مراجعات النهضة والتغيير (6): المسؤولية: أنا، المحنة، الآخر

2008-8-26 | إبراهيم العسعس مراجعات النهضة والتغيير (6): المسؤولية: أنا، المحنة، الآخر

* القاعدة القرآنية:

أكدها القرآن صارخة بينة، وأرسلها قاعدة قاطعة، في منهج تفسير المسؤولية عن الحدث. كان ذلك بعد معركة أحد، فقد تعجب الصحابة رضي الله عنهم من هذه الهزيمة كيف تقع، وهم الذين ظنُّوا مدة من الزمن أنَّهم محصنون من الهزيمة! قال لهم النص الواضح: "أو لما أصابتكم مصيبة قـد أصبتم مثـليها، قلتم: أنَّى هذا؟ّ! قل: هو من عند أنفسكم. إنَّ الله على كل شيء قدير" (آل عمران: 165). وعلى هذا سار الصحابة رضي الله عنهم، كما ساروا على غيرها من القواعد، فكانوا يدركون أن أول مسؤول عن نتـائج الحدث هو الشخص القائم عليه، ثم بعد ذلك يفـتش عن المحنة، وعن مسؤولية الآخرين .

* شكوى الرعيل الأول:

عندما تسمع شكوى أحد الصحابة مما يراه بعد عصر الرعيل الأول: "ما أعرف شيئاً مما أدركنا إلا هذه الصلاة، وهذه الصلاة قد ضيعت". فلا يذهبنَّ فكرك إلى بعض الممارسات الفردية، أو الشعائر التعبدية مثلاً، بل اعلم أنَّ الأمر أكبر من ذلك، إنه يشكو من تشوه المفاهيم، وانحراف المبادئ. ومن أهم هذه المبادئ التي بدأ أهل الحق يلاحظون انحراف الناس عنها شـعور المسلم بمسؤوليته عن أحداث التاريخ، فقد غدت الإنجازات في حسِّه عبارة عن توفيقات ربانية، والهزائم أو الإخفاقات داخلة تحت بند المحنة، أو مؤامرات الآخرين . وكفى الله المؤمنين مراجعة الذات! (هناك ما يدل على أن مفهوم: قل هو من عند أنفسكم، تم تفريغه من عقل المسلم بقصد: فقد ذكر المقريزي رحمه الله أن معبداً ذهب إلى الحسن البصري، فقال له: إن بني أمية يسفكون الدماء ويقولون: إنما تجري أعمالنا على قدر الله تعالى؟ فقال الحسن: كذب أعداء الله).

* أنا أم المحنة أم الآخرون ؟!

وتحول هذا الموقف إلى منهج حياة، انعكس على كل مواقفنا وتصرفاتنا، وحتى نعرف إلى أي مدى تغلغل هذا المنهج في حياتنا، سأسوق المثال من الرياضة هذه المرة.

قفوا معي هذه الوقفة التي يمر عنها الناس دون انتباه، وقد يظنونها هينة، وهي في الحقيقة عظيمة. يضرب اللاعب الكرة فلا تصيب هدفها، فماذا يقول المعلق العربي ؟! تدخـلت العارضة ! أو عانده الحظ ! فماذا يقول المعلق الغربي؟! أخطأ اللاعب. (هنا نقطة لا علامة تعجب لأنه وصف للحقيقة، وحيث الحقيقة فلا عجب).

كلمتان خفيفتان على اللسان، قصيرتان، لكنهما عظيمتان في ميزان الحضارة ! هاتان الكلمتان فرق ما بين حضارتين، ونمطين في الحياة، وهما في الحقيقة تفسير لتخلفنا، وتراجعنا، وعدم تحقيقنا للإنجازات في كافة مجالات الحياة . فالكلمة الأولى يبقى أصحابها يكررون نفس الأخطاء على اعتبار معاندة الحظ، والإنسان في هذا المنهج لا يشعر بأنه مخطئ، فلا يحاول تقويم أدائه، فضلاً عن تصحيحه.

أما في المنهج الثاني، فإن الإحساس بالمسؤولية يلاحق الإنسان، ويبقيه متوتراً، لأنه يعرف بأن المؤسسة التي ينتمي إليها قد تستغني عن خدماته بكل بساطة إذا تكرر خطؤه، حتى لو كان أمير المؤمنين في تخصصه.

وهذا ما حصل تماما في حركات النهضة والتغيير، لم نتعلم من أخطائنا، فتكررت نفس الأخطاء! لماذا؟! لأننا لا نعتقد بأننا مسؤولون عن الحدث، فبعد كل محاولة فاشلة نُرحل النتائج على ظهر المحنة، ولم لا؟ فالآيات التي تتحدث عن ضرورة الابتلاء تُستدعى بلا كلفة بمجرد الفشل، دون أن نكلف أنفسنا عناء البحث عـن مدى انطباقها على الحالة القائمة، أو دون أن نسأل أنفسنا عن دورنا ومسؤوليتنا، وهل استفرغنا وسعنا في التخطيط والإعداد والتنفيذ.

إن تحميل المحنة والابتلاء في كل مرة إخفاق الانجاز، وعدم تحقق النتائج سهل؛ أسهل بكثير من النظر في أدائنا، ومراجعة جهودنا، فهذه قد تقتضي ضرورة تغيير بناء كامل تعبنا في تشييده، ولذلك فإن سياج هذه الحالة المرضية: التعصب للموجود، الكبر، المكاسب، مصلحة الكيان القائم، خلو قاموسنا من مفردة نقد الذات.

كل هذه الأمراض تحول بيننا وبين المراجعة الحقيقية الصادقة. أقول الحقيقية الصادقة، لأننا قد نضحك على أنفسنا فنقوم بمراجعة ( بزعمنا ) ثم تكون النتيجة أنَّ: (القائد، أو المؤسس رؤيته صحيحة ودقيقة، وأنّ الأصول التي قامت عليها الحركة سليمة، وأنّ التجربة موفقة... الخ). فلماذا الفشل إذن؟! تردُّ المراجعة الكاذبة بأحد ما يلي أو بكل ما يلي: (الهجمة الخارجية والداخلية الشرسة، بعض الأخطاء هـنا وهناك من أعضاء الحركة، سنة الله في الابتلاء، قوة الخصم، الخ). والنتيجة: (ضرورة الاستمرار على ما كنا عليه، فالأمور بخير، ولا داعي لإجراء أية تغييرات).

فهل وقف الأمر عند هذا الحد ؟ للأسف كلا، فإن جبريتنا، ولا مسؤوليتنا وصلت بنا إلى درجة القبول بالخطأ، بل وأحيانا إلى تقديسه بحيث يتحول إلى نموذج نطلب من اللاحقين احتذاءه ونسخه! إذ عندما نفسر الخطأ على أنه ابتلاء لا يـد لنا فيه، أو لأسباب خارجة عنا، فهذا يعني أننا نقبله، وننظر له، ونؤدلجه.

وعندما نفسر الخطأ على أنه ضربة لازب لا محيد عنها، وأنها من الله بالمعنى الذي يسلب الإنسان إرادته، فهذا يعني أننا نقدس الخطأ، وقد نطلب تكراره من جهة أنه فرصتنا لتقديم الشهداء والمعذبين، فنحن أصلا قمنا طلبا للشهادة لا لتلك الأخرى التي هي نصر من الله وفتح مبين، فهذه طلب أهل الدنيا، الذين يعبدون الله عبادة التجار!

وادرس إن شئت الحركات التي قامت منذ الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير رضي لله عنهم، إلى ثورات الطالبيين المتعاقبة، إلى عصرنا الحالي، كلها محاولات انتهت بالفشل، وكلها اشتركت ـ تقريباً ـ بنفس الأسباب التي أدت لذلك الفشل.

والعجيب أنَّ الحركات المعاصرة التي لا زالت على رأس عملها ترفض أن تقوم بجردة حساب لتعرف ما لها وما عليها، ومنذ عقود لا زال فشلها مستمراً، ولا زالت تقدم الضحايا على مسالخ الطغاة تنفيذاً لسنة المحنة والابتلاء! وهو التفسير الأساس الذي تقدمه تسويغاً للفشل.

كيف نسعى إلى إحداث نهضة ونحن نكرر أخطاء، وأخطاءنا، ونرفض مبدأ المراجعة، والنقد، ولا نتخيل أن ما يجري علينا إنما هو بسببنا نحن أولاً وأساساً، وأن أعمالنا ما هي إلا اختيارنا للأقدار المعلقة على أدائنا.

إنَّ المراجعة الحقيقية الصادقة لجهود النهضة والتغيير السابقة والحالية يجب أن تبدأ من وضع البرامج والخطط، وقبل ذلك الذوات، تحت سلطة النقد والمراجعة، والدراسة الواعية لأسباب الفشل، والاستعداد للتصرف بناء على ما تقدمه نتائج النقد والمراجعة والدراسة. وكل هذا لا يمكن أن ينجح إلا إذا تخلينا عن الوصفة الجاهزة التي تخلي طرفنا عن أية مسؤولية، وتلحق الأحداث بالمحنة أو بالآخرين.

بالتعاون مع موقع التغيير:

http://www.altaghyeer.com


تم غلق التعليقات على هذا الخبر

civilization

نقد الذات في زمن أهله خير من نقده في زمن آخر من آخرين ليس لذواتهم وجود بل ذوات منهم قبلهم.
وأقصد المراجعة المتأخرة لقرارات لم نتخذها بل اتخذها السابقون وسرنا عليها وهذا هو خطأنا.
فنبدأ بتصحيح مسارانا ونقد ذاتنا بالاعتراف بالتبعية المقيتة ثم مراجعة قرارات السابقين ومدى ملائمتها لنا.
ولست أرمي باللوم على السابقين وتبرئه أنفسنا مما نمر فيه بل أن خطأنا أكثر فداحة ، فإن لم يراجعوا
ما قرروه وما فعلوه فإنا نحن (المستقبل )والذين نملك فرصة (التغيير) ركنا إلى (التجمد في قالب غيرنا).
بالإضافة إلى ذلك فإن نقد الذات ليس بأمر كاف للتغيير ، فلابد أن يدرك الحاضر مسؤوليته تجاه المستقبل ،
فيكون أكثر وضوحاً فيما يتعلق بقراراته الممكنة (خاطئة أو أقصى ما يمكن اتخاذه) و الصحيحة ( غير
الممكنة في زمانهم) ، وعلى المستقبل أن يعي أن الحاضر وأن أخطأ ليس مسئولاً عن تبعيته له ، بل أن
المستقبل مسئولاً عن تصحيح نفسه فلا يرمي اللائمة على الحاضر .