الديمقراطية في مجتمع مسلم 3/ 3 التوعية بالديمقراطية في المجتمع المسلم:

2008-12-17 | المحرر الديمقراطية في مجتمع مسلم  3/ 3 التوعية بالديمقراطية في المجتمع المسلم:

وعي الشعب بحقوقه هو الذي يحمي الديمقراطية، وبعض الانقلابات فشلت بسبب وعي الناس، حيث خرجوا إلى الشارع وتصدوا للانقلابيين ورفضوا التعاون معهم وأفشلوا عملهم. ومن الحوادث الشهيرة في ذلك انقلاب بعض الضباط الروس على يلتسين وسيطرتهم على البرلمان ومع ذلك فشل انقلابهم، ورجع يلتسين إلى السلطة مرة أخرى. ومنها انقلاب بعض الضباط بدعم من الشركات الأمريكية في فنزويلا على شافيز ولم يدم الانقلاب أكثر من ثلاثة أيام ثم فشل وأخرج الشعب الفنزويلي رئيسه من السجن وأعاده إلى سدة الحكم مرة أخرى.

إن مقاومة الشعب ما كان لها أن تنجح لو كان الشعب يعتقد أن ليس له حق المقاومة أو ليس له حق في رفض ما يجبر عليه، أو لو كان يعتقد أن الأمر لا يعنيه، وأيضا ما كان للمقاومة أن تنجح لو كانت مشروع فئة صغيرة من فئات المجتمع. إن المقاومة نجحت لما كانت مشروع القطاع العريض من الشعب، ونجحت لما اعتقد هؤلاء أن حقا لهم اغتصب من قبل فئة معتدية وعليهم استعادته.

والتوعية واجب على العلماء والمفكرين والمثقفين، ولكن يحول دون ذلك في العالم العربي ثلاث عقبات:

1. اضطراب موقف العلماء من الديمقراطية:

فالبعض يمنع والبعض يجيز مطلقا أو مع بعض التعديل، والبعض يجيزها من باب الضرورة. هذا الموقف المتذبذب المضطرب عرقل التوعية بحقوق الناس في المشاركة السياسية، بل جعل البعض يهون من الشأن السياسي ومحاسبة أصحاب الولايات العامة وتقويمهم ونصحهم، أما الديمقراطية، فكان نهج كثيرين التحذير منها والتقليل من شأنها وتسفيه من أخذ بها.

وإنك لتعجب أن تجد من بعض طلاب العلم لسانا عريضا وقولا مجلجلا في التحذير من الديمقراطية بكل صورها، ولا تجد له قولا في التحذير من الظلم والاستبداد والمنكرات السياسية والاقتصادية التي يعج بها بلده.

إن نتيجة ذلك عدم وعي الناس بحقوقهم والتقصير فيما يجب عليهم من النصيحة لولي الأمر ومحاسبته إذا انحرف بالولاية عن غايتها الشرعية وقصر في رعاية مصالح الناس. ومن رفض الديمقراطية فلا إنكار عليه، وهو وما اختار لنفسه والشريعة تتسع له، وكذلك من عجز عنها فلا عتب عليه ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها. والعاجز يلام في إنكاره على غيره التصدي لما عجز هو عنه، ومن رفضها يلام في تقصيره في تطوير تصور بديل يأخذ به ويلام في تقصيره في العناية بالحقوق العامة والفروض الكفائية. وهذا سوف أتناوله في العقبة الثانية

2. تخلي بعض العلماء والدعاة عن حقوق العامة، والاكتفاء بالحديث عن الواجبات الفردية:

فبيان أحكام العبادات ومسائل من العقيدة، كالصلاة والصيام وتوحيد الإلوهية والأسماء والصفات والتحذير من الشرك وأنواعه من الدين، ولا يستقيم الدين بدونها ولا يجوز لعالم أن يقصر في بيانها. ولكن إهمال حقوق الناس العامة المنتهكة وعدم بيان خطورة التعدي عليها يجعل الناس يستمرئون الظلم ويستكينون له، بل ربما ظن بعضهم أن السكوت عن ظلم الظالم من الطاعات التي يتقرب بها إلى الله سبحانه.

وإنك لتجد بعض الأخيار من المحتسبين من حصر إنكاره المنكر في المخالفات الأخلاقية والعقدية وبعض البدع لا يكاد يتجاوزها، أما الاستبداد في الحكم والانحراف في الاقتصاد والشؤون المالية والتخطيط فلا شأن له به. إن منكرا تتضمنه خطط التنمية التي توجه البلد سنوات أو منكرا تتضمنه عقود اقتصادية أو معاهدات وأحلاف دولية أو منكرا تتضمنه قوانين وأنظمة أشد ضررا وأعظم أثرا في المجتمع من منكر يقع فيه بعض آحاد الناس.

3. عدم وجود تصور سياسي واضح:

كثير ممن يعترض على الديمقراطية ليس لديه تصور واضح بديل عنها، فهو يرفضها وهذا لا اعتراض عليه، ولكن اعتراضه ربما تضمن ـ علم أو لم يعلم ـ الاعتراض على أي بادرة للإصلاح، ويبدو كأنه مؤيد للاستبداد مناصر للظلم والعسف. وانتقاد المفاهيم التي تواضع عليها الناس، سواء كانت سياسية أو غير سياسية، ضرورة من أجل تطوير المفاهيم والأفكار، ولكن هدم التصورات القائمة من غير تقديم بديل وترك الناس في فراغ فكري يملأه الاستبداد ويستمر به الظلم سيء أيضا، ومعوق للإصلاح.

وبعض من ينتقد الديمقراطية يقابل بينها وبين الشورى وهذا ليس صحيحا لأن الشورى طريقة لاستخراج الرأي بينما الديمقراطية نظام حكم متكامل، يتكون من أجهزة متعددة، وليست مجرد انتخابات أو تصويت أو استطلاع للرأي.

ونحن نعلم يقينا أن الديمقراطية ليست شرطا لتقدم المجتمع ورقيه وليست شرطا لاستقراره، فهناك مجتمعات تقدمت وازدهرت وهي ليست ديمقراطية كالمجتمع الصيني، ولكنها ـ أي الديمقراطية ـ ربما تكون من أفضل أنظمة الحكم في استيعاب الاختلاف وإتاحة الفرص للجميع. وهذا لا يعني أنها من غير عيوب، فهي مثلا لا تحقق الرضا دائما، وليس هذا من مقاصدها، ولكنها تحقق مخرجا من الخلاف، وتتيح فرصة لمن خسر التصويت لإعادة طرح موضوعه.

والرضا قد يتحقق إذا كان المختلفون ينطلقون من أصل واحد ورؤية واحدة، أما إذا كانوا ينطلقون من رؤى متباينة، كالذي نجده عند الأقليات، فالتصويت لا يحقق الرضا. ولما صوت البرلمان الفرنسي ضد رموز العبادة والشعائر الدينية، رفض تلك النتيجة المسلمون واحتجوا عليها ورأوا في ذلك تعديا على حقوقهم، وفي الولايات المتحدة الأمريكية، جدل طويل عن الإجهاض ومشروعيته لا يمكن أن يحسمه التصويت، وأمثال ذلك كثير. والمقصد من ذلك أن الديمقراطية لا تفضي دائما إلى الرضا بين المختلفين، بل ربما أفضت إلى نقيضه، ولكنها تقدم مخرجا من الاختلاف بالتصويت، وتضمن سبيلا لمن لم يكسب الجولة في إعادة طرح الموضوع للتصويت ضمن شروط محددة.

والبعض يقترح الحكم الرشيد بديلا للديمقراطية، وخاصة لدول العالم الثالث. وقد تبنى هذا المصطلح برنامج الأمم المتحدة الإنمائي 3. والمصطلح ترجمة لمصطلح Good Governance، والبعض ربما ترجمه بالحكم الصالح أو الحكم الجيد. وهو تكييف للنظام الديمقراطي ليناسب تلك الأنظمة التي قد لا ترتاح كثيرا للنظام الديمقراطي الصارم الذي يعطي الشعب رقابة وسلطة عليا على الحكومة، ولا يخفى أن من أهم سمات الحكم الديمقراطي المشاركة الشعبية ورقابة الشعب على الحكومة من خلال ممثليه واستقلال السلطات الذي يمنع من الاستبداد. ومن اقترح هذا النظام ربط بينه وبين التنمية وجعلها الهدف الأساس لنظام الحكم الرشيد.

ـ نظام الحكم الإسلامي:

لا شك أن نظام الحكم الإسلامي، نظام مستقل عن النظام الديمقراطي، أو هذا المسمى بالحكم الرشيد أو الصالح. ولكن هذا النظام يفتقر إلى تطوير صيغه العملية الممكنة التطبيق.

وبعض من كتب عنه، تناول قضايا عامة وأعرض عن الإشكاليات العلمية والعملية التي عانى منها تاريخنا السياسي. إن تاريخنا السياسي مصبوغ بالدم، وكثير من الخلفاء كان مصيرهم القتل أو الحجر عليهم من بعض المتنفذين، وحكام آخرون كانوا مستبدين سفاكين للدماء، خشية من إفلات الحكم من بين أيديهم.

إن هذه مفاسد بينة ظاهرة، ولكن مع ذلك لم يجتهد أحد في البحث عن مخرج منها، وكان العالم يجتهد فيما هو أقل من ذلك مما هو من حاجات الأفراد ويؤلف فيه الكتب والرسائل لرفع الحرج عنهم بينما هذه المسائل التي تعم الأمة كلها لم تجد من يبحثها.

إن المؤمل من الباحثين سواء أيدوا الديمقراطية أو عارضوها، بحث أمثال هذه القضايا والخروج بتصور للحكم، يصلح أن يطبق في المجتمع المسلم. ويمكن في ذلك الاستفادة من تجارب غيرنا فهذه المسائل مما تعاني منها أنظمة الحكم في كل ملة وعند كل شعب، وأينما وجد الحق فنحن أولى به. وأحسب أن التجربة الديمقراطية الغربية قدمت بعض الحلول ومنها فصل السلطات الذي يمنع تركزها عند شخص واحد فيحول بينه وبين الاستبداد، ومنها تداول السلطة الذي يتيح الفرصة للتخلص من الحاكم السيئ من غير حاجة لإراقة الدماء واستخدام القوة.

وإن مما يساعد في تطوير الفكر السياسي إنشاء مراكز غايتها تطوير الفكر السياسي وتقديم صيغ عملية قابلة للتطبيق. وهذه المراكز يشترك فيها بعض علماء الشريعة والعلماء في العلوم السياسية فيكمل أحدهما الآخر. وأحسب أن العالم الآن، بعد الانهيار المالي المهول الذي ظهر في أمريكا، مستعد أن يسمع من المسلمين بعض ما عندهم، كما أحسب أن بريق بعض المنتجات الفكرية الغربية ربما انكسرت حدته بعد الانهيار المالي الكبير.

إن أولئك الذين ينتقدون الديمقراطية ويرفضونها جمله وتفصيلا ملزمون بتقديم بدائل عملية لما يرونه ضلالا وانحرافا عن الطريق السوي، ولا يكفي منهم التحذير من ضلال الديمقراطية، والحديث العام المجمل عن نظام الحكم الإسلامي.

رابعا: المفاهيم الثقافية والأبعاد الاجتماعية للديمقراطية

ما التغيرات الاجتماعية والثقافية المرتبطة بتطبيق الديمقراطية، أو بعض صورها في العالم العربي؟

من التغيرات المصاحبة للديمقراطية إذا طبقت ما يلي:

o اتساع مفهوم المشاركة الشعبية: كانت المشاركة الشعبية محصورة في العمل الاجتماعي والإغاثي، ومع نمو العملية الديمقراطية اتسعت لتشمل المشاركة الشعبية العمل السياسي والمشاركة في القرار كما سوف تتسع لتشمل شرائح اجتماعية متعددة.

o نمو المجتمع الأهلي أو المدني بتطور مؤسساته وتنوعها، وربما كثير من الأفكار تتحول إلى مؤسسات ينشأ عنها روابط اجتماعية ومؤسسات تقدم خدمات متنوعة للجمهور. وربما نتج عن ذلك أو يجب أن ينتج عنه توصيف قانوني لعمل المؤسسات.

o تغير العلاقات السياسية بين الحاكم والمحكوم: في العادة إذا رغب الناس في أمر ما أو ضجروا من شيء ما، اتجهوا لصاحب القرار مباشرة، ولكن مع نمو العملية الديمقراطية، يصبح الناس أكثر نضجا فيتجهون إلى أنفسهم ليقرروا ماذا يريدون من خلال صندوق الانتخاب وإلى ممثليهم في المجالس المنتخبة ليعبروا لهم عما يرونه، وإلى مؤسسات المجتمع المدني لتدافع عن حقوقهم. وهذا التغير سوف يكسب الناس إدراكا أسمى لحقوقهم ووعيا بها.

o الصراع بين سيادة النفوذ وسيادة القانون أو بين قانون القوة وقوة القانون. إذا تمت العملية الديمقراطية بصورة جيدة في بلد ما فلابد أن يبسط القانون سيادته على المجتمع ومن ثم ينحصر نفوذ ذوي النفوذ، فمع الشفافية والرقابة و المحاسبة وسيادة القانون تتحدد السلطات وتكون الصلاحيات إلى حد ما في حدود القانون وليس وفقا لنفوذ الأشخاص. وربما يحدث العكس سيما إذا كانت الخطوات الديمقراطية صورية فيصبح الانتخاب وجاهة اجتماعية تقضى بها المصالح والمطالب الخاصة.

o اتضاح مفهوم الحقوق واتساعه ووعي الناس بحقوقها ومطالبتها بها، ومما يساعد في ذلك نمو المجتمع المدني وسيادة القانون وحرية التعبير.

o سعي الأقليات في التعبير عن نفسها وقيمها ودينها بصورة علنية ومطالبتها بتمثيلها في المجالس التشريعية والتنفيذية. وهذه إحدى ضرائب الديمقراطية التي لا تتحملها المجتمعات الإسلامية المحافظة، ولهذا ربما رفضها بعض علماء الشريعة لما يرى فيها من إتاحة الفرصة لطوائف بدعية في الدعوة لبدعتها أو لمذاهب منحرفة في الإعلان عن انحرافها. وهذه المسألة تحتاج إلى إعادة نظر، فليس هذا التخوف مسلما به. بل إن أعظم ما تسعى إليه كثير من الأقليات الطائفية، الانغلاق حول ذاتها لأنهم يرون أن الانفتاح على الأكثرية والاختلاط بهم خطر عليهم. ألا ترى كثيرا من تلك الطوائف، تتكتم على أفكارها وعقائدها وتعيش فيما يسمى بجيتوات ghettosأو أحياء مغلقة. إن إتاحة التعبير للأقليات، سوف يتيح للمعارضين داخلها أن يعبروا عن آرائهم ضد ما يتلقونه من قياداتهم من فكر وتوجيه وبهذا تنشط حركة النقد داخل الأقلية، والفكر السري لا يمكن أن يصمد في الهواء الطلق. والأكثرية ينبغي أن تتقبل أفراد الأقليات ممن هو مستعد للاندماج معها وتقيم الحوار معهم. ولكن هل هذا الانفتاح وحرية التعبير للأقلية من غير ضوابط؟ بالطبع كلا، وأهم ضابط هو أن لا تتضمن حرية التعبير تعديا على قيم الأكثرية وعقائدها.

o مفهوم الحرية ربما يتسع سواء في التعبير عن الحقوق والرأي، وفي التصرف والسلوك، ويتبع ذلك التوسع في مفهوم الحرية الفردية، وربما ينشأ عن ذلك أنوع من السلوك لا تتفق مع الاتجاه العام السائد في المجتمع.

ولعل أكثر ما يؤثر في الحرية ثلاثة عوامل، هي:

- الوصول إلى قنوات التعبير سواء كانت منابر أو فضائيات وأجهزة إعلام.

- التوصيف القانوني للتعبير، ومع أهمية حرية التعبير، إلا أنه لابد من وضع ضوابط تحمي خصوصية الناس وتحمي دينهم من السخرية به وتحمي ثوابت المجتمع ووحدته من عبث العابثين.

- المبادرة، فأولئك الذين يبادرون قبل غيرهم، ربما يكون لهم أثر على المجتمع أكثر من غيرهم وربما هم من يحدد سقف حرية التعبير.

• تطور الفقه السياسي الذي يتناول الديمقراطية والانتخابات ومشاركة المرأة في السياسة. وربما ينشأ عن المخاض الفقهي خلاف بين المختلفين، فيضلل بعضهم بعضا وتتحزب فئة من المجتمع لرأي وأخرى لرأي آخر. ولعل مما يعين على تفادي ذلك الحوار بين العلماء والمفكرين والمثقفين. ومما يخفف حدة الخلاف في أي مفهوم تحليل المفهوم إلى مكوناته الأساسية.

وتحليل المفاهيم سوف يساعد الباحثين على التمييز بين الخطأ والصواب فيها، وبين ما هو إيديولوجي محض وبين ما هو تجربة إنسانية، يمكن أن تكون مشتركة بين الناس. فالعدل مثلا هو مما تتوخاه النظرية الديمقراطية، وهو مطلب إنساني، بل هو فطرة في الناس، وبعض وسائل تحقيقه العملية، يمكن أن تكون تجربة مشتركة بين الناس، وهذه الوسائل يمكن الاستفادة منها وتطويرها.

وتحليل محتوى الديمقراطية إلى مكوناتها الأساسية، سوف يعيننا في تحديد المخالف للشريعة والموافق لها، ويمكننا من وضع بدائل للمخالف ووضع قيود لما يظن أنه يفضي إلى مخالفة شرعية أو مفسدة.

خامسا: الديمقراطية والعالم العربي

قبل الحديث عن الديمقراطية في العالم العربي، أقدم بتمهيد ضروري، وإن كان لا يخفى على من درس الديمقراطية. الديمقراطية ليست شيئا واحدا ولا مفهوما جامدا لا يقبل التعديل والتطوير، بل هي متغيرة ومتطورة حسب المكان والزمان، وأذكر هنا شاهدين:

1. تحول مفهوم الديمقراطية من المباشرة إلى التمثيلية في القرن الثامن عشر. وكان اليونان لا يرون غير المباشرة ديمقراطية، ويرون التمثيلية حكومة أقلية. كما سبق بيان ذلك في تطور مفهوم الديمقراطية.

2. أعمال من يعرفون في التاريخ الأمريكي بالآباء المؤسسين، وهم من صاغ الدستور الأمريكي وأسس الحكومة الأمريكية؛ فهؤلاء لم يستخدموا لفظة الديمقراطية، وكانوا يفضلون عليها لفظة الجمهورية. والديمقراطية تعني عندهم الديمقراطية المباشرة فقط، أما الديمقراطية التمثيلية التي فيها يحكم ممثلو الشعب وفقا للدستور، فيسمونها الجمهورية. وكانوا مدركين لعيوب الديمقراطية، ومنها خطورة حكم الأغلبية في انتقاص حقوق الفرد أو الأقلية، بل إن أحد هؤلاء، هو جيمس ماديسون، في الورقة التاسعة من الأوراق الفدرالية، دافع عن الجمهورية وفضلها على الديمقراطية من أجل حماية الفرد من الأغلبية. وقد اجتهد هؤلاء في إيجاد مؤسسات ديمقراطية وإيجاد مجتمع منفتح من خلال دستور وميثاق للحقوق. وقد أبقوا من عناصر الديمقراطية ما رأوا أنه الأفضل وخففوها بتوازن القوى ووضعوا البناء الفيدرالي.

والآن، ماذا بشأن الديمقراطية في العالم العربي؟

الديمقراطية الحقيقية لم تطبق في العالم العربي فيما مضى، كما أنها قد لا تطبق فيه في المستقبل القريب، لأنها غير مرغوبة بكامل حذافيرها من جميع القوى السياسية الفاعلة في المجتمعات العربية.

فالنظم الحاكمة لا تريدها لأن أحد مفاهيمها تحديد صلاحيات السلطة الحاكمة والشفافية وفصل السلطات، والاتجاهات الليبرالية والعلمانية لا تريدها، لأن أغلبية الشعوب العربية مسلمة ترغب في الإسلام وترفض العلمانية، ولا مكان لهذه الاتجاهات مع هذه الأغلبية. وبعض الاتجاهات الإسلامية تتحفظ عليها، لأنها تتضمن إلغاء حاكمية الشريعة.

من أبرز معاني الديمقراطية، تداول السلطة وحرية الشعب في التعبير عن إرادته، وكلا هذين مفقودان في الديمقراطية العربية. ولم تشهد الديمقراطية العربية إطلاقا تداولا للسلطة، بل إن حقيقة النظام الديمقراطي لم تنشأ في العالم العربي: فلا زال تداخل السلطات واجتماعها في يد واحدة تستبد بها، ولازالت حرية التعبير ضعيفة، ووسائل الإعلام لازالت تزيف الرأي العام وتمارس تضليل المواطن، ولازال الفساد الإداري والمالي منتشرا، أما مشاركة المواطن في العملية السياسية سواء بالاختيار أو المراقبة والمحاسبة أو بالرأي وصناعة القرار فغائبة في الجملة. ولا شك أن بين الدول العربية تفاوتا في ذلك، ولكن لا أحد منها يصل إلى مستوى الدولة الديمقراطية الجديرة بالاحترام.

ولو أخذنا الانتخابات باعتبارها أحد أبرز مظاهر الديمقراطية، لوجدنا أنها تطبق على مستويين:

الأول: الانتخابات الرئاسية التي ينتخب فيها الناس رئيس البلاد, وهذه محدودة جدا، بل تكاد أن تكون غائبة عن الساحة العربية. والبلد العربي الوحيد الذي يأتي رئيسه عادة عن طريق الانتخاب هو لبنان، ولكن الرئيس اللبناني تختاره دول أجنبية لها نفوذ في لبنان قبل انتخابه من قبل الشعب، ومع ذلك فمنصب الرئاسة ليس متاحا لجميع الطوائف، وإنما هو محصور في الأقلية المارونية فقط، وهذا معارض لمبدأ الديمقراطية. وانتخابات الرئاسة في سوى لبنان مزورة، وليست متاحة لجميع الشعب ليشارك فيها وإنما هي تصويت على الرئيس الموجود بنعم أو لا، والنتيجة معروفة سلفا وهي أربع تسعات في العادة.

الثاني: الانتخابات البرلمانية، وهذه موجودة في أكثر من بلد، ومنها مصر والكويت واليمن والبحرين وموريتانيا والسودان والمغرب، وهي انتخابات لا تخلو من التزوير والتلاعب في بعض الدول، وهي في كل أحوالها منقوصة لا ترقى لمستوى الديمقراطية الحقيقية، فمثلا في الكويت ـ وهي أحقها بوصف النزاهة ـ ليس من حق من فازوا في الانتخابات تشكيل الحكومة، وهذا مخالفة لأهم مفاهيم الديمقراطية التي تعني حكم الشعب، ومن ثم فمن حق ممثلي الشعب الذين اختارهم الشعب في انتخابات نزيهة أن يحكموا الشعب نيابة عنه. ولكن مما يسجل لدولة الكويت أن من حق مجلس الأمة محاسبة الحكومة، ولكن الفئة الحاكمة هناك كثيرا ما ضاقت بذلك، فيبادر الأمير إلى حل البرلمان أو حل الحكومة. أما في مصر واليمن، فالانتخابات تشهد تزويرا وبلطجة وتعديا على المنتخبين. وفي دول ـ بعضها غنية ـ تشترى الأصوات صراحة ويستغل المرشح حاجة الناس وفقرهم وجهلهم.

ومما يعيق الديمقراطية في العالم العربي، إرادة الدول الكبرى النافذة في بعض دوله، فالشعب الفلسطيني مثلا عوقت تجربته الديمقراطية، وأجمع العالم تقريبا على محاصرة الشعب الفلسطيني في غزة لأن الديمقراطية حملت حماس الإسلامية إلى الحكم، وتجربة الجزائر الديمقراطية أجهضت، لأن جبهة الإنقاذ انتصرت فيها، وللإنصاف لا يعزى إجهاض التجربة الجزائرية للعدو الخارجي، فتصريحات بعض زعماء جبهة الإنقاذ الذين كانوا يهددون بمحاكمة مخالفيهم من رجال الحكم وغيرهم، كانت مسوغا للعدو الخارجي للتدخل لإفشال التجربة.

الشعوب العربية مسلمة، ومن أجل تطبيق الديمقراطية في بلادها، لا بد من مراعاة الهوية، لأنها خيار الشعب. والديمقراطية إذا كانت متناقضة مع إرادة الشعب واختياره، كانت تعديا على هوية المجتمع وعبثا بحقوقه الأصيلة ومنازعة لإرادته. وديمقراطية هذا شأنها لا يمكن أن تحقق الحرية للناس وتحفظ حقوقهم، بل سوف تكون وبالا ودمارا على المجتمع، وتفضي إلى الضد من مقاصدها، فلا حرية ولا استقرار معها.

إن نزع مواطن الصدام بين الشريعة والديمقراطية، والاحتكام إلى مرجعية واحدة محددة، هو أول شروط أي حركة في الاتجاه نحو الديمقراطية. ولا شك أن معضلة المسلم مع الديمقراطية هي في العلمانية التي تتضمنها.

ورغم أن العلمانية ربما تكون من أسباب نجاح الديمقراطية في الغرب، لأنها موافقة لرأي الأكثرية، إلا أنها سبب رئيس في فشل الديمقراطية في العالم الإسلامي، لأن الديمقراطية جاءت بمشروع إقصاء الشريعة عن الحياة، فهي بهذا لا تمثل إلا رأي أقلية اختطفت الحكم على حين غفلة من الناس رغما عنهم، فهي خائفة أبدا لا تثق في اختيارات الناس، ولهذا لا تتيح لهم الفرصة ليختاروا ويعبروا عن إرادتهم.

وكي تنجح الديمقراطية في العالم الإسلامي، لابد من تحويرها، بحيث تكون متفقة مع إرادة غالبية الشعب، وذلك بأن تكون الشريعة هي المرجع الأساس في الحكم. وكما أن في كل دولة دستورا، تحترمه الديمقراطية ويرجع إليه أهلها في التحاكم، فكذلك الشريعة هي خيار الشعب، ويجب أن تكون هي الدستور الذي يرجع إليه الناس في التحاكم. إن النظم الاجتماعية والقوانين لن يكتب لها النجاح ولن تعمل بفاعلية إذا لم تكن تستند إلى رضا الناس.

وهذا في حالة الاختيار، أما في حالة الاضطرار، فينبغي المشاركة في الديمقراطية على علاتها مهما كانت، لأنها إذا كانت ديمقراطية حقيقية، فهي كفيلة بتصحيح ذاتها من خلال المشاركين فيها وتحقيق إرادة الشعب واختياراته. ومهمة من يشارك فيها حينئذ المطالبة بديمقراطية حقيقية تحترم إرادة الجمهور وتسعى إلى إنشاء مؤسساتها وتكفل المشاركة للجميع.

إن فكرة الديمقراطية الأساسية، أن منتجها النهائي يعبر عن إرادة المشاركين فيها، ويفترض أنه إذا شارك فيها العلمانيون فالمنتج سوف يكون علمانيا، وإذا شارك الإسلاميون، فالمنتج سوف يكون إسلاميا. وحينما تتكافأ القوى، فالمنتج النهائي لابد أن يخضع لمبدأ التسوية السابق ذكره في أول البحث، وهذا ربما قصر بالمنتج عن المستوى الإسلامي المأمول، ولكن كما قيل: "حنانيك..فإن بعض الشر أهون من بعض". وشريعتنا بحمد الله واقعية، جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها ومنع المفاسد وتقليلها، والله عز وجل يقول: "فاتقوا الله ما استطعتم" ويقول: "لا يكلف الله نفسا إلا وسعها".

* نحو تطوير أنموذج للديمقراطية يصلح لبلد مسلم:

النزاع بين الإسلاميين، ممن يؤيد الديمقراطية ومن يعارضها، يظهر في حالة غياب المشروع الإسلامي السياسي، فحينما لا يوجد بديل للديمقراطية، ويتحاور هؤلاء حول الديمقراطية، باعتبارها قضية ذهنية مجردة لا علاقة لها بواقعهم، فإن الخلاف يظهر، وربما كان حادا، لأن أحدهما ينظر إلى الجانب العملي ولهذا يبحث عن المنافذ التي تتيح له المشاركة فيها مستقبلا لو فرضت عليه، والآخر ينظر إليها من حيث هي قضية ذهنية مجردة، تخالف الشريعة وتتضمن العلمانية، ولهذا هو يتخوف منها فيحاربها. ولكن حينما يواجه الجميع الديمقراطية، باعتبارها حالة واقعة مفروضة عليه، فلن يتردد أحد منهم في المشاركة إذا كان يملك القوة الاجتماعية الكافية لإحداث التغيير في النتيجة الانتخابية، وشاهد هذا أمران:

الأول: ما استقر عند الأصوليين من وجوب دفع المفسدة وجلب المصلحة ما أمكن.

والثاني: شواهد الواقع، فأبرز من يعارض الديمقراطية شارك في الانتخابات في البلاد التي يملكون فيها قوة مؤثرة في نتائج الانتخابات والتجربة الكويتية شاهد على ذلك.

ولهذا، لعله من الأولى الاتجاه إلى البحث العلمي لإنتاج صيغ عملية سياسية صالحة للتطبيق في المجتمع المسلم، ويمكن في هذه الحال الاستفادة من الديمقراطية ومن غيرها، كما يمكن استخدام أسلوب تحليل محتوى الديمقراطية الذي سبقت الإشارة إليه.

سادسا: خاتمة

وختاما، فمما يتقدم يظهر لنا أن الديمقراطية مفهوم متغير متطور حسب المكان والزمان، والكل يكيفه حسب حاجته. ومن المفكرين من يرى أنها بمثابة الوعاء الذي يستطيع كل أحد أن يملأه بما شاء، ولكن وفق معايير محددة، كالمشاركة الشعبية والشفافية وحرية التعبير وفصل السلطات وسيادة القانون.

وعلى هذا، فالمجتمع المسلم يستطيع أن يكيف الديمقراطية التي تناسبه، ويتحقق بها دينه ويقوم بها العدل. ومع التسليم بحق كل أحد في نقد أي تجربة بشرية، إلا أنه مما ينبغي ملاحظته، أن النقد ربما كان سببا في استمرار الظلم والطغيان وضياع الحدود، سيما إذا كان خاليا من تقديم بدائل عملية، تفي بحاجة الشعب في الشأن السياسي وتتحقق به مراقبة الحكام.

المراجع:

تورين آلان (1995). ما هي الديمقراطية: حكم الأكثرية أم ضمانات الأقلية. لندن: دار الساقي

روبرت دال (1995). الديمقراطية ونقادها.ترجمة نمير مظفر. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر

ديورانت، ول (1419). قصة الحضارة، ج7، ترج. محمد بدران، جامعة الدول العربية.

محمد، علي (د ت). أصول الاجتماع السياسي: السياسة والمجتمع في العالم الثالث. ج2

Tocqueville, Alexis de (3).Democracy in America. Penguin Books.

Zakaria, Farid (4).The Future of Freedom: Illiberal Democracy at Home and Abroad, Revised Edition. W.W. Norton and company

http://tech.bcschools.net/bcps/Curriculum/Social%Studies%Curriculum/L%%Resources/7%%Core%Democratic%Values/Core%Democratic%Values.pdf

http://www.pogar.org/arabic/governance/.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر

حسن البهلول العبهلي

التخوف من الديمقراطية يكمن في تعريفها وتسميتها الذي يعني حكم الشعب وأنه مصدر التشريع , أما آليات الديمقراطية كالانتخاب وفصل السلطات ومراقبة السلطات بعضها البعض والشفافية والمحاسبة الناتجة عن تلك المراقبة وإنشاء المجتمع المدني , فهذه أمور لا يمكن معارضتها من أي مسلم يريد الحق ؛ لأن هذه الآليات تجلب المصالح وتكثرها وتدرأ المفاسد وتقللها . أما المخرج من هذه الإشكالية والتخوف المبرر من الديمقراطية فهو : تضمين الدستور في مادته الأولى ما يلي ( إن القرآن الكريم والسنة الصحيحة المطهرة بفهم السلف الصالح هما المصدر الأساس للتشريع) طبعا هذه المادة تنضمن القياس والإجماع وإن أضيفا كان حسنا, وبذلك يذهب ما يتخوف منه . إن الدولة المعاصرة لا يمكن إدارتها بالأسلوب الذي كانت تدار به الدولة في صدر الإسلام وبني أمية وما بعدها من دول ؛ حيث تنوعت النشاطات الإنسانية وكثرت المدن وتنوعت الثروة وتعقدت المصالح وتشعبت وكثرت المظالم وحاجيات المجتمع مما يطول الحديث عنه, فسياسة الأبواب المفتوحة من قبل ولي أمر لرد المظالم لم تعد مجدية مع كثرة الناس وكثرة مهام ولي الأمر الخارجية والداخلية , هذا إذا كان ولي الأمر عادلا فهو لا يجد من الوقت ما يقضي به حوائج الناس , ولذلك لا بد من إيجاد هذه الصيغة الديمقراطية فهي وعاء كما قال : ( بريجنسكي) يملأها كل شعب بما يناسبه ويفضي إلى الحكم الصالح , ومن عنده حل آخر فليوضحه مفصلا مع بيان كيفية تطبيقه بما يفضي إلى جلب المصالح وتكثيرها ودرأ المفاسد وتقليلها في هذا الزمن الذي نعيش فيه !!!


سالم

السلام عليكم

لا تقعوا في الخطأ القاتل و تسموها ديموقراطية

فيقول الغرب يوما السلمون ما انصلح حالهم الا بعدما تعلموا منا و تركوا شريعتهم

المفروض أن تقول

ماذا تعلمت الديموقراطية من الاسلام

و هذه هي الحقيقة حريتهم و ديموقراطيتهم تعلموها من المسلمين في قرطبة و من الصليبيين العائدين من بلاد المسلمين

لا تقعوا في الخطأ القاتل و تقولوا نطبق الديموقراطية بعد تعديلها

لان عندكم كتاب الله و هديه و اسمها الخلافة الاسلامية فقط فقط فقط

نريد أن نعود الى نظام خلافة أبي بكر و عمر و عثمان و علي و الحسن بشهادة رسول الله لهم أنها خلافة على منهاج النبوة

كيف نترك الجواهر و الددر الجاهزة لدينا و نأخذ ديموقراطية اليونان و نصلها على مقاسنا و هي حديد صدىء لا زينة له؟

تكلم بفخر و اعتزاز عن الحرية في النظام الاسلامي و كيف تحل مشاكل المساكين الغربيين و تصلح لهم هم ديموقراطيتهم

و خطأ المسلمون لم يمارسوا الديموقراطية كما علق الاخ

بل الغرب من مارس الشورى لدينا و أصلح ديموقراطيته بعدما تأثر بالاسلام و المسلمين

نحن نعلمهم

منذ اليوم قولوا الخلافة و الشورى و أبعدوا مصطلحاتهم

شكرا


ابو حسان

مقال جميل وجيد ، والحقيقة انّ المسلمين مارسوا الديمقراطية (الشورى ) منذ بعثة الرسول وسيرة الخلفاء الراشدين .
والغرب اليوم يريد ان يعلّمنا الديمقراطية ، ليس حبا فينا ولكن لمصالحه ، وعندما يفوز الاتجاه الاسلامي ينقلب الغرب على الديمقراطية مع الاسف .
وحكامنا لا يريدون الديمقراطية لانها تتعارض مع مصالحهم وحبهم للمال والسلطة .


فهد الغانم

د. عبدالله الصبيح أشكرك على بحثك القيم وعمق تحليلك.
ألا ترى أخي الفاضل أن نموذج الحكم الرشيد أكثر واقعية من الديمقراطية وما تجلب من جدال عقيم. أرى من خلال ماتكتب أننا نتفق على أن مشكتلتنا تتمثل في الاستبداد وفساد الحكم ولابد من حل لهذه القضية. فلماذا لا ننطلق من هذا المعطى ونبحث عن صفات الحكم الرشيدولا يلزمأن نتقيد بكلما تقوله منظمة الأمم المتحدة فلنا أن نستلهم بعض المبادئ من تراثنا الثري مثل العدل والشورى، ومن ثم نفكر في آليات لتطبيق التصور الذي نبنية لنظام الحكم وقد تقترب هذه الآليات من الديمقراطية بدرجة ما أو تبتعد وهذا لايهم لأن المهم ما نكسبه نحن بصفتنا محكومين.
وأوكد أن النظرة الواقعية تفيد بأن نقبل الأنظمة القائمة ولكن ندفعها لترشيد عملها وتحسين نظم الحكم فيها وأخذ الأمة حقوقها التي تليق بها.
لذا لا بد من الدخول في التفاصيل حيث يكمن الشيطان!!
ولك تحية تقدير وإجلال