آخر الأخبار

العصر تنفرد بنشر كتاب 'أشواق الحرية' للأستاذ نواف القديمي

2009-3-15 | نواف القديمي العصر تنفرد بنشر كتاب 'أشواق الحرية' للأستاذ نواف القديمي

العصر: (تواصلاً مع السجال الفكري الذي أثارته مجلة العصر من فترة قريبة عن موضوع الديمقراطية ومدى ملاءمتها للمجتمع المسلم وموقف الشريعة منها، أصدر الصحفي والكاتب نواف القديمي في آخر شهر يناير الماضي كتاباً بعنوان "أشواق الحُريّة .. مقاربة للمنهج السلفي من الديمقراطي"، ولأن الكتاب مُنع من معرض الكتاب الدولي في الرياض بعد فسحه أول الأمر، فإن مجلة العصر تنشره على صفحاتها، تعميما للفائدة وإثراء للنقاش الدائر).

أظنني لم أعد قادراً على إخفاء ضجري من رفاهية التنظير البارد في الصالونات الثقافية والكتابات الصحفيّة.. فمتعة الحديث عن تعميق الفلسفة الأخلاقية لعمانويل كانط في المُجتمع، والخدر اللذيذ المُصاحب لاستعراض تحولات موقف سبينوزا من اللاهوت. ولمعة العيون التي تأتي على وقع ترتيل أسماء فوكو وسوسير ودريدا وألتوسير. أو نضالات الدفاع عن موقف ابن تيمية من فناء النار. وفرد المطوّلات لإثبات وهمية شخص القعقاع بن عمرو التميمي.. كل ذلك يبدو لي مجرد شغفٍ في البحث عن مُتعة لذيذة هادِئة، قد تأتي عند أحدهم مع قراءة تأملات ليفي شتراوس في كتاب، وقد تأتي عند آخر مع متابعة مهارات رونالدينو على المُستطيل الأخضر.أدرك أنني بذلك أدخل ـ عند البعض ـ في اللائحة السوداء لـ (مُزدري الثقافة)، وأعرف أنني قد أسمع مواعظ باردة من قبيل (دور الوعي الفلسفي في خلق أرضية معرفية تُعطيك أدواتٍ للتعامل المنهجي مع تعقيدات الواقع .....الخ)!.

رغم أنني أدرك دور التنظير المجرد المتعالي في تنمية العقل البشري المفكّر. ولكنه في الأزمنة المُلتهبة، يكون نوعاً من البذخ الفكريّ المُستفز.. أشبه بمن يفتح معهداً لتعلّم أصول الإتيكيت وسط قِطاع غزة المكتظ برائحة البارود!

في هذا الزمن الرديء، يتجلى الفرق واضحاً بين (الفلسفة) حين تكون استعراضاً لـ (تاريخ الجنون) لفوكو، و(تاريخ الأسطورة) لآرمسترونغ، و(الجمال) لكروتشي. والفلسفة حين تُنتِج (العقد الاجتماعي) لروسو، و(روح القوانين) لمنتسكيو، و(رسالتان في الحكم) لجون لوك.

هو ذات الفرق بين (الفلسفة الناعمة) المسترخية الباردة، و(فلسفة التغيير) التي تحقن وقود العمل في أوردة الحالمين بعالم أفضل، تلك التي تحدث عنها ماركس حين قال جُملته الشهيرة: (كل ما فعله الفلاسفة هو تفسير العالم بطرق مختلفة.. المُهم هو تغييره).

* * * *

حين نتحدث عن الديمقراطية، فنحن نتحدث بالضرورة عن نزيفنا المُشتعل دوماً في فِلسطين، وفي بقيّة أوصال الجسد الإسلامي المُنهك.. عن كل أوجاعنا المُتنامية ونحن نرقب هذه الوحشية والدمار والإمعان في الإذلال وهتك الكرامة، ولا نملك حيال ذلك إلا تسويد بيانات الإدانة، وتحبير مقالات الرِثاء، والنوح على آلامنا المكتومة.

حين نتحدث عن الديمقراطية، فنحن نتحدث عن إرادة الشعوب المسلوبة، وعن غضبنا الذي لا رجع لصداه، وعن حناجرنا المبحوحة وهي تصرخ بمن لا يسمعها، وتناشد من لا يُقيم لها وزناً.. ولنا أن نحلُم ساعتها ونتساءل: ماذا لو كان القرار بيد الشُعوب؟ ماذا لو كانت تلك الحكومات مُنتخبة، تُرهف السمع لمطالب الناخبين وهمومِهم؟

حين نتحدث عن الديمقراطية، فنحن نتحدث عن التغيير، عن إصلاح أوضاعنا المُتداعية، عن التنميّة الاقتصاديّة المُعاقة، عن الشعوب العربية الفقيرة المسحوقة وهي ترقب سدنة الحكم في النعيم المُقيم. وعن الشعوب العربية الغنيّة ـ نسبياً ـ وهي ترى نزف ثرواتها النفطيّة، وتفكر بصوت خفيض (وماذا بعد انتهاء النفط؟).. هو حديثٌ عن الاستبداد والفساد والظُلم والاستئثار.. حديثٌ عن إدراك ما يُمكن إدراكه، والنجاة بمن لم يجتاحه الغرق.

* * * *

عندما بدأتُ برصد الاعتراضات المدوّنة في الكتب والدراسات حول شرعيّة النِظام الديمقراطي، وشرعتُ في كتابة تعليقات سريعة عليها، تراكمت عندي مادة طويلة، جاوزت ضِعف ما هو منشور هنا، وغدت هذه المادة أطول بكثير من المِقدار الذي كنتُ أفضّله للنشر.. لذا عُدت إليها مُجدداً لأتجاوز عن بعض التفاصيل، وألغي بعض الفقرات، وأشطب كثيراً من النقولات والشواهد، وذلك سعياً وراء اختصارٍ أرجو ألا يكون مُخلاً.

لذلك تجدر الإشارة ابتداءً إلى أن الحديث هنا هو عن الإطار النظري للفكرة الديمقراطية. حيث لم أتطرّق للتطبيقات المُتعددة لهذه الفكرة، لكون ذلك يستدعي حديثاً مطوّلاً ومُنفصلاً. كما تجاوزت كثيراً من المقدمات المفهوميّة عن نشأة الديمقراطية وتطورها وصورها وهياكلها وتنوعاتها ومؤسساتها، لأن كل ذلك خارجٌ عن دائرة النقاش الذي يتمحور حول (مشروعيّة النِظام الديمقراطي)، فضلاً عن عدم الرغبة بـ (تسمين) هذا الكتاب.

بقي أن أشير في هذه المُقدمة إلى أنني توقفت زمناً أمام مفردة (الديمقراطية)، لأنني وجدت نفوراً عند البعض من المُصطلح أكثر مما هو من المفهوم والفِكرة. فحاولت للحظة أن أضع صيغة أخرى تشير إلى ذات المضمون (كالنظام الانتخابي أو النظام النيابي) ولكنني وجدتها مصطلحاتٍ لا تفي بكل المضمون، وقد تُشير عند البعض إلى دلالات محدودة يتجاوزها النِظام الديمقراطي.

ولأن أغلب الحركات الإسلامية ـ بتنوّعها ـ قد تلقت (النظام الديمقراطي) بالقبول والرضا والمُشاركة والتجويز. فقد قررت أن أستخدم ذات الاصطلاح. آملاً من القارئ الكريم أن يتجاوز عن مشكلة الاصطِلاح، إلى التّمعن في المُكوّنات والمضامين.

ملف الدراسة علي هيئة ملف بي دي اف(725كيلوبايت)


تم غلق التعليقات على هذا الخبر

عماد الحمدان

الاسلوب كان بسيط وواضح للقارئ وادارة الكتابة فية هادئه ورزينه..والاصلاح هو من اهداف الكاتب وهناك امور تستنبطها من كتابته...

وفقك الله وسدد خطاك اخي نواف


المربد

الديمقراطية والسلفية ليستا وليدا الساعة وليستا محدودين بحدود جغرافية. وخلاف السلفيين مع الديمقراطية ازلي.
وكم تمنيت من الكاتب حفظه الله لو ترك المقاربة مفتوحة لكل بلدان العالم ولم يقصرها -بل يجبرها- على التقيد ببلده، واقحام شواهد من واقع بلده لتشعر القارئ بان بلاد الدنيا في غنى عن تلك الافكار .
وفقك الله يا نواف


عبدالله

أعجبني مقال الأستاذ نواق القديمي الأول في رده على الشويقي

وبعدما أثاره البعض عن موضوع التكفير بهدف صرف الموضوع عن القضية الأصلية التي يدور حولها النقاش وهي الديمقراطية ، إضافة لما كتبه البعض من ردود مطولة حول جزئية التكفير ودخول بعض الإعلاميين في ذلك من أجل صب الزيت على النار ، خشيت أن ينجر القديمي للرد على منتقديه الذين سينجحون في جر الموضوع إلى زاوية أخرى ضيقة ولا علاقة له بأصل الفكرة وطبيعة الموضوع (الديمقراطية)

وأنا على يقين أن القديمي لو انجر للرد لكان رده عنيفاً ومحرجاً للشويقي وللآخرين لما يملكه من قدرات أسلوبية وبلاغية وذكاء حواري وثقافة واسعة ، ولكنه حين إذن سينساق وراء الآخرين لتتحول القضية من شأن إصلاحي عام إلى قضية شخصية ، وهذا ما كنت أخشاه

القديمي في كتابه أشواق الحرية قرر أن يترفع عن الانتصار للنفس ويتعالى عن حظوظه الشخصية ، وأعاد بذكاء الكرة إلى ملعب القضية الإصلاحية ، واستطاع في هذا الكتاب المبهر أن يضع العجلة على السكة الصحيحة ، ، وأن يعالج بعلمية ورصانة غالب الإشكالات المثارة حول شرعية الديمقراطية ، دون أن يهتم لما قد يلحق ذلك من تبعات أمنية وتضييق محتمل.

أراد أن يقول للمخالفين : لا مجال للمخاتلة والهروب ، أمامكم واقع صاغط وأسئلة ملحة يجب الإجابة عليها ، وأنه يجب أن تتخلوا عن عادة الاكتفاء بالنقد والاتهام والتشهير إلى النقاش العملي المثمر والبناء ، وأنه لن يكون الآخرون فقط في مرمى أسئلتكم ونقدكم ، يجب أن تكونوا أنتم أيضاً في مرمى الأسئلة والنقد

تحية لتلك الروح الإصلاحية الرفيعة


أبو أصيل فلقي

من جمال الكتاب, قرأته كاملا في جلسة واحدة :)

شكرا للمؤلف نواف القديمي على اسلوبه الجميل واحسانه لفن الاحتواء. حين قرأت عنوان الكتاب ظننت ان الكاتب لا محالة سيصتدم مع التيار السلفي التقليدي لوجوب ذلك كما اعتقد. وفعلا كان الصدام لكنه ابهرني لطرحه ذلك الصدام باسلوب ربما يجعل كثيرا من المشائخ التقليديين يقبلون حديثه او على الاقل, لا ينظرون اليه كداعية ضلال.


محمد الهاشمي

السلام عليكم ،
كم هو جميلٌ ما سطَّره الأستاذ نواف القديمي في كتابه هذا ،فالشكر لهُ على جهده في الإجابة على تساؤلات السلفيين خاصة وباقي فئات وأفراد المُجتمع عامة ،والشكر موصولٌ لمجلة العصر والقائمين عليها لنشرهم نسخة الكترونية للكتاب .

بالتوفيق .


محمد الهاشمي

السلام عليكم ،
كم هو جميلٌ ما سطَّره الأستاذ نواف القديمي في كتابه هذا ،فالشكر لهُ على جهده في الإجابة على تساؤلات السلفيين خاصة وباقي فئات وأفراد المُجتمع عامة ،والشكر موصولٌ لمجلة العصر والقائمين عليها لنشرهم نسخة الكترونية للكتاب .

بالتوفيق .


محمد الحسون

موضوع الديمقراطية صار مُلحاً وضاغطاً على الصحوة الإسلامية ، ولم تعد تستطيع السكوت عنه
بل لا بد لها من تحديد موقفها الشرعي الواضح بعيداً عن الاختزال والتعجل في الحكم على قضية الديمقراطية ومدى موافقتها للشريعة

وأعتقد أن مجلة العصر قامت بدور رائد ومشكور في إثارة هذا الملف وتعميق النقاش حوله
وأظن أن الأخ نواف القديمي سيقدم إضافة تستحق التأمل والنقاش

أنا لم أقرأ الملف المرفق هنا بعد ، لأنه لم يفتح معي ، وأتمنى من المشرفين على مجلة العصر حل هذه المشكلة حتى يتسنى لي ولغيري قراءة مادة الكتاب

بالنسبة لموضوع المنع ، فالكتاب نزل في المعرض في أول يومين ثم مُنع ، وقد سألت عنه المشرف على جناع المركز الثقافي وقال لي أن الرقابة منعته وكادت تسحب كل الكمية الموجودة من الكتاب ، ويبدو أنها سمحت بإعادة عرضه في آخر يومين أو أن الناشر قام بعرضه في آخر المعرض دون إذن الرقابة ، لا أدري بالضبط
لكن يبدو أن الكتاب كان معروضاً في أجنحة أخرى غير جناح الناشر دون أن تدري الرقابة عنه كما حكى لي أحدهم

في كل الأحوال خطوة النشر الإلكتروني ستتيح المجال لنقاش أوسع لمادة الكتاب

أتمنى حل مشكلة فتح الملف


ياسر

قدمت من الدمام يوم الإثنين الماضي لزيارة المعرض وقد سألت البائع في جناح المركز الثقافي العربي عن كتاب أشواق الحرية بعدما رأيت خبراً عنه في مجلة العصر فأخبرني البائع أن الرقابة منعت الكتاب

ليتني كنت أدري إن كان الكتاب موجود في جناح آخر لأنني لا أفضل قراءة كتاب الكتروني لأنه متعب وأفضل الورقي

متحمس لقراءة الكتاب وسماع وجهات النظر حوله لأنني خريج علوم سياسية وأعلم أن قضية الديمقراطية مهمة ومحورية في علم الأنظمة السياسية

لذا أتمنى من أصحاب المهاترات أن يعبثوا في مكان آخر لأننا نريد أن نسمع آراء متخصصة في تقييم ونقد مادة الكتاب


عبدالعزيز بن محمد

والذي نفسي بيده أن الكتاب تم منعه في معرض الكتاب في الرياض لعام 2009 مثل كتاب عصر مثير للكاتب البريطاني إيريك هوبزبوم لدار المدى..
المركز الثقافي العربي والذي قام بنشر كتاب الأخ نواف القديمي حينما ذهبت إليهم وطلبت الكتاب قام بطريقة البيع بشكل غريب وكأن الامر بيع هروين أفغاني من الطراز الأول..

نظر إلي نظرة صامته أمتدت لأكثر من 40 ثانية وكل أنواع الريبة والشك تستطيع قرائتها في تلك النظرة بعد ذلك اعطاني فاتورة كتب فيها سعر الكتاب 20 ريال ولم يذكر العنوان كما هو معتاد مع بيع الكتب الآخرى ولم يتم التوقيع على الفاتورة كما هو معتاد كذلك مع الكتب الآخر.. ذهب إلى زاوية معرضه (البائع في المركز الثقافي العربي) ومن بين الكراتين المخزنة أخرج النسخة واحضرها وهي على المغلف الأخير للكتاب وحينما حاولت التأكد من العنوان قبل وضعه في الكيس.. وخالقي يا قارئي قالي ليّ البائع.. لو سمحت ضعه في الكيس بعدون الأطلاع عليه هنا بسرعة..!!

ملحوظة:

الذي يقول أن الكتاب لم يمنع لماذا لم يتم وضعه في شاشات البحث.. وأتحدى كائن من كان استطاع إيجاده في أجهزة المعرض المخصصة للبحث.. إن عدم إدخاله في الجهاز.. يعني أنه غير مرغوب فيه.. ممنوع.. كل سوف يفهمها كما هي تقلبات مزاجه..

محبكم
عبدالعزيز بن محمد


ناصر البريك

نجح القديمي في فك مجموعة من العقد كانت دائماً ما توضع في وجه دعاة الديمقراطية ، من أهمها فكرة (في الديمقراطية الحكم للشعب وفي الإسلام الحكم للشريعة)
وكذلك توضيحه لطبيعة دور المعارضة في النظام الديمقراطي وأنها غير ملزمة بقرارات السلطة ، وأنها ملتزمة فقط بعدم ممارسة العنف ، وأن هذا الالتزام في صالح الإسلاميين أساساً

أعتقد أن في هذا الكتاب فصول عميقة وذكية مثل (كيف يصنع الدستور ، فتش عن مفهوم المعارضة ، البحث عن أهل الحل والعقد) . وهناك فصول أخرى محرجة وقوية مثل (فحص النظريات واختبار البدائل ، الانتخاب كمشروعية والعدالة كأولوية)
أيضاً توضيحه الرائع لفكرة الفرق بين الشورى والديمقراطية من ناحية قيمية الأولى وإجرائية الثانية

ومن أكثر ما أعجبني في الكتاب هو روحه الإصلاحية المتعالية على الصراعات ، وأيضاً لغته السهلة والواضحة ، لذا تمنيت لو أن الكاتب لم يذكر بعض النظريات وأسماء بعض الفلاسفة في مقدمة كتابه لأنها قد توهم القارئ بأن الكتاب معقد وصعب وهو على العكس واضح وسهل


بالمناسبة الكتاب كان ممنوعاً فعلاً حيث لم أجده معروضا في جناح الناشر ، وعندما سألته أعطاني إياه من تحت الطاولة


البراء

الكتاب تم سحبه مرتين من معرض الكتاب.. مرة من المركز الثقافي العربي (بداية المعرض)، ومرة أخرى سحب من مؤسسة الدراسات الفلسطينية.. وقد كنت متواجداً في المعرض عندما تم سحبه - ومجموعة أخرى من الكتب- من مؤسسة الدراسات الفلسطينية.

لكن الكاتب أعاد نشره في المركز الثقافي العربي آخر أيام المعرض.

وكل الشكر للأستاذ نواف على هذا الكتاب الرائع ففيه معالجة بوضوح وهدوء وعقلانية لكثير من الإشكالات المثارة.

كل التحية ،،


خالد بن مبارك الحربي

الإخوة الأفاضل أتمنى ألا يكون هناك مجال للمغالطات غير المفيدة ، أضع هنا أجمل استعراض قرأته عن الكتاب وجذبني وشدني لقراءته من أول سطر إلى آخر سطر وأجدني أحتاج لقراءته مرات ومرات ، لأنّ فيه تحليل مستفيض لكل إشكالية هذه المقاربة ، وكل من أراد أن يعرف رأي السلفيين والإسلاميين عموماً في الديمقراطية ، لابد أن يمر بقراءة هذا الكتاب ، أدناه أجمل تعليق أقرأه عن الكتاب وصاحبه :

جرأة ومنطق وفكر تزيد من احتمالات الضجّة حوله
"أشواق الحريّة" .. ممنوع في معرض الكتاب

* عبد الله بن غانم الغانم

صدر عن المركز الثقافي العربي (الدار البيضاء / بيروت) كتاب (أشواق الحريّة) للكاتب الصحفي والمثقّف المعتّق الأستاذ نواف بن عبد الرحمن القديمي . يقع الكتاب في مائة وثمانية وعشرين صفحة ، من المقطع المتوسط . ويتناول قضيّته الأساسيّة التي كتبها في عنوان مرادف "مقاربة للموقف السلفي من الديمقراطيّة" لتدور الفصول كلها والمناقشات جلها في موقف السلفيين عموماً ، وفي المملكة العربيّة السعوديّة خصوصاً ، من الديمقراطيّة .. والكتاب يرفع الغطاء بشجاعة عن كثير من القضايا المسكوت عنها ، أو التي يتم تناولها في هذا الصدد بعيداً عن الإعلام ، حيث يكتفي أصحابها بنقاشات مغلقة لا تؤدي إلى نتائج مؤثرة في مجتمع يسعى للتكيّف الفكري بشغف ضمن معادلات (القديم والحديث) و (الأصل والعصر) و(التجديد والمحافظة) في بحر تتلاطم أمواجه بين رؤى علمانية صارخة وأخرى ليبرالية هادئة ، تقابلها رؤى إسلاميّة منفتحة وأخرى راديكاليّة كلاسيكيّة متطرّفة تتوجّس من كل طرح جديد ..
لم يكترث الشاب المثقّف القادم بقوّة إلى عالم السجال الفكري المحموم ، لمآلات عديدة تنتظره ، لا نستطيع أن نتكهّن بها ولا بالمنصات التي ستنطلق منها ، وهواجس عديدة قد يكون أصحابه قد أحاطوه بها ، من شاكلة الهجوم الإعلامي الذي قد يواجه به ، أو التحرزات الأمنيّة/ السياسيّة التي قد تعترض طريق الكتاب والكاتب ، أو المقالات النقديّة التي قد تتناوله وإن كانت هي الأخف في منظومة الهواجس المشار إليها .. غير أنّ الكاتب لا يبدو ملتفتاً لأيٍ منها ، فهو يطرح أفكاره على طريقته الخاصة ، حتى أسلوبه في التأليف ، أراد أن ينتهجه على غير ما اعتاد عليه منهج التأليف من تثبيت منفصل للمصادر والمراجع ، وتثبيت منفصل للهوامش ، وغيرها من شكليات "أصبحت جوهريّة" في منهج التأليف ، وهي لا تعطي أي مؤلف الفسحة الكاملة ليقدّم الجديد بالكامل فيما يريد أن يقوله ، فكل ما قاله لابد أنّه منقول أو يرجع لمصدر من المصادر ، وهنا يختلف المؤلف وتظهر "الوثوقيّة" التي يتحلّى بها وهو يطرح أفكاراً شائكة يرفض المجتمع أن يبت فيها وهو منقسمٌ حيالها على نحو ما نعايش ..
برغم ذلك ، فقد كانت قراءة المؤلف للقضيّة قراءة سائح تجوّل في كل تضاريس القضيّة التي طرحها ، من تناولات جورج طرابيشي وعزيز العظمة ومحمد عابد الجابري وفهمي جدعان ، أو جان جاك روسو وجان لابيار وجون لوك وصمويل هانتغتون وجونرولز وغيرهم ، وهي سياحة ممتعة مضغوطة بين دفتي هذا الكتاب الصغير في مبناه الكبير في معناه ، فقد استطاع الكاتب ، مستنداً إلى خبرة صحفيّة رفيعة ، أن يحشد آراءاً ضخمة في هذا الحيّز الصغير بمهارة لا تخطئها عين . غير أنّ المهم في هذا الاستعراض هو تقديم اضاءة حول جرأة غير معهودة ابتدرها هذا الكتاب .. يقول المؤلف في موازاة حشده لإقناع التيار السلفي بأنّ الديمقراطيّة لا تعدو أن تكون سوى آليات صحيحة للاختيار والتداول والتغيير ، فإنّه بالمقابل يحشد نصوصاً متقابلة ترفض أن تكون الشورى مجرد مجموعات في حاشية الحاكم تزيّن له ولاترى إلا وفق رأيه ، ويؤكد على أنّه ماخلى طاغية في التاريخ من مستشارين ومجالس شورى ، لكنها تسترزق منه ولاتعصيه ، كما أنها لاتملك حق تغييره أو تغيير رأيه فيقول : " أظن ألا أحد يختلف على أن الشريعة أتت بنصوص عديدة تذم فيها شِرعة الغلبة والاستئثار والقوة، وتحض فيها على الاختيار والشورى. كقوله تعالى: (وأمرهم شورى بينهم) وحديث المصطفى عليه الصلاة والسلام الذي رواه أبو عبيدة ومعاذ بن جبل، وورد فيه ذكر الحكم الملكي الجبري العضوض بصيغة الذم: (إن هذا الأمر بدأ نبوة ورحمة، ثم يكون خلافة ورحمة، ثم مُلكا عضوضاً، ثم كائن جبرية وعتوا وفسادا في الأرض). وما ورد عن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب الذي شدّد على رفض منطق الغلبة والاستئثار، حيث ورد عنه في صحيح البخاري أنه قال: (إني قائم العشيّة فمحذر الناس هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمرهم)، وكما ورد أيضاً في صحيح البخاري على لسان عمر: (من بايع رجلاً دون شورى المسلمين، فلا يُتابع هو ولا الذي بايعه، تغرّة أن يُقتلا)، وقد وردت روايات أخرى عن عمر بن الخطاب يقول فيها عن الحاكم المتغلّب: (فلا يحل لكم إلا أن تقتلوه).
يكفينا هنا أن نصل إلى نقطة اتفاق، مفادها أن الشريعة أتت بأفضليّة (اختيار الحاكم).
المحور الثاني: أنه في المجتمعات التي يسود فيها حكم الفرد المُطلَق، الذي لا رقيب عليه ولا مبدّل لحكمه (سواء جاء هذا الحاكم عن طريق الاختيار أو الغلبة)، يغلب عليها ممارسة الجور والظلم والطغيان ونهب مقدرات البلاد والعباد. وتقريب البطانة الفاسدة التي تزيد في غيّه وتبارك له ضلاله وتشرّع له ظلمه وجوره. وربما لا تشذ عن هذه القاعدة إلا نماذج محدودة، يكون فيها الحاكم على درجة من التقوى والصلاح تمنعه من الظلم والجور. (هناك نماذج عديدة لحكّام كانوا تقاة صالحين قبل وصولهم للسلطة، ثم بدّلوا بعد حُكمهم. كعبدالملك بن مروان، الذي كان آية في التقوى والعِلم قبل حُكمه، حتى قال عنه ابن عمر: "تركت المدينة وليس فيها أعلم ولا أنسك من عبدالملك بن مروان". ولكنه حين وصل للسلطة، أقام عُتاة الجبابرة الظلمة على ديار المسلمين، كالحجاج بن يوسف وخالد القسري وسواهما).. المهم أن التعويل على العدل في هذا المجتمع يكون فقط من بوابة تقوى الحاكم وصلاحه وخشيته من الله، أو (الضمير) و(الوازع الديني) كما يُسمى في علم النفس الاجتماعي.
أما المُجتمعات التي لا يكون فيها للحاكم مُطلق التصرّف، ولا يحوز فيها على كل الصلاحيات، بل يخضع لرقابةٍ ومتابعةٍ من قِبل أشخاص لا يخضعون لسلطة الحاكم (كممثلي الشعب المُنتخبين مثلاً)، الذين لهم الحق في إيقاف غيّه وظُلمه، ولهم الحق في عزله إذا طغى وفسد، هي مجتمعات أقرب إلى العدل ومنع الجور وإيقاف نهب مقدّرات الأمة .. والتعويل على العدل في هذا المجتمع يأخذ مسارين، الأول: تقوى الحاكم وصلاحه، والثاني: القانون الذي يمنعه ـ في حال انعدام التقوى والصلاح ـ من الجور والظلم والطغيان."
: " أجزم أنه لا يكاد يشذ ـ ربما سوى القليل ـ عن الاتفاق على عدم وجود نص قطعي الثبوت والدلالة يمنع من وجود رقابة ومُحاسبة للحاكم.. بل أتت النصوص على تعظيم شأن الإنكار على الحُكّام الظلمة. كقوله عليه الصلاة والسلام: (إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه عمهم الله بعقابه). وتواتر النصوص في هذا المعنى أكثر من أن يتّسع المجال لذكرها ـ سأسرد بعضها في فقرة (العدالة كأولوية) ـ. بل إن كل أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والاحتساب على الحاكم، في مدونات الفقه تؤكد على خيريّة وعظمة هذا المعنى في الشريعة." ص11
ويتساءل بجرأة في ذات المحور فيقول : " وإذا أردنا أن نكثّف السؤال أكثر باتجاه التيار السلفي في السعوديّة.. فإننا نتساءل عن سبب الغياب الكامل لمشروعات المُطالبة بالاختيار والانتخاب . حتى أننا لم نرَ وثيقة سياسية واحدة ـ أو حتى مقالاً واحداً ـ لرموز التيار السلفي تُطالب فيه بضرورة تطبيق النِظام الانتخابي، لتحقيق قدر أكبر من النزاهة في اختيار المسؤولين؟!. وفي المقابل كم سنجد من كثافة في الممارسات والأقوال التي تهدف إلى تطبيع فكرة التغلّب والخضوع ؟!.. وكم سنجد من حناجر مُتخصصة في نقد دُعاة الاختيار والشورى والحُقوق؟!." ص14
وفي فصل آخر يناقش المؤلف مسألة الاختيار ، ومايعرف بجماعة الحل والعقد ومايقابلهم من مجالس نيابية في النظام الديمقراطي ، ويناقش مسألة طريقة الاختيار وهوى الحاكم الفرد فيمن يختارهم فيقول : " إن أي متتبع للتاريخ الإسلامي القديم والمُعاصر سيجد أن المعيار الأهم عند (الحاكم المتفرّد) في اختيار أهل الشورى هو (الولاء والطاعة)، ولا شيء أهم من ذلك.. لذا رأينا كيف قُتل وسُجن كثيرٌ من كبار أهل العلم والفضل والكفاءة على امتداد التاريخ الإسلامي لمجرد استقلاليتهم وقولهم للحق ووقوفهم في وجه الظُلم. أي بسبب نقصٍ في أكسير (الولاء والطاعة والخضوع) عند هؤلاء العُلماء.
ورأينا في تاريخنا المُعاصر كيف طورِد عدد من كبار المثقفين والعلماء والخبراء الليبيين، وكيف اغتيل كثير منهم في منافيهم البعيدة، بعد أن أطلق عليهم الرئيس القذافي اسم (الكِلاب الضالة)." ص39
بالطبع لن تفي هذه المساحة بمناقشة أو استعراض كل نصوص هذا الكتاب الذي وصفته بأنّه صغير في مبناه كبير في معناه ، ويعتبر الأستاذ نواف القديمي ، واحد من مجموعة كبيرة من مثقفين سعوديين "إسلاميين وسطيين" يتكوّن بهم تيار جديد لم يتأطر في شكله النهائي بعد ، ولا ندري هل سيصبح هذا التيار متأطراً بالفعل في نسق حقيقي أم سيبقى مجرّد فكر وكتب ومقالات ومثقفين يتوزعون في خريطة الوجود الثقافي دون "عقل جمعي" يتحسسه المجتمع . وقد صدر لنواف مجموعة من الكتب لم يبتعد فيها عن قضيّته المحوريّة المتمثلة في جدليات الحل الإسلامي في واقعنا الراهن المليء بطروحات سياسية واقتصادية أخرى تحمل الحل وقد حققت نجاحات حقيقيّة واخفاقات كارثيّة في مجتمعات مختلفة ، مثل الليبرالية والاشتراكية والرأسمالية وغيرها ، فقد أجرى المؤلف حواراً عميقاً مع طائفة مهمّة ومؤثرة من منظري الحل الإسلامي في وقتنا الراهن ، شملت المفكر الراحل الدكتور عبد الوهاب المسيري والباحث الإسلامي محمد سليم العوا والصحفي والكاتب الإسلامي الشهير فهمي هويدي ، والباحث في التراث الإسلامي عبدالجواد ياسين والدكتور عبدالرحمن الزنيدي وعدد من قيادات الإخوان ورئيس حزب الوسط المصري المهندس أبو العلا ماضي وقيادات في حزب التحرير الإسلامي وغيرهم ، وقد جمع هذا النقاش العميق في كتاب أسماه (محاورات .. الإسلاميون وأسئلة النهضة المُعاقة). وسوى ذلك فللأستاذ نواف كتابات غاية في الامتاع ، تختلف جذرياً في إسلوبها عن الكتابات الفلسفيّة والفكريّة التي تشكّل غالب إنتاجه ، منها كتابه الشيّق (جداريات بيروتيّة ولوحات قاهريّة .. يوميات صحفي في أزمنة التحول) وقد كتبه بأسلوبه الرشيق الممتع ، وهو أشبه بكتب أدب الرحلات ، ولنواف علاقة وثيقة وعارفة ببيروت ، وهو ملم بفسيفسائها السياسية بشكل مذهل ، وقد كانت مادة الكتاب من طريف ما عايشه في رحلاته الصحفيّة أثناء الحرب اللبنانيّة الإسرائيليّة الأخيرة وقبلها وبعدها ، وقصة مشاركته في عدد من التظاهرات السياسية لعدد من الفرقاء السياسيين (حزب الله ، وتيار المستقبل ، والتيار العوني وسواهم) ، كذلك القصة المثيرة لدخوله الخفي لمخيم عين الحلوة وخروجه خفيه من المخيم .. وفي شقه الثاني يتناول رحلاته للقاهرة وحواراته مع المثقفين والسياسيين، ويوميات معرض الكتاب الدولي في القاهرة وسوى ذلك.
ويعتبر كتاب "أشواق الحريّة" الذي تم منعه وسحبه من معرض الكتاب الدولي في الرياض ، كتاباً جريئاً غير مسبوق ، لأنّه يخاطب بعلانيّة كل المسائل الشائكة في هذه القضيّة دون الاكتراث لـ "المحاباة" التي قد تكون متوقّعة منه كونه أحد أبناء التيار الإسلامي الذي يحابي كثيراً في الموقف من الديمقراطيّة .. كما أنّه لا يكترث مطلقاً للرأي الرسمي في سياق طرح فكري منهجي وأكاديمي ، وهذا أيضاً يرفع من درجات التوقّعات والتحسبات لمآلات هذا الكتاب "المدوي" كما أتوقّع .

* محرر ثقافي


عبدالمجيد

عفوا ..

الكتاب لم يمنع من النشر ابدا ..

بدليل تواجده في المعرض في الطاولات الأمامية ودون اي حرج ..

وأظن انني شاهدته من بداية المعرض ..

لكن الاكيد انني شاهدته معروضا ولم يمنع ..

دمت .


خلدون

مرحبا , لا أدري كيف منع الكتاب في معرض الرياض وأنا اشتريته من المعرض ؟ والكتاب يباع في أكثر من دار , والأستاذ نواف نفسه شخصيا كان يقف في آخر يوم للمعرض الجمعة في أحد الدور والكتاب بنسخ كثيرة عل طاولة أمامه , كان باستطاعتكم أن تقولوا : الكتاب الذي بيع منه أكثر من تريليون إلا ربع نسخة في المعرض , أفضل من نكتة المنع , أتمنى للتحرير مستقبلا مزيدا من النضج في اختيار وسائل الترويج والاعلان !


عبدالله العنزي

اشكر الاخ نواف على الكتاب الجميل ..

قراته كاملا واعجبني ..


وجمال الكتاب انه يعالج الاشكالات الرئيسية في موضوع الديمقراطية ومنتقديها وخاصة من التيار السلفي ..

واعتقد ان حوار السياسية و الوعي السياسي في السعودية يجب ان يتجه الى القضايا الرئيسية (والتي قد يفترض البعض انها من المعلوم بالضرورة).

والسبب في ذلك هو التغييب الكامل للشعب السعودي من المشاركة والفعل السياسي.

اشكر الاخ نواف مرة اخرى .. وليتنا نستمر في نقاش وتأصيل هذه القضايا الرئيسية.