مراجعات النهضة والتغيير (2): نحن والتاريخ

2008-7-8 | إبراهيم العسعس مراجعات النهضة والتغيير (2): نحن والتاريخ

حيث يتداخل االتاريخ مع المبدأ عند كثير من الناس! يكون الكلام عنه نوعاً من الكلام في المقدس!

وعندما يكون التاريخ مجرد ماضٍ ميت، يكون مجرد حكاية! وغالباً ما يتم استحضار ايجابياته ـ وفي حالة اتحاد التاريخ مع المبدأ كله ايجابيات ـ ليكون مشجباً يعلق عليه عجز الحاضر!

.... قد تصلح هاتان الملاحظتان تفسيراً لحالة الرعب التي انتابت بعض الأحبة عند قراءته للحلقة الأولى، بسبب ما احتوته من ذكر للظلم الغالب على تاريخنا! فهؤلاء الأخوة يقولون بأن هناك تعميماً، فتاريخنا السياسي ـ كما يرون ـ لم يكن الاستبداد والظلم فيه بهذا الحجم والتعميم الذي ذكـرته! وأنني سوَّيت بين ظـلم الماضي وبيـن ظـلم الحاضر، وهذا الكلام ـ حسب رأيهم ـ سيشمت بنا الأعداء عندما يطلعون عليه ثم ـ يكملون ـ إنَّ المقالة يغلب عليها النفس المتشائم!

وتفسيري الذي سأقدمه في هذه الحلقة، ليس وقوفاً عند تفاصيل بعينها، وليس دفعاً عن وجهة نظر شخصية. فالموضوع أكبر بكثير من أن يُشخصَن، أو أن ينحصر في ملاحظة أو اثنتين.

القضية هي في كيفية تعاملنا مع تاريخنا؛ في منهج دراستـنا له، واستفادتنا منه.

وهذه قضية كبيرة، ومتشعبة، أفضل إرجاءها إلى الحلقة القادمة، مكتفياً في هذه الحلقة بتوضيحٍ منهجيٍ لما ورد في ملاحظات الأخوة.

* قصص الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين:

في القرآن العظيم تأريخ لقصص الأنبياء عليهم السلام، فيه فضلهم، وصلابتهم، وثباتهم على الحق، وتحملهم هموم الدعوة ومشاقها ... وفيه ـ أيضاً ـ تسجيل وتوثيق لأخطائهم عليهم السلام، وفيه عتاب لهم ...

ففيه قصة خطأ آدم عليه السلام؛ كيف أخطأ، وكيف تاب، وكيف تسبب خطؤه بنزول البشرية من الجنة... وفيه محاولة نوح عليه السلام التوسط لابنه، وكيف عاتبه ربه سبحانه وتعالى على ذلك ...

وفيه "لولا كتابٌ من الله سبق لمسَّكم فيما أخذتم عذابٌ عظيم" (الأنفال: 68). والمقصود فيه حبيب الرحمن صلوات ربي وسلامه عليه، عتاباً على أخذ الفدية على أسرى بدر...

وفيه غير ذلك... ومع أنَّ المرجفين والشامتين قطعاً سيطلعون على هذا التاريخ، وقد يقول قائلهم عندها منكراً مستهزئا: أهؤلاء أنبياؤكم؟! إلا أنه سُجِّـل وحُـفِظ بكل وضوح.

وعليه، فإننا عندما نصيح صباح مساء بأن القرآن منهجنا، ومرجعنا! في كل شيء، فالأصل أن يكون كذلك، وللقرآن في التعامل مع التاريخ منهج علينا إتباعه ومحاكاته في تعاملنا مع التاريخ.

إن العبرة لن تتحقق إذا تعاملنا مع تاريخنا على طريقة "... تجعلونه قراطيس تبدونها! وتخفون كثيرا ...". ولقد ضرَّ هذا الأسلوب كثيراً وما نفع، وتمت المبالغة فيه رداً على هجمة المستشرقين وغيرهم على التاريخ الإسلامي، وصار التاريخ الإسلامي يعرض بين جدليتين؛ الصفحة البيضاء التي تحتوي على بعض النقاط السوداء، أو الصفحة السوداء التي تـقف على سطحها بعض النقاط البيضاء! وكلا الجدليتين تعاني من خلل المبالغة والتعميم، على حساب الموضوعية.

والنتيجة لمثل هذا المنهجية القاتلة، أننا لا زلنا نكرر أخطاءنا، ونجترُّ نفس المآسي. ولأجل ذلك، لا زالت جهود النهضة والتغيير قصةً طويلةً من الفشل المكرر!

إنَّ الشماتة لا تضرُّ إلا الضعفاء، الذين يفهمون النقد أياً كان مصدره شماتة، بينما ينطلق الأقوياء لتنظيف حاضرهم من أوساخ ماضيهم، لتنطلق القافلة تاركةً الكلاب تنبح!

إنَّ الأقوياء لا يحاولون وضع أوساخ الماضي في الزوايا المظلمة خوفاً على نظافته! لأنهم يعرفون بأنَّ هذه الأوساخ ستقتلهم، وتلوث كلَّ النظافة.

* ظلم الخلفاء وظلم الرؤساء .. أو ظلم الماضي والحاضر:

هل ظلم الخلفاء مبرر، لأنه كان باسم الدين؟! أم هل ظلم الماضي مقدس لعلاقته بالماضي؟!

اترك وراءك عصر الرسول صلى الله عليه وسلم، مضافاً إليه عصر الراشدين، ثم ستجد أنَّ تاريخنا (ماضيه وحاضره) ليس إلا تاريخ خضوع الإنسان! هذه هي الحقيقة، ومن أزعجته وأراد غيرها، فليبحث عنها عند غيرنا، فنحن لا نبيع مخدرات. الاستبداد هو الاستبداد سواء صدر عن صاحب لحية أم عن حليق! والظلم هو الظلم، صدر عن خارج من المسجد أم عن خارج من خمارة!

* التشاؤم والتفاؤل:

بكل اختصار، إن اتهمتني بالتشاؤم، فسأرد عليك بتهمة التفاؤل! وسنقضي يومنا في كيل التهم، ولن نصل لنتيجة، فهذه نتيجة الردح، والتهم المقولبة.

إنها إشكالية الثنائية مرة أخرى، حيث تضيع الفائدة بين أرجل الهروب من مواجهة الحقائق، ليتحول كل البحث إلى سبر الحالة النفسية للمتحدث أو الكاتب .

في البحث والمراجعة، لا توجد وصفات جاهزة لوصف الأمور بالتشاؤم أو التفاؤل. هناك حقائق موضوعية، وأدلة، وبعيداً عن لون هذه الحقائق؛ أسود هو أم أبيض، فإن الحجة يجب أن تبقى للدليل.

إن الإنسان، وهو يدرس واقعه وماضيه، ليس مطلوباً منه أن يعطي الأحداث ألواناً، لأنه لا يكون في حصة رسم!

بالتعاون مع موقع التغيير:

http://www.altaghyeer.com


تم غلق التعليقات على هذا الخبر

صلاح البابقي

وطلاق بائن لك ولتخريجاتك ولواقعك المريض الذي أنشأته !

بوركت شيخ إبراهيم على مثل هذه الجرأة في نقد الأمراض بدون مجاملة ..

( اترك وراءك عصر الرسول صلى الله عليه وسلم، مضافاً إليه عصر الراشدين، ثم ستجد أنَّ تاريخنا (ماضيه وحاضره) ليس إلا تاريخ خضوع الإنسان! هذه هي الحقيقة، ومن أزعجته وأراد غيرها، فليبحث عنها عند غيرنا، فنحن لا نبيع مخدرات. الاستبداد هو الاستبداد سواء صدر عن صاحب لحية أم عن حليق! والظلم هو الظلم، صدر عن خارج من المسجد أم عن خارج من خمارة! )

أوقع معك :)


وجيه

السلام عليكم يا أستاذنا والشيخ إبراهيم المشكلة ان حالة الإعجاب بالملك العضوض مستمرة بل حتى الحركات الجهادية ليس لديها نظام دستوري اسلامي يقرر ويأطر منهاج الخليفة في الحكم بل ان الحالة اطلاقيه فالنظام هو خليفة قادة جهاد علماء فقط اي نفس النمطية السابقة في تحيد الامة عن الحكم ووصمها بأنهم عامة دهماء غوغاء رعاء وينسون ان هذه الامة فيها من طبقات العلم والثقافة الفقه القانوني والدستوري غير طبقة العلماء وقادة الجهاد للاسف ان انهيار الحكم الراشدي الذي كان يمثله الأربعة الكبار سبب لنا معتلات فكرية وبل وعقديه في نظرتنا للعدل والحقوق وحفظ المال العام من لصوص فقه التغلب والغلبة نحن امة تعيش حالة طؤاري منذ الف سنةوليس منذ ثمانين سنة فقط ففقه التغلب والغلبه صنع على يد الحاكم ليبرر جرائمه وسرقاته على انه هو حافظ الملة وبيضة الاسلام التي كسرتها صنوف الاستبداد والغلبة الغريب ان نفس احديث السمع والطاعة المطلقة لم تظهر الا بعد حكم هؤلاء الخلفاء العضوضيين هذا بعد ما تحولوا الى العتوه والجبريه ان تكتب في باب سبقك بيه الكثير من امثال الكواكبي والمنفلوطي وغيره وكلما فتحت الموضوع قالوا لك انت نظرتك مثل نظرة المستشرقين للتاريخ الاسلامي نحن نقول التاريخ السياسي للمسلمين بل حتى كتب الفقه السياسي الشرعي تخلو من كلمة حرية او التحرر كلها او اغلبها يؤيد منطق الغلبه والشوكة التي لكتنا كثيرا لهذا نحن الى الان بين المستبد الداخلى المتسلح بنظام الفقهي السياسي الشرعي المؤول وبين الاحتلال الخارجي المتسلح كما يزعم بتحريرنا ونقل الحضارة الينا وانسنتنا كما يقول والسؤال الكبير هو كيف الاسلام العظيم صاحب الرؤية القرآنية التى تقرن الحكم بالمرجعية الاسلامية و بالعدل و الكفاءة و الشورى و الرقابة المتبادلة بين الحاكم و المحكوم والذي زلزلال عروشا وحطم تيجانا وغير خرائط يتحول الى اسلام يدعوا الناس الخنوع والذل للحاكم المستبد صاحب الغلبة هناك حلقة مفقودة في العدل والحرية للمسلمين منذ مذبحة علماء الحرية في دير الجماجم الذين قتلوا على يد ابشع مستبد في التاريخ الإسلامي الحجاج يجب ان يكون بيننا وبين الفقه السياسي الشرعي المؤول طلاق نهائي وابدي لانه فقه مريض جاء لترقيع عن مرض عضال أصاب الأمة هو منطق الغلبة والاستبداد لانه فقه لا يمكن ان ينتج مسلك الحرية والعدل والحقوق ويفتقد لإنتاج أدوات التغير وفعلها الناجز