروط المفاوض الإيراني والسوري على رقعة الشطرنج الإقليمية.

وبعيدا عن هذا الجانب، يحمل البعد الداخلي لسلاح حزب الله مخاطر جسيمة تترك بصماتها على مؤسسات الدول اللبنانية والمجتمع اللبناني وتركيبته الطائفية الحسّاسة. وإن كان من المفهوم تأجيل النقاش العلني حول سلاح حزب الله في ظل الجهود المبذولة من قبل الأكثرية للملمة الواقع اللبناني المشتت وإعادة الانطلاق بعجلة الدولة من جديد، إلاّ أنّنا يجب أن لا نغفل حقيقة أنّ السكوت أو التغاضي عن هذه المشكلة من شأنه أن يراكم البارود الذي سينفجر عاجلا أم آجلا.

منذ العام 2000م وقدرات حزب الله تشهد تضخّما كبيرا على الصعيد المالي والعسكري والسياسي، بشكل أصبحنا نشكك معه بمدى صحة توصيفه بـ"حزب". فهو تخطّى هذا الشكل منذ زمن، ليتحول وفق كثيرين إلى شبه دولة أو دولة موازية أو دويلة، له انتشاره الجغرافي المترابط والمتماسك، وله موازنات مالية ومصادر تمويل ضخمة، وله شرطة على غرار الشرطة البلدية في الدولة الرسمية وله عناصر انضباط وأمن وأيضا جهاز استخباراتي وعسكري متكامل، مزوّد بجميع الأسلحة من الرصاصة إلى الصاروخ، إضافة إلى سياسة خارجية تكاد تكون مستقلّة، أي خاصّة به بالمعنى الذاتي، بل وصل به الحد إلى امتلاك أذرع إقليمية في دول عديدة.

بهذا المعنى يكون حزب الله قد استوفى كافة شروط ومقومات الدولة المعروفة في العلوم السياسية، ولا شكّ أنّ لهذا الواقع انعكاساته المباشرة على الدولة اللبنانية، إذ من الملاحظ أن الدولة وأجهزتها من جيش إلى قوى أمن إلى شرطة باتت تعاني من فترة ليست بقليلة من فقدان الهيبة وعامل التأثير، نظرا لعدم احتكارها القوّة القهرية من جهة، ولوجود أجهزة مرادفة لها من جهة أخرى، وهو ما من شأنه أن يُفقد الناس ثقتهم بالدولة ومؤسساتها ويدفع بالتالي إلى انتشار مفهوم "الأمن الذاتي"، خاصة حين يرى المواطن أنّ الجيش وقوى الأمن تتصرف بمنطق رجل الإطفاء، وهي غير قادرة على حمايته أو الدفاع عن حقوقه.

ومن مظاهر ازدراء القوى الأمنية، تعرضها في كثير من الأحيان في مناطق معروفة الانتماء إلى الضرب المبرح، كما حصل مؤخرا في "النبطية" لعنصري أمن، حاولا مصادرة سيارة دون لوائح فنُقلوا إلى المستشفى بدلا من نقل السيارة إلى الحجز. فيما يتعرض آخرون منهم إلى التهديد والاختطاف والتجريد من السلاح والى التحقيق (أيضا كما جرى في مرات عديدة في الضاحية)، أو حتى إلى القتل كما في "واقعة سجد"، وإن قيل وقتها بأنه عمل غير مقصود، إلاّ أنّ القاتل المفترض خرج بعد عدّة أشهر من تسلميه للقضاء.

ولا شك أنّ فائض القوّة التي يمتلكها حزب الله تنعكس على بيئته تلك، فالإنسان ابن بيئته في النهاية كما يقال، وهذا الإحساس بالقوّة والتفوّق على الدولة، يمنح بيئة حزب الله الطائفية فائضا من الشعور بالقوة والفوقية على الدولة اللبنانية وأجهزتها ومؤسساتها، وعلى مختلف المكوّنات الطائفية الأخرى في البلد أيضا، كما يغّذي الشعور بالحصانة من تبعات الأعمال التي يقومون بها، سيما عندما يرون خوف الدولة من فرض هيبتها إضافة إلى نفخ حزب الله بالطائفة نفسها من صفات عبر إسباغ صفات مثل أطهر الناس وأشرف الناس.. عليهم.

ولا يقف الأمر عند التعرض لعناصر قوى الأمن، فحتى بعض موظفي المؤسسات الرسمية، كالكهرباء والماء، يواجهون في ممارسة عملهم في المناطق المحسوبة على حزب الله وحركة أمل صعوبات كبيرة، تمنعهم من تأدية واجباتهم، مما يحرم الدولة أيضا من عوائد الجباية، وما يترتب عليه من تقديم خدمات.

وما الأعمال المكرورة والمشابهة التي تحصل، كما في حادثة منطقة "عين الرمانة" مؤخرا إلا انعكاسا أيضا لإحساس هذه البيئة بفائض القوة الذي تتمتع به والغطاء الذي تحظى به في وجه الدولة.

صحيح أنّ مثل هذه الأحداث قد لا تكون مخططة أو مدبرة أو مدفوعة من قبل حزب الله أو حركة أمل، لكنّ الواقع الذي شرحناه سابقا يؤمّن الضوء الأخضر لحصولها، ويتحمّل حزب الله المسؤولية الكبرى فيه.

فالتطاول على الدولة وهيبتها ومؤسساتها وعلى القانون بحجج وأشكال مختلفة وذرائع متنوعة يؤدي إلى هذه النتيجة، وكما كان الحال في تبرير "دفاع السلاح عن السلاح" و"سلاح الإشارة"، قد نسمع لاحقا بـ"سلاح الدرّاجات النارية"، التي تذكّرنا جيدا بأساليب الباسيج الإيراني.

على الصعيد السياسي اللبناني، تبدو وطأة هذا السلاح ظاهرة إلى درجة من شأنها ردع كل من تسوّل له نفسه عدم تلبية مطالب الحزب، فالأخير ليس مضطرا إلى عمل 7 أيار جديد، إذ يكفي أن يلوح بهذا الخيار أو أن يصرّح بعدم رغبته في السير في أي طريق لا يناسبه أو عدم موافقته على أي قرار سياسي لا يلبي طموحه ومصلحته، حتى يشلّه ويشل البلد معه ولو كان هذا القرار يحظى بموافقة غالبية اللبنانيين.

وفي ظل هذه الحقائق، يصبح الحديث عن ضرورة تغيير نظام حكم، أو تعديل قانون انتخابات، أو تأليف حكومة وطنية، أو بناء دولة، مجرد تفصيل عبثي لا قيمة ولا معنى له أمام ما يفرضه السلاح من وقائع على الأرض، والمشكلة أنّ ما يعاني منه لبنان في هذه الحالة آخذ في الامتداد في العديد من الدول العربية، وهو ما يجب التنبّه له ومواجهته قبل الاستفحال.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر