آخر الأخبار

خط باكو-جيهان النفطي في ظل الأزمة الروسية-الجورجية

2008-8-23 | علي حسين باكير خط باكو-جيهان النفطي في ظل الأزمة الروسية-الجورجية

يعتبر خط باكو-تبليسي-جيهان النفطي من أهم الخطوط النفطية عالميا، وهو ثاني أطول خط في العالم، ويوصف بأنه "خط أنابيب القرن"، وأطلق عليه البعض اسم "PIPE LINE STAN"، أي "انبوبستان"، في إشارة إلى مدى استقلاليته وأهميته الذاتية، إذ استغرق بناؤه 11 سنة، وكلّف بين 3.6 و3.9 مليار دولار، وعمل على إنشائه حوالي 15 ألف شخص.

يمتد هذا الخط النفطي في منطقة آسيا الوسطى-القوقاز والمتوسط، ويقوم بنقل النفط الخام الأذري من بحر قزوين، الذي تشير التقديرات إلى امتلاكه لاحتياطي مؤكد من النفط يتراوح بين 18 و34 مليار برميل واحتياطي محتمل يبلغ نحو 270 مليار برميل. وتعادل هذه التقديرات نحو ثلث احتياطي بترول الشرق الوسط. أما احتياطي الغاز المؤكد، فيقدّر بـ170 تريليون قدم مكعب، وتقترب أرقام الاحتياطي المحتمل من 250 تريليون.

ويسير الخط من أذربيجان عبر جورجيا إلى تركيا، بمسافة تبلغ حوالي 1770 كلم، وبأنبوب لا يزد عرضه عن 42 بوصة، حيث يصب في مرفأ جيهان على البحر المتوسط، ناقلا حوالي مليون برميل يوميا من النفط الخام، أو ما يمثّل 1% من إمدادات النفط العالمية.

ويذهب معظم النفط عبر هذا الخط من المرفأ التركي مباشرة إلى الأسواق العالمية، سيما إلى دول مثل ايطاليا، فرنسا واسبانيا، فيما يذهب بعض منه أيضا إلى الشرق الأقصى، والقليل إلى بريطانيا.

وتملك شركة "بي.بي" النفطية البريطانية 30.1% من الخط، بينما تمتلك "سوكار" الأذرية 25%، و"تباو" التركية 6.53%، ومن بين المساهمين الآخرين "شيفرون" و"كونوكوفيليبس" الأمريكيتان، و"شتات اويل هيدرو" النرويجية و"ايني" الايطالية و"توتال" الفرنسي، وشركتان يابانيتان.

واستلزم إنشاء هذا الخط تحولات سياسية كبيرة وشاقة، أدخلت الولايات المتّحدة في نزاع مع روسيا نظرا للأضرار التي لحقت بروسيا جراء قيامه، حيث يهدف إلى تخفيف احتكار روسيا لطرق توزيع النفط والإمدادات، كما أنه يخفف الاعتماد ولو بنسبة ضئيلة عن نفط الخليج العربي.

ومن الناحية الجغرافية السياسية، فإن هذا الخط يعتبر أهم عنصر في إستراتيجية الولايات المتحدة العامة فيما يخص انتزاع القوقاز وآسيا الوسطى من مخالب السيطرة الروسية، وكذلك التخلص من المنافذ النفطية والغازية عن طريق إيران.

لقد بدء المشروع بثلاث خيارات بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، خط يتجه شمالا نحو روسيا وآخر يتجه جنوبا عبر إيران والأخير يتوسطهما عبر القوقاز إلى البحر المتوسط، حيث تم اختيار الخط الأخير وذلك لأن الأول والثاني تسيطر عليه قوى "معادية" قد تلجأ إلى استغلاله في وقت الأزمات وقطع الإمدادات، وهو ما أثار حفيظة كل من روسيا وإيران خاصّة انّ المشروع الذي تم إقراره يعتبر الأكثر كلفة من الناحية المادية قياسا بالأول والثاني.

كما يكتسب الخط أهمية متزايدة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار إمكانية تكامله مع شبكات نقل أخرى، إذ يسير بمحاذاته حاليا خط لنقل الغاز، كما أنه قادر على نقل النفط من خطوط أخرى فرعية من دول عدّة، ككازاخستان ووسط آسيا، إذ عملت الحكومة هناك على دراسة إنشاء خط نقل من مرفأ "اكتاو" على بحر قزوين، حيث يقع حقل "كاشاجان" النفطي، إلى "باكو"، ما لبث أن تمّ إلغاء المشروع لمعارضة روسيا وإيران له.

كما اقترحت العديد من الجهات، إمكانية نقل نفط هذا الأنبوب إلى شرق آسيا من "جيهان التركية" عبر خط أنابيب "ايلات-اشكلون" الإسرائيلي، وبذلك يصبح من الممكن تسويق النفط الأذري وحتى الغاز إلى الأسواق العالمية، بسعر أقل وكلفة أقل ومردود أعلى. ويكفي أن نعلم أنه يختصر المسافة المطلوبة من 2000 كلم إلى 600كلم، حتى ندرك مدى الأهمية التي يكتسبها على هذا الصعيد.

إحدى الأسباب المهمة في اختيار هذا الخط، هو البحث عن الدول الأكثر استقرارا في المنطقة التي يجب أن يمر بها، ومن المفارقات، أن الخط تعرض لضربتين في أيام معدودة في تركيا وجورجيا في الوقت نفسه!!

إذ تعرض القسم التركي من خط باكو-تبليسي-جيهان النفطي لهجوم مجهول المصدر، فيما عزا البعض الهجوم لحزب العمال الكردستاني، الذي تبنى العملية قبل عدّة أيام من الأزمة الروسية-الجورجية، ما دفع الشركة المشغّلة، وهي "بريتيش بتروليوم" إلى الإعلان عن عزمها وقف الإمداد وقطع الصمامات عن الأجزاء المتضررة من الخط، ريثما يتم معالجة المشكلة وإخماد الحريق المشتعل.

وبينا كان يتم العمل على ذلك، غزت القوات الروسية جورجيا، ما أدى إلى تعطّل ووقف خطوط النقل التحويلية الاذرية-الجورجية، بما في ذلك خط "باكو-سوبسا"، الممتد على مسافة 550 ميل، الذي تم تدشينه العام 1999، إلى جانب توقف الإمدادات النفطية البحرية الجورجية على البحر الأسود، نتيجة للحصار البحري الذي فرضه الأسطول الروسي على المرافئ الجورجية.

وقد صرّح الرئيس الجورجي، سكشفيلي، أن روسيا قامت باستهداف الخط النفطي هذا، في إطار استهدافها للبنية الاقتصادية للبلاد من خلال الغارات التي شنتها على المرافق الحيوية للبلاد، وأن القصف الروسي طال جزءا من الأنبوب، في حين أنكرت القيادة الروسية هذا الخبر، مؤكدة أنها لم تقدم على ذلك.

وأدى تعطّل خط باكو-تيبليسي-جيهان النفطي إلى رفع سعر النفط عالميا دولارا واحدا، لكن إغلاقه يكلّف تركيا خسارة عوائد تبلغ قيمتها حوالي 300 ألف دولار يوميا، وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن إصلاحه يتطلب بين الأسبوع أو الأسبوعين، فهذا يعني خسائر تركيّة بقيمة حوالي 2 إلى 4 مليون دولار.

وتقدر تركيا أن 8% من تدفق النفط العالمي، سيتم عبر أراضيها، لكونها نقطة استلام توزيع لشحنات النفط والغاز في المنطقة، وهي تحصل على سبيل المثال على عوائد تقدر قيمتها بحوالي 300 مليون دولار سنويا كعائدات لمرور البترول عبر هذا الخط فقط في أراضيها.

في حين، تحصل جورجيا على 60 إلى 70 مليون دولار سنويا، أو 2 مليار دولار خلال المدة الافتراضية للخط، كما ساهم مشروع الخط بتحقيق نمو في الناتج المحلي الإجمالي بلغ حوالي 2%.

ولا شك أن خط باكو-جيهان قد أعطى أهمية اقتصادية متزايدة لمرفأ جيهان التركي، وعزز من قدرته التجارية ودوره على البحر المتوسط، وزاد من عائداته وخفف من حركة الناقلات في البوسفور.

ويحتوي ميناء جيهان التركي على منشآت تخزين تتّسع لـ7.5 مليون برميل من النفط، أو ما يكفي لملء سبع ناقلات نفط كبيرة، ولذلك فمن المتوقع أن يتم الاعتماد على هذه الكمية، ريثما يتم إصلاح القسم المعطّل من الأنبوب.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر