مراجعات النهضة والتغيير (3): نحن والتاريخ.. تجربة القرود

2008-7-15 | إبراهيم العسعس مراجعات النهضة والتغيير (3): نحن والتاريخ.. تجربة القرود

وضع أحد الباحثين خمسة قرود في قفص، وعلق في سقفه قطفاً من الموز، وتحته وضع سلماً!

قرود وموز؟! النتيجة سيحاول القرود الحصول على الموز، صعد واحد منهم إلى الموز، وما أن وصل إليه حتى بدأ الباحث يرش على الجميع ماء بارداً، وحاول آخر فتكرر سقوط الماء على البارد على الجميع، فصار إذا أراد أحدهم الصعود منعه الجميع، فإن أصر تناولوه بالضرب، فكان أن امتنعوا جميعاً عن محاولة الوصول إلى الموز.

أخرج صاحبنا الباحث أحد القرود، وأدخل مكانه آخر ـ ولنطلق عليه اسم سعدان ـ لا يدري عن الموضوع شيئاً، ولأن القرد يبقى قرداً، ولأن الطبق المفضل للقرد هو الموز، فما إن رأى هذا الغشيم قطف الموز، حتى همَّ بالصعود إليه، فقال له البقية إلى أين ويحك؟ وأوسعوه ضرباً، فلم يعد المسكين إليها وهو لا يعرف لماذا، لأن صاحب التجربة لم يعد يرش الماء على القرود! ثم بدل الباحث قرداً آخر، وحاول كما حاول من قبله أن يصل إلى قطف الموز فضربوه، والملاحظة المهمة هنا أن القرد البديل الأول، الذي سميناه سعدان شارك بالضرب، وهو لا يعرف لم ضُرِب ولم ضَرَب!

وهكذا تم تبديل كل القرود وجيء بقرود جدد لا يعرفون عن العقوبة بالماء البارد شيئاً، فلم يحاول أي منهم أن يصعد إلى قطف الموز، وكانوا يضربون كل جديد يحاول ذلك مع أن أحداً منهم لا يعرف عن أصل الحكاية شيئاً!!

... كم من القضايا التاريخية تلقناها كما هي ولم نحاول يوماً أن نراجعها، ومن حاول كان مصيره الضرب والقمع؟! مع أننا لا نعرف لم وكيف، تـقبلناها كما هي وساهمت في تكويننا، وأصبحت جزءاً من ثـقافتنا، وجزءاً من شخصيتنا. وهي قضايا تناقلها اللاحقُ عن السابق، والخلفُ عن السلف، ولم يكلف أحد نفسه أن يقوم بمراجعة لها. وأوضح مثال على ذلك مسألة الاستبداد!

فكم من الباحثين، فضلاً عن عوام الناس، يستغرب إذا علم أن تاريخنا هو تاريخ خضوع الإنسان، وليس هذا فحسب، بل وباسم الإسلام أيضاً! ومن أعجب العجب أننا نروي قصص عدول الحاكم عن الظلم بفخر، للتدليل على عدل ورحمة ولي الأمر!!

نستغرب أن هذا الاستبداد لا زال يفعل فعله في حياتنا، وأن حياتنا بما فيها نفاق، ما هي إلا صناعة هذا التاريخ الممتد، وأننا لا يمكن أن نتغير وننهض ما دمنا على هذه الأخلاق! ألم يقل ابن خلدون: "من رُمي بالعَسْف، تفنن في أساليب النفاق".

لقد تعودنا على الظلم حتى لقد رضي الأفغاني بحكم المستبد العادل!! وكأنه لم يكن يتصور الاستبداد المتوارث سقـفاً أعلى من سقف المستبد العادل! إنهم يتعجبون وينكرون كل هذا وبعد ذلك يطالبون بالتغيير والنهضة، أليس هذا عجيباً؟!

.... لماذا تضربني يا سعدان؟؟

بالتعاون مع موقع التغيير:

http://www.altaghyeer.com


تم غلق التعليقات على هذا الخبر

Firas Ghanem

خير الكلام ما قل ودل, كم تحاكي قصة السعدان حالنا الجاضر, ولا نستثنى أنفسنا منها أيضا. فالله المستعان.


شخص مسلم

إن مقالاتك يا شيخ رائعة جداً جداً أتمنى لها التقدم ولك التوفيق بارك الله فيك
ؤ