مراجعات النهضة والتغيير (4) منهج دراسة التاريخ

2008-6-29 | إبراهيم العسعس مراجعات النهضة والتغيير (4) منهج دراسة التاريخ

من حقِّ هذه الحلقة أن تكون الأولى، ففيها تأصيلٌ لمنهج الدراسة في قسمها الأول المتعلق بما وصلنا من تاريخنا، وصنع واقعنا. وفيها تفسير للمواضيع التي تعالَجُ فيها، فقد أدرِكُ غرابةَ موضوع الحلقة الأولى الاستبداد والدكتاتورية، وموضوع الحلقتين الثانية والثالثة نحن والتاريخ، بالنسبة لقضية مراجعات النهضة والتغيير.

ومع ذلك، فلا بأس بهذا التقديم والتأخير لأنَّه صدع العقول، ودفع إلى التساؤل وانتظار الآتي، وهذا في حدِّ ذاته ما يرغبه أيُّ كاتب، يكتب ليُقرأ، لا ليُسوِّد الصفحاتِ، هكذا جرت الأمورُ، بلا تخطيطٍ وإرادة، وربَّ رميةٍ من غير رامٍ، وإصابة من غير قصدِ.

ولا أدري ـ ولست أخال أدري ـ كيف اشتغل المصلحون بالنهضة والتغيير، دون أن يعالجوا قضايا الاستبداد والظلم ـ مثلاً لا حصراً ـ وأثرهما على الأمة! فلا عجب أن فشلت المحاولات!! ومن عجب أنك تبحث في أدبياتنا عن هذه القضية، فلا تكاد تجدها إلا فيما كتب الكواكبي!

ومن عجب أيضاً ـ والعجائب جمَّـةٌ لدينا وفينا ـ أنَّ أكثر الثورات في تاريخنا قامت وشعارها: نحن أحقُّ بالملك منكم! ومنذ أن رُفع قميصُ عثمان رضي الله عنه طـلباً لدمه، والقيم والمبادئ والحقوق والحرية والعدالة إلى آخر قائمة الشعارات، تُستخدم وعلى مدى التاريخ الإسلامي لنيل المطالب الخفية، فإذا ما تمكن رافعوها من الحكم داسوها بأقدامهم! وهكذا يدور الحال بين طالب ومطلوب، فإذا تاريخنا منذ صِفين قصة طويلة من الحروب الأهلية.

ولا أدري مرة أخرى كيف نتحدث عن التغيير، ونحن لا ندرس التاريخ كما تنبغي دراسته، فنخشى أن نفتح ملفات تاريخية لا زالت آثارها تعمل فينا إلى الآن، وستبقى تفعل ما دامت حالتنا هذه الحالة.

إنَّ مراجعات النهضة والتغيير يجب أن تبدأ من التاريخ، إذا أرادت أن تصنع التاريخ. وكلُّ مراجعة تبدأ من اللحظة أو تعود إلى التاريخ لتأتيَ به على شكل قصة، فقط لتحافظ على تسلسل الأحداث، فهي مراجعة تحكم على مشروعها بالفشل.

وكذلك، فإنَّ أيَّ حركة نهضة تخشى من مواجهة الأحداث التي صنعت تاريخنا، وانتهت بنا إلى الأزمة التي نواجهها الآن، هي حركة ترضى لنفسها أن تتعايش مع التناقض، لأنها تغضُّ الطرف عن حالة تاريخية معينة ساهمت في صناعة خطِّ الانحراف، في حين أنها تحارب نفس الحالة في الحاضر!

من أجل ذلك، فإنَّ منهجنا في هذه الدراسة يعتمد على مواجهة التاريخ مواجهة واضحة بلا أي مجاملات ولا تحفظات، وفي سبيل هذا سنناقش قضايا قد تبدو لأول وهلة بعيدة عن موضوع الدراسة، لكنها في الحقيقة هي البداية الصحيحة لكل مشروع نهضوي، يريد في النهاية تقديم رؤية لما جرى، ولما ينبغي أن يجري.

... بعد هذه المقدمة الضرورية التي فسرت العناوين السابقة، وستفسر العناوين اللاحقة، نبدأ بما كان حقه التقديم، وهو عرض منهجنا في دراسة التاريخ، كي نكون على بينة نحن ومن يقرؤوننا، خاصة وأننا واجهنا بعض النقد على نقدنا لمحطات في تاريخنا، وكأن هذا التاريخ ومن صنعه مقدس مُنزه عن المراجعة والتحليل.

1 ـ أحداث التاريخ الإسلامي ليست هي الإسلام، بل هي سلوك البشر، واجتهاد البشر، الذي قد يرتقي إلى مستوى المنهج، وقد ينحط إلى أسفل سافلين. ومن بدهيات الموضوعية أن المنهج ليس مسؤولاً عن سلوك معتنقيه.

وعليه، فلا ينبغي أن نغضَّ الطرف ونحن ندرس تاريخنا عن أحداثه ـ مهما كانت ـ حذَراً من شماتة الشامتين المتربصين! وكما أننا نرفض مناهج المستشرقين الذين درسوا تاريخنا على طريقة الصفحة السوداء التي احتوت على بعض النقاط البيضاء، كذلك فإننا نرفض مناهج بعض المسلمين الذين درسوه على طريقة الصفحة البيضاء التي احتوت على بعض النقاط السوداء!

ألا فلننته من قصة الأبيض والأسود، ولندرس التاريخ بعيداً عن إشكالية الألوان، وعن مقررات الحب والبغض السابقة، ودون ربطه بالدين، ودون تقديس لمن صنع هذا التاريخ، فهم في النهاية بشرٌ يؤخذ منهم ويرد عليهم.

2 ـ التاريخ لم يمت!

لأنَّه ليس ذلك الماضي بذلك المعنى الحدِّي الذي يفصل بين الأزمان كما هو الحال في كلام النحاة. إنه الزمن بما فيه من ماضٍ وحاضر ومستقبل، وإذا كان التاريخ يُدرس للاعتبار فإنَّ الحدود الفاصلة بين أزمانه تكاد تكون وهمية أو نظرية، فأنت تستطيع وضع الفواصل وأنت تتحدث عن الزمن، لكنك لا تستطيع وضع هذه الفواصل وأنت تتحدث عن العِبرة، وعن آثار الحدث، لأنَّ التاريخ كما نفهمه ذِكرٌ لوقائع وأحداث، والوقائع والأحداث متصلة الآثار. إنَّ التاريخ بأحداثه وشخوصه حالة ممتدة في حياتنا لا تنقطع أبداً. ولا تزال آثاره فاعلةً في تكويننا وسلوكنا.

ولعلِّي في هذه الدراسة أطرح رؤية خاصة لدراسة التاريخ، وهي أنَّ أفضل دراسة للتاريخ هي أن تدرسه في الحاضر. فإن أردتَ أن تتأكد من الذي حصل، فانظر في الحاضر وارجع إلى الماضي رابطاً النتائج بأسبابها، لتعلم من بعدُ كم أثَّر فينا هذا التصرف أو ذاك.

وبهذا لن يعود التاريخ تسجيلاً لوقائع لا علاقة لنا بها، ولن يعود دور المؤرخ تسويغ وتمرير تلك الوقائع على أساس: تلك أمة قد خلت! وهنا لن يكون التاريخ روايةَ رغبات الماضين وصوابهم وخطئهم، لكنه أيضاً أفعالنا ورغباتنا وصوابنا وخطؤنا، إنَّ كل الذي فعلوه نعيشه نحن، وكل الذي كان فيهم هو الآن فينا بشكل أو بآخر، إننا نترجم لأشخاص هم الآن تحت التراب، لكنهم فينا يعيشون. إنه تفسير لما جرى كي نفهم ما يجري، ونصنع ما ينبغي أن يجري. وإذن علينا أن ندرس التاريخ في مكونات الحاضر. ...يتبع

بالتعاون مع موقع التغيير:

http://www.altaghyeer.com


تم غلق التعليقات على هذا الخبر

عبدالرزاق عبدالله الدليمي

ان كل العلوم وان استعصت في اوقات البدء بها
الاانها فككت وركبت بطريقة علمية صرفة مثل
الذرة التي اصحبت من اخطر الاسلحة على وجه الارض0 الاالتاريخ فهو يعاني من معظلات كثيرة0
لدخول الاهواء والتطرف في جميع مناحي الحياة اليومية0 اما العلوم الاخرى فلا اهواء فيها0
لانها علوم صرفة0 فتجد فكتب التاريخ تفسيرات
كثيرة لحدث واحد0 وكل بحث يكذب ويفند الاخر0
على انه الاصوب ومعه كل الحقيقة اوبعضا منها0 فالقلةالقليلة معهم جزء منها ولايقولون انها كل الحقيقية0 وغدا ستظهر حقائق جديدة0
والسبب ان انها لاتظهر كاملتا للموءرخين 0 بسبب تشباك المصالح 0 وفي اوربا وحصوصا بريطانيا0 يتم الافراج عن بعض الوثائق التي
مضى عليها اكثر من 30 عاما0 والكثير منها
وضع تحت ( سري للغاية) قد يمضي عليها قرن اوكثر0 هنا تكمن معظلة التاريخ0 وقد عرض
الاستاذ محمد حسنين هيكل0 مجموعة من الوثائق
الامريكية0 بعض الصفحات خالية من اي حرف-
والقسم الاخر شطبت سطوره بنسبة90 % - واخري
ضاعت منها الحقيقة 0بسبب اوتحت ذريعة حماية
الامن القومي0 ومنهم من وضع يده على الجرح
وقراء مابين السطور 0 بالاستناج والتحليل 0
قد يسعفه الحظ لنشر الحقيقة0
وفي الختام تقبلوا مني فائق الاحترام والتقدير
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
التاريخ 28/1/2010
عبدالرزاق عبدالله الدليمي


صلاح البابقي

" لتاريخ لم يمت!
لأنَّه ليس ذلك الماضي بذلك المعنى الحدِّي الذي يفصل بين الأزمان كما هو الحال في كلام النحاة. إنه الزمن بما فيه من ماضٍ وحاضر ومستقبل، وإذا كان التاريخ يُدرس للاعتبار فإنَّ الحدود الفاصلة بين أزمانه تكاد تكون وهمية أو نظرية، فأنت تستطيع وضع الفواصل وأنت تتحدث عن الزمن، لكنك لا تستطيع وضع هذه الفواصل وأنت تتحدث عن العِبرة، وعن آثار الحدث، لأنَّ التاريخ كما نفهمه ذِكرٌ لوقائع وأحداث، والوقائع والأحداث متصلة الآثار. إنَّ التاريخ بأحداثه وشخوصه حالة ممتدة في حياتنا لا تنقطع أبداً. ولا تزال آثاره فاعلةً في تكويننا وسلوكنا. "


كلام بمثل هذه الروعة والإحكام جدير بترقب حلقاته ، وترقب صاحبه ..


الله يسددكم .