رسائل في النقد الذاتي (8) كريستينا السويدية والبحث عن نموذج

2008-5-23 | رسائل في النقد الذاتي (8) كريستينا السويدية والبحث عن نموذج

قبل عدة أيام، شاركت في الجلسة الثالثة لملتقى المرأة والأعمال، الذي عقد بمدينة دبي، تحت رعاية مريم خلفان الرومي وزيرة الشؤون الاجتماعية.

قبل بدء الجلسة الثالثة، كان هناك متسع من الوقت لإجراء حوارات مع عدد من الحضور، وكان بين الحاضرات سيدة سويدية بحثت عني لتناقش موضوع الأدوار التي تقوم بها المرأة في العالم العربي.

عرفت بنفسها قائلة اسمي (كريستينا) وأعمل باحثة سويدية، والآن أحضر شهادة الماجستير في الأدوار التي تقوم بها المرأة العربية، وأريد منك بعض المعلومات. سألتها في البداية: لماذا اخترت موضوعك عن المرأة العربية، وأدوارها اليوم وما الشيء الذي جذبك للبحث في هذا الموضوع؟!! فأجابت الفضول والرغبة في التعرف على أحوال المرأة في هذا المكان من العالم خاصة وان الصورة لدينا في السويد عن وضع المرأة العربية تكاد تكون صورة مشوشة!!

فأجبتها: هل صورة المرأة العربية وحدها المشوشة في بلادكم، أم أن صورة العرب جميعا بها الكثير من الكآبة، وأخشى أن أقول تدعو للسخرية لا في السويد وحدها وإنما في أوربا كلها ؟!! فقالت، وقد ارتسمت على وجهها ابتسامة حيية: مع الأسف الصورة المتكونة لدينا عن العرب ليست جذابة، ولا تعكس احتراما تكنه أوربا للشعوب العربية ؟!!

كان الحديث معها شائقا، وكانت صريحة وواضحة، غير أن ضيق الوقت واهتمامها بمواصلة الحديث، شجعني على أن أطلب منها مواصلة النقاش، وتبادل المعلومات عبر البريد الالكتروني خاصة وأن لدي عدد من الأوراق البحثية قد تحتاج إليها بشدة في بحثها عن أدوار المرأة العربية اليوم.

كريستينا السويدية، كانت تقول (مع الأسف)، في كل إجابة ترد بها على أسئلتي بشأن الصورة المتكونة عنا لديهم، وكانت تبتسم حياء وخجلا بشكل لافت، حتى إني أشفقت عليها، فلماذا تعتذر عن أوربا كاملة، إذا ما كانت هي قد تركت بلادها، وأقبلت بحب تتعلم العربية، وتريد معرفة بعض الحقائق عن هذا الجزء من العالم؟!!

قلت لها مطمئنة: نحن شكرك على هذا التقدير، بل الإعجاب الذي تبدينه، لكن الصورة المغلوطة، أو حتى عدم وجود صورة متكاملة هو تقصير مشترك، ولا ينبغي أن نحمل الشعوب الأوربية وحدها سبب الجهل بنا، فما لذي قدمناه نحن حتى نعرف العالم بأنفسنا على الصورة الكافية والمرضية ؟!

ما هو حجم الميزانيات والبرامج المتطورة التي تعدها السفارات الرسمية أو المؤسسات الخاصة، لتقديم صورة صحيحة، وناضجة عن هذا الجزء من العالم؟!! ما هي الأرقام المخصصة لتقديم برامج منصفة في قنواتهم، التي يحركها المال، والتي لو بادرنا بفكرة شراء ساعات بث بالمبالغ التي يريدون لكنا قد أنجزنا شيئا بدلا من التلاوم، وانتظار حدوث معجزات من السماء؟ ما هي الصحف الناطقة باللغة الانجليزية التي عملنا على تأسيسها وإطلاقها في الساحة الإعلامية في أي بلد أوربي؟

وكم أنفقنا من ملايين لاستقطاب الكفاءات الإعلامية لتشارك في التعريف بنا، وبثقافتنا وهويتنا التي نعتز بها؟ ما هو حجم الابتكار والتجديد في البرامج الموجهة للغربيين شعوبا وحكومات، وما مدى الدعم الذي تلقاه الجاليات الإسلامية في القارة الأوربية؟!

ماذا عن قدرتنا على تقديم أنفسنا كشعوب متحضرة قادرة على استثمار تكنولوجيا الاتصال في إنتاج برامج عالية الجودة تساهم في تحقيق شيئ من العدالة في نظرة شعوب العالم لنا ولهويتنا الثابتة؟ إلى أي حد استثمرنا المال في المعرفة، وجعلنا منه أداة فاعلة ومصدر من مصادر تحقيق الاستقرار ودعم أهدافنا في نشر الخير والسلام في العالم أجمع؟!!

هل فهمنا حجم التحدي القائم، ونوع الجهود المطلوبة لإصلاح المعادلة المائلة، وتعديل كفتي الميزان إن لم يكن ترجيحها لصالح أهدافنا وأحلامنا وتطلعاتنا لحياة تجلب لنا الاحترام الكامل، وتجعل منا رقما صعبا في حسابات كل الطامعين والحاقدين؟!!

ماذا عن أموال الوقف الخيري، وأموال الزكاة، وسائر أبواب البر والصدقة، وهل لدينا مشاريع لتطوير تلك الموارد واقتطاع جزء كبير منها لتعريف العالم بالإسلام وبمبادئه الخالدة؟

إلى أي حد نحن قادرون على أن نصنع الفرص التي نريد، ونعمل على إنجاز مشاريعنا بهمة لافتة، وبإيمان لا يخالطه شك في أن أقرب طريق للتعريف بالإسلام هو باستثمار المال، والوقت، والطاقات العلمية والمتخصصة لتقديم برامج ومشاريع تساهم في تعريف العالم كله بالإسلام والمسلمين ؟!!

ما يثير الإحباط، ويشيع الشعور بالخيبة والقلق المبرر، هو اكتفاء كثيرين منا بشتم الغرب، ولعنهم، ونعتهم بأقسى النعوت، وكأن هذا السلوك يكفي وحده لإيقاف كل تلك المحاولات للنيل من الإسلام وأهله. إذا كنا جادين في تقديم أنفسنا للعالم كشعوب متحضرة، تنطلق من قيم وأفكار ومبادئ أصيلة، فالمطلوب هو خطوات عملية يستثمر فيها المال والإنسان، ليساهما في تعديل الصورة وإصلاح العطب.

لا يكفي فقط أن نرمي بحمم الغضب وبراكين الاستياء من تعنت السياسة الغربية ضد مصالحنا وأهدافنا، بل المطلوب أن نتعامل معهم بلغة تتناسب وعقولهم، وحيث إن المال يمكن أن يكون لاعبا كبيرا في التأسيس لبرامج إعلامية تساعد في تقديم الإسلام على أنه دين العلم والحضارة، فالواجب الأكيد أن علينا أن ندع لغة العواطف جانبا ونستحضر لغة العقل، وما يمليه علينا لتحقيق أحد الأهداف الكبرى في التواصل الحضاري، وفق منطلقات صحيحة وأدوات قادرة على مخاطبة العالم بلغة مفهمة وببيان صحيح.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر

أبومعاذ

أتفق معك أخي أبو محمد، ولكن أعتقد أن الغرب والشعوب الغربية هي متورطة في مشكلات عديدة فالأنظمة الغربية لا تقل فساداً في سياساتها الخارجية عن الأنظمة العربية بل هي أنظمة مجردة أيديها ملطخة بالدماء ولا مجال لأي شخص غربي أن يفاخر بدولته التي أتى منها وبدلاً من أن تتحدث كريستينا وغيرها عن صورة شعوبنا المقهورة في بلادها فعليها أن تفهم أن صورة شعبها والشعوب الغربية أيضاً هي صورة أسوأ فهي صورة العنصرية البغيضة التي تزدري الشعوب ولا ترى لهم حق في الحياة الكريمة ولا ترى أنهم بشر يستحقون حتى أن يدافعوا عن أوطانهم فإن فعلوا وقاوموا الإذلال ومحاولات التركيع والإستعباد فإنما هم إرهابيون برابرة همج رعاع يستحقون الإدانة بالإجماع من ال"الأسرة الدولية".

لا يحق لتلك الشعوب الغربية أن تفخر بأنظمتها الإستعمارية ولا بثقافتها اللاأخلاقية ولا بثرواتها المنهوبة والمسروقة من شعوب الأرض

صحيح أن مشكلاتنا كبيرة ومن أهمها فقدان القيادة وغياب الوحدة فالقادة كما ذكر الأخ أبومحمد هم السبب الرئيس في تردي الأوضاع لهذا المستوى التعيس، لكن في ذات الوقت يفترض أن تتولى القيادات الممثلة في العلماء والدعاة والنخب والمثقفين زمام الأمور وتعمل على توعية الجماهير لكن هذه القيادات أيضاً تعاني من التمزق وتعددالرؤى والمشاريع الإصلاحية.


عبدالله الدوسي

تشدني كثيرا اطروحاتك ايتها النبيله, وكثيرا ما التقي معك في امور شتى وهموم متنوعه, في هذه الاطروحة وضعت يدك على الجرح , وان كان هناك الكثيرون قد طرقوا هذا الموضوع من قبل ..القضية يا سيدتي هي ان صانعي الاسترانيجيات العربية في شتى المجالات يكاد يكون لا وجود لهم .. ربما اهتموا كثيرا بالاقتصاد وزيادة الدخل القومي فقط اما قضايا مثل هذه فربما كانت في آخر الجدول, هذا ان كانوا تنبهوا لها وادرجوها .
اتفق معك مائة بالمائة بان الصراخ لايجدي والمقاطعة لا تجدي وحرق بعض السيارات لبعض الابرياء من اهلنا يعد غوغائية بحته وان كان البعض يجيرها لصالح الدفاع عن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم !! أن تحرق علم دولة كل يوم وتدوسه تحت قدمك فلن يجعل تلك الدولة تتنازل قيد أنملة عن اي قرار او سياسة انتهجتها تجاهنا حتى لو كانت تلك السياسة ظالمة , بل ربما تزيدها اصرارا على موقفها والظلم والاهانة التي تعاملنا بها بدلا من التعاطف او الاقتناع بان هناك خصما واعيا متحضرا يستحق ان نسمع له وأن نحترمه ’وهذا على مستوى الساسة, اما على مستوى الشعوب فان الاثر سيكون اكثر ايجابية اذا تصرفنا على النحو الذي ذكرت انت واكثر سلبية اذا تصرفنا على النحو الذي ذكرته انا ! صراخ وحرق اعلام وغوغائية ......الخ .
هناك مليارات تنفق هباءا كان يمكن ان تستغل في هذا الجانب الهام واستثمار اصحاب الاختصاص لوضع استراتيجية عربية شاملة ودقيقة وواضحة الاهداف . للاسف هناك ملايين تنفق لتكريس العكس بقصد او بدون قصد !!الموضوع يجب ان يكون على مستوى القرار السياسي الفردي لكل دولة وعلى المستوى الجماعي بقرار على مستوى الجامعة العربية بل لابد من ان يعم الجميع ويكون على مستوى منظمة المؤتر الاسلامي , وقدر راينا ردود الافعال الغوغائية التي قام الكثير من العامة في شوارع بعض الجمهوريات الاسلامية وخاصة في الشرق الاقصى وهم يحملون لافتات مكتوب عليها (الا رسول الله )!!
كم اتمنى لو راينا شيئا من هذا يحدث ويفعل .. وللعلم ولعلك تتفقين معي ان الامر ليس هينا وليس (سلق بيض) بل يحتاج وقتا طويلا ومالا وفيرا وكلا الاثنين متوفران .. فقط من يعلق الجرس ؟؟؟


أبو محمد

قبل بضع سنوات أتاني أخد الزملاء معجبا و قال لي حظرت خطبة الجمعة اليوم و كانت خطبة رائعة كلها كانت علي فضح أمريكا و دورها التخريبي في المنطقة فقلت له و لم العجب فأمريكا تدافع عن مصالحها و مصالح حلفائها. ثم سألته هل تكلم خطيبك عن الذين مكنوا للأمريكان قال لا و لا يمكن أن يتكلم علبهم .
و ها هو التاريخ يعيد نفسه من الأخت الكاتبة في استخدام أسلوب التعميم في لصق المسؤولبة بهذا أو ذاك بدل من تحديد المسؤولبات هل كل فرد من أفراد الأمة يتحمل المسؤولبة أم فقط الذين لهم دور مباشر بالقضية و هل لمن يسمون أنفسهم بالمثقفين الحق في التوقيع عن الأمة كما فعل أشياعهم فقادوها إلي الهلاك.
إن المنصف يجد السبب المباشر في تشويه صورة الإسلام و أهله في الغرب هو السياسات الخرقاء التي يتبعها الظلمة ثم الأعلام الغربي المتصهبن ..
لقد قال لنا أخد الأنجليز مرة إنني أجد الحرية التامة في دبي ما لا أجده في لندن و لا في باريس و لا في نيويورك
فالإزدواجية في المغايير و النفاق السياسي و العقدي هما السبب الرئيس في تشويه الصورة للأمة
هل يمكن للشخص الغربي أن يتجاهل ملايين الصور مما يسمون أنفسهم الشيوخ في شارع أوكسورد أو شارع ليفربول أو شارع بكادبلي و غيرها من الشوارع في لندن أو غيرها من المدن حتي أصبحت رائحتهم تفوح من أقصي الشرق إلي أقصي الغرب بل حتي أصبحت مضيفات الطيران تفضلن المرور بلندن لقضاء ليال حمراء مع هذه الحثالة مقابل مبالغ خيالبة
هل يحتاج الشخص الغربي البسيط إلي فلسفة معقدة حتي يفهم أن إحدي الكانتونات العربية يقودها شخص كل حباته في الخيول و أصبح يتفنن في تبجيل نفسه من استغلال الإعلام العميل و حتي بعض من يسمون أنفسهم بالعاماء
هل يحتاج الشخص الغربي البسيط إلي ديكارت ليشرح له أن أحد القادة العرب لا يستطيع القراءة إلا إذا كتب له بضعة أحرف علي الورقة
هل يحتاج الشخص الغربي البسيط إلي فرويد ليشرح له نظرية الإباحية حتي يفهم لماذا يراد جلب مادونا إلي الخليج بمالغ خبالية ليحسن صورة الإسلام و المسلمين
و هل و هل و هل
با أختي الكاتبة إذا نريد السمو نلتزم قوله تعالي إن الله لا يغير ما بقوم حتي يغيروا ما بأنفسهم
و نسمي الأمور بأسمائها و نضع الأصبع علي الجرح و لا نلف و لا ندور
و علينا بتحميل المسؤولبة للذبن لم يتحملوها