رسائل في النقد الذاتي (6) محمد يوسف ... في الصدارة دائما

2008-5-8 | رسائل في النقد الذاتي (6) محمد يوسف ... في الصدارة دائما

قدم نموذجا لكاتب العمود اليومي، صاحب الرسالة الهادفة، الذي يجمع في معالجاته ما بين الكتابة الجزلة الرصينة، والفكر المشرق الحر في معادلة هي أشبه ما تكون بالمعادلات الصعبة في زمن معقد.

محمد يوسف كاتب العمود اليومي في صحيفة (الإمارات اليوم) هو رمز ومثل للكاتب المحترف الذي اتخذ من الكتابة أسلوبا للتعبير عن أفكاره، ورؤاه للواقع والحياة.

هذا الرجل الذي أمضى من حياته أكثر من ربع قرن فارسا من فرسان الكلمة، ما زال حتى اليوم يتربع نموذجا للكاتب الذي يفتخر بانتمائه وأصالته وهويته وكل شيء جميل اعتنقه شابا، وترسخ في وجدانه رجلا خمسينيا لا يرى في غير الهوية بديلا للنهوض.

أسلوب محمد يوسف ولغته الرصينة وتحليله العميق شكلا مجتمعين هوية الكاتب التي رغم مرور الأعوام لم تزدها الأيام إلا صقلا وتهذيبا وجودة في الفكرة المنتقاة، والعرض المشرق.

هذا الرجل لا يكاد يتزحزح عن مواقفه شجاع القلب، والعقل، والقلم، وليت لدينا في عالمنا العربي ألف (محمد يوسف) إذن لساهموا في إنقاذ العقل العربي من حالة الالتباس في الفهم والركض وراء السراب.

رجل واجهته تحديات كبرى ولم يكن طريقه مفروش بالورود، أبّي النفس، عالي الهمة لا يطأطئ رأسه إلا لخالقه، ولا يعرف مراهقات القلم، أو ترهات الحرف. لم نقرأ له يوما مجاملة لشخص وجيه، أو محاباة في الحق لغير خالقه ومولاه.

نحترم هذا الكاتب الذي رغم اعترافه بأنواع التقصير والضعف في مجتمعنا إلا أنه كالطبيب المداوي يعترف بالمرض، ويشخص له العلاج، وتلك والحق يقال ضالتنا اليوم وسط الكتابات المراهقة التي تدور في فلك الأشخاص وتنسى المبادئ!!

ضاعت حقائق واغتيلت مفاهيم على أيدي هواة الكتّاب الذين يضربون في كل واد ولا تكاد تجد لهم ملامح خاصة تميزهم عن الغوغاء فهم غوغائيون في كتاباتهم، سطحيون وإن ادعوا العمق، على السفح دائما رغم ادعاءاتهم أنهم بلغوا القمة، وشارفوا على الوصول لأعلى مكان !!

تلك الكتابات المحرضة لغير ما هدف، أو الطاعنة في السن التي شاخت قبل أو تولد على صفحات الحاسوب بعد أن صار المقال يكتب مباشرة على الحاسوب وعبر الواسطة الرقمية القادرة على إيصال المقال في سرعة قياسية لا تكاد الوسائل التقليدية تضاهيها ولومن بعيد.

وسط الكتابات التي تنثر فيها الأحزان، وتجلب عن طريقها أنواع الهموم والغموم، ولا يكاد كثير من الكتاب يعطوننا حلا عمليا للخروج من فلك الواقع المر، يأتي محمد يوسف ليضع المشكلة في بؤرة التركيز، ويسجل معها رأيا حصيفا وموقفا ثابتا لنوعية الحل الذي يريد.

لا يكاد مقال واحد لهذا الكاتب العملاق أن ينتهي بالقارئ، إلا وقد وضع الحل في يده كأنه على موعد مع النجاح اليومي في كتاباته المتوالية كزخّات المطر في يوم صائف.

ولأن القيظ شديد في بلاد العرب، ولأن القلوب حزينة في هذه الديار، فالعاقل منا هو من يساهم في تخيف أنواع اللهب الحارقة، والأريب منا من لا يكتفي بالوصول للإعلام بل للانطلاق بالمجتمع من منصته الخاصة، ومساحته الشخصية وهكذا فعل الفارس محمد يوسف بامتياز.

علاقتي معه علاقة قارئة بكاتب، وفي الفترة التي كنت أحرر فيها زاويتي اليومية في البيان (من دون عنوان) كان الرجل متوقفا لفترة عن الكتابة، ولا أذكر أنني زاملته في عمل، أو تحدثت معه يوما من الأيام إلا مرة واحدة طلبت فيها رقم هاتفه لكي أشكره على حملة قام بها من أجل الغلاء، وقد كان الرجل كعادته مفتشا في جذور الجذور باحثا عن الأسباب الفعلية لأزمات الغلاء التي تلاحق الناس دون رحمة.

علاقتي إذن بالرجل ليست شخصية، ولكنها علاقة قارئة تحترم صاحب الفكر المشتغل بقضايا الأمة، والمجتمع، ثم من زاوية أخرى وجدت في تسجيل شهادة بحقه واجبا كبيرا لا بد من النهوض به لتعريف القارئ الكريم برجل تعد طريقته في الكتابة مدرسة كاملة تساعد القارئ على الفهم الصحيح للإشكاليات التي يقرأ عنها هنا وهناك، ولعله وسط تفاوت الأساليب الكتابية يزداد حيرة بدل أن يصل لإجابة صحيحة وصادقة.

أقول وسط الضبابية التي يعاني منها بعض كتاب الأعمدة اليومية يبزغ نجم محمد يوسف بقوة، حيث لا يتحدث الرجل إلا فيما يعلم، لذلك تأتي كتاباته وقورة تكتسب قوتها من قوة فهم صاحبها لما يقول، وما أكثر من يكتب وهو لا يدري عما يتحدث لكنها مساحة تركت له فصال فيها وجال.

ولعله خلف وراء صولاته الطائشة جراحات المشاعر، ووخزات العقول وآلام الضمير لقارئ غيور وضع ثقته في غير محلها فناء بثقل كان أولى أن لا يسقط على كاهله أبدا!!

إن الكاتب الجيد هو الذي يحيط فهما بالموضوع الذي يتناوله، ثم هو لا يتردد في ذكر رأيه في الحل والخروج من الأزمة التي يتعرض للحديث عنها وأعتقد أن هذا الجزء من دور الكاتب محمد يوسف في كتاباته الرائعة هو الجزء المفقود لدى عدد كبير من كتاب الأعمدة، وحتى أولئك المشاركين بتحليلاتهم السياسية لقضايا الساعة في صفحات الرأي بالصحف العربية.

قلة قليلة من الكتّاب الذين تتلمس في كتاباتهم فهما للعلاج واستيعابا لقواعد وأسس التغيير وفق آليات محكمة، وضوابط دقيقة يكون فيها الشارع العربي لاعبا لا يمكن تجاوز دوره، أو اختراق حقوقه المشروعة. محمد يوسف يخاطب كل قارئ على حده وكأنه ما كتب المقال إلا لهذا القارئ فقط لذلك نجد اهتمام القراء بعموده اليومي.

شخصيا أقرأ عمود محمد يوسف في وقت مبكر من صباح كل يوم، وقبل الشروع في أي عمل، رغم أني أرجئ قراءة أي صحيفة حتى منتصف النهار لانشغالي بأعمال فكرية تتطلب التركيز الشديد، لكن مقال الرجل يفرض نفسه لأستعجل قراءته، ولا أخفي حاجتي لأقرأ لكاتب أعتقد فيه الخير، وأتوسم فيه الصلاح فالكتابة الهادفة زاد للقارئ وأي زاد.

من مقالاته الرائعة، ذلك المقال عن ميلاد المصطفى عليه الصلاة والسلام يوم ذكرى المولد، حيث أظن أنه أبكي الآلاف، وهو يتحدث عن حنينه لرجل لو كان حيا بين ظهرانينا لمسح على صدور حزينة، وخفف عن قلوب ترتجف غضبا لظلم وقع على أصحابها، ثم هم لا يجدون بين الناس نصيرا.

هذا الكاتب الفذ لم يخجل يوما من اعتزازه بالعروبة، وافتخاره بها، وفي حين يرطن بعض كبار العاملين في الصحافة، ويتشدقون بلغتهم المستوردة نراه فارسا يمتشق سيفه، يسّفه على المفتونين بثقافة الغرب أفكارهم ويلقنهم دروسا في الكرامة هم بأمس الحاجة إليها.

محمد يوسف كم مرة فتحت ملفا غاب عن فهم سواك، وكم مرة كتبت عن قضايا يشهد الله أنها من صلب حاجات الأمة. لك كل الاحترام والدعاء بمواصلة الرحلة الناجحة، والواثقة التي خطوت خطواتها الأولى على صفحات جريدة الاتحاد الإماراتية، والتي لم تتوقف حتى لحظة كتابة هذه السطور. بارك الله بقلمك ونفع بك إلى يوم الدين.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر