مراجعات النهضة والتغيير (5) منهج دراسة التاريخ

2008-8-8 | إبراهيم العسعس مراجعات النهضة والتغيير (5) منهج دراسة التاريخ

... تابع

3 ـ التاريخ ليس فرعاً لعلم الوراثة!

أخطر ما وقعنا فيه ونحن ندرس تاريخنا ونستلهمه، هو استدعاء الحدث التاريخي طلباً لتكراره! وليتنا نستدعي الحدث بكل أركانه، إذن لقلنا إننا ندرس لنوفر الشروط الموضوعية التي صنعت الحدث، لكننا نستدعي النتائج فقط! إن محاولة استدعاء حدث ما لمجرد وجود تـشابه في ركن من الأركان التي يتكون منها الحدث التاريخي، خطيئة قاتلة.

مع التنبيه إلى أنه حتى في هذا الركن الذي ظنننا فيه التشابه قد لا يكون وجه الشبه فيه كاملاً كافياً قابلاً للإسقاط! ومن المضحك المبكي أننا وعلى مدى قرون، كنا نطلب أو نتمنى أن تتكرر المشاهد الجميلة في تاريخنا كما حصلت في آخر لقطة متناسين المقدمات الموضوعية التي أدت إلى هذه اللقطة!

أعتقد أن السبب في ذلك هو فهمنا السطحي للسببية التي أكد عليها القرآن، وقامت عليها الحياة. فبمجرد توفر أي تشابه بين ظرف حاضر وبين ظرف ماضٍ تجدنا نبني قصوراً من الآمال، لعل وعسى أن يتكرر المشهد! لكن سنن الحياة صارمة جداً ولا تحابي أحداً! فالأحداث التاريخية لها طبيعتها الخاصة، وسياقها المحدد وظروفها وأسبابها ومن ثم نتائجها المنسجمة مع كل هذا.

فمثلاً لا يعني أنه كلما قامت فئة مسلمة صادقة لتصادم الأعداء أن يتم استدعاء نتيجة معركة بدر، أو نبدأ بالإنشاد: وجددي حطين! ولماذا؟! لوجود تشابه (ولو بصعوبة) في ركن واحد من أركان الحدث التاريخي، وهو أن هذه الفئة مسلمة كما كان الذين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم،أو كصلاح الدين ومن معه! هذا النسخ المطابق لا يمكن تكرار نتيجته دون ملاحظة الفروق الدقيقة، والظروف الأصلية، ثم محاولة توفيرها كي تتكرر سنة النصر.

إن معركة بدر بمقدماتها ونتائجها وكل ظروفها حدث غير قابل للتكرار هكذا بكل بساطة لمجرد أننا مسلمون كما كان الصحابة رضوان الله عليهم! أو لأن أعداءنا الذين يعتدون علينا كفرة! والملاحظ أننا لا نتطلب تكراراً متواضعاً، بل نطلب مشابهة حذو القذة بالقذة، فنجلس ننتظر تدخل الملائكة، أو انقلاباً كونياً يُدمر أدوات الكفار المتطورة!

وقد تناقل الناس في حرب الخليج الثانية (1991) كيف أن كثيراً من الطيارين الأمريكيين قفزوا من طائراتهم بسبب رؤيتهم خيولاً بيضاء عليها رجال بيض الثياب، بيض الوجوه توشك أن تنقض على طائراتهم فيفضل (المسكين) القفز من طائرته على مواجهة تلك الخيول!! ولم لا أليس النصر من عند الله؟! لاحظ كيف يوظف هذا المنهج سُنَّة أنَّ النصر من عند الله في سياق لا يصلح أرضاً لهذه السُنَّة!

ومن الأمور التي تعاملنا معها بمبالغة، وبحرفية، اعتماداً على أن التاريخ جزء من علم الوراثة، قضية جبن اليهود وأنهم لا يستطيعون قتالنا إلا وهم متحصنون في قراهم أو من وراء جدر أو دبابات أو غيرها، والدليل على ذلك قوله تعالى في سورة الحشر: "لا يقاتلونكم جميعاً إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر، بأسهم بينهم شديد، تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى ...".

والسؤال الذي لا بد منه هنا: هل تتحدث هذه الآية عن بني النضير خاصة، وهم الذين نزلت فيهم الآيات، أم تقصد أن تقرر لنا خاصية في اليهود؟ وهذا يعني أن هذه الخاصية تورث جيلاً فجيلاً، لا يمكن لليهود الانفكاك عنها. وقبل أن أكمل أود أن أقول بأنني هنا لا أرجح ولا أقرر، إذ الترجيح والتقرير يحتاجان لدراسة وافية مستوعبة لا أدعي تحقيقها الآن، ولكنها مجرد تساؤلات قديمة نامت في الباطن، حتى إذا لزمت إثارتها، أحببتُ مشاركة قارئي فيها. لكن الذي أنا واثق منه أننا بالغنا جداً في الاعتماد على هذا الطبع في اليهود إن كان طبعاً.

ونعود إلى التساؤلات السابقة ونكمل : الآية اشتملت على ثلاث قضايا لا قضية واحدة، الأولى: أنَّهم لا يقاتلوننا إلا في قرى محصنة الخ ... يعني أنَّهم جبناء.

الثانية: أنَّ بأسهم بينهم شديد ... يعني أنَّهم لا يتفقون.

الثالثة: أنَّ واقع حالهم التـشتت وتفرق القلوب، وإن بدوا للناظر الذي لا يعرفهم خلاف ذلك.

الغريب أن المفسرين المعاصرين اعتمدوا في جعل الآية عامة في اليهود في كل عصر أنهم يحرصون دائما على القتال وهم محصنون. وهذا استدلال من الواقع دلَّ عليه الواقع في كثير من الأحيان، لكن هل يدل واقع اليهود على القضيتين الأخريين؟! أليس اليهود اليوم على قلب رجل واحد؟ ألم يستطع اليهود الوصول إلى آلية ينظمون بها خلافاتهم؟ ومن الذين بأسهم بينهم شديد بالضبط؟! نحن أم اليهود؟!

إن تخلف هاتين القضيتين الخبريتين (والأخبار في القرآن لا تتخلف) عن مطابقة الواقع، تسقط الاستدلال بالنص وتعميم قضاياه، وتخصُّه ببني النضير. وعلى كل حال وبصرف النظر عن تحقيق الحق في هذه المسألة، فإنَّ المبالغة في التعامل مع أن الجبن ماركة مسجلة يهودية، وأنه قد يكون بعض اليهود شجعاناً، أوصلنا إلى مآسي في إدارة صراعنا معهم، وإلى خلل رهيب في فهم وتفسير ما حققوه على أرض الواقع، فقد ألقيت المسؤولية في تفسير ما حققوه على تفرق وتخاذل العرب أولاً، وعلى دعم الدول الكبرى ووقوفها وراءهم.

وأنا بطبيعة الحال لا ألغي هذين العاملين، لكني لا أكتفي بهما في تفسير واقع صراعنا مع اليهود، كي لا نقع في شرك التفاسير الخاطئة والمجزوءة، التي تؤثر على أسلوبنا في إدارة الصراع .

بحسرة أقول لكم، لقد وعيت وأنا أسمع أهلنا الذين عاشوا نكبة فلسطين الأولى عام 48، يتحدثون عن عجبهم من انتصار اليهود، مع أن واحداً منهم كان قادراً على تسكير شارع بأكمله لليهود في حارته في فلسطين!! ولقد مات هؤلاء وعلامات التعجب محفورة على وجوههم، كيف انتصر أولاد الميتة علينا!! (أولاد الميتة لقب اليهود عند أهل فلسطين).

حتى نكرر ما نحب، علينا أن نستحضر كامل الوصفة، وإلا حدث معنا كما حدث مع ذلك الذي أراد أن يتعلم الطيران!!: فتش عن مغزاها: أراد أحدهم أن يتعلم الطيران فاشترى كتاباً لتعليم الطيران، واتبع خطواته، وفعلاً طار الرجل، وعندما أراد الهبوط قلب الصفحة فإذا فيها:... إلى اللقاء في العدد القادم!!!

بالتعاون مع موقع التغيير:

http://www.altaghyeer.com


تم غلق التعليقات على هذا الخبر

salam

الثانية: أنَّ بأسهم بينهم شديد ... يعني أنَّهم لا يتفقون.


الثالثة: أنَّ واقع حالهم التـشتت وتفرق القلوب، وإن بدوا للناظر الذي لا يعرفهم خلاف ذلك

++++++++++++++

لكن هل يدل واقع اليهود على القضيتين الأخريين؟! أليس اليهود اليوم على قلب رجل واحد؟

+++++++++
my Friend, you already answered yourself when you said

وإن بدوا للناظر الذي لا يعرفهم خلاف ذلك

it seems yuou need to refresh you info about the jew and if they are united or not !

read for Al Masseeri

thanks


ناصر الكسواني

جزى الله الأخ إبراهيم خير الجزاء على هذه الأفكار الطيبة، وأود أن اضرب مثالاً عشته قبل فترة حيث كنت عائداً لتوي من خارج البلاد فسألت عن خطيب للجمعة أستطيع أن أسمع خطبته من غير أن تصيبني حرقة المعدة فدلوني على خطيب ألمعي في أحد المساجد فما أن وصلت هناك إلا وتفاجأت بالحشد الكبير الذي أثلج صدري وجعلني أظن أني وجدت ملهمي الذي أجمعت عليه الجماهير ولكني تساءلت في نفسي كيف يسمح لهذا الرجل بالخطابة طالما له هذا التأثير الواسع.
لكن ما أن بدأ الرجل بالخطبة إلا وأدركت لماذا هذا الجمع ولماذا لم يمنع الرجل.
لقد تحدث الرجل عن غزوة أحد وكيف كانت هزيمة المسلمين ولماذا كانت تلك الهزيمة وهذا لا غبار عليه لو كان فقط سرداً للأحداث واستنتاجاً لبعض الدروس منها.
لكن ما لفت إنتباهي في خطاب الرجل ما تكلم عنه الأخ إبراهيم في مقالته هذه .
فالرجل كان كأنه يتحدث إلى الصحابة وفي زمن الصحابة مغفلأ الفارق التربوي والفكري والتاريخي بين أمتنا اليوم وجيل الصحابة.
فالرجل صحيح كان يقرأ القرآن ويذكر الأحاديث وجبدنا ساعة في الخطبة إلا أنه لم يكن يتحدث إلى الموجودين فكانت محصلة الفائدة التي جنتها الأمة في أرض الواقع صفر % إذا استثنينا إسقاط الفرض عنا بأداء الصلاة أما الأجر فعلمه عند الله.
ما أتحدث عنه من خلال هذه الحادثة ثمرة للفكر الديني المغلوط لخطبائنا ودعاتنا الذين يسعون إلى التغيير والإصلاح ويعملون ولكن لا شيء في أرض الواقع.