آخر الأخبار

رسائل في النقد الذاتي (5) صبرا أيها المعلمون

2008-5-1 | رسائل في النقد الذاتي (5) صبرا أيها المعلمون

شاء الله تعالى أن تكون مهمة التعليم من المهام التي تتطلب مواصفات ذهنية ونفسية خاصة لكل من يشتغل بها، الأمر الذي يدل على أهمية التفات العاملين بهذه المهنة السامية إلى ذواتهم، واهتمامهم بتطوير صفاتهم وصقل مواهبهم، وتفقد مخزونهم النفسي، والذهني والعاطفي، ومدى قدرة ذلك المخزون على مساعدتهم في إنجاز مهامهم الحضارية.

في عالمنا العربي، حيث يفتقد المعلمون إلى كثير من وسائل الدعم ومقومات تطوير أدوات المعلم، يصبح المعلم في حاجة ماسة إلى أن يتفقد داخله، ويفتش عن طرق ووسائل يجود بها أداءه، فينعكس ذلك على طلابه الذين يحرزن تقدما في الغالب، يتناسب وتقدم المعلم نفسه في بناء منظومته المعرفية.

هذا التناسب المطلوب والعادل بين الجهد المستمر الذي يبذله المعلم ليضمن بقاءه في مركز الصدارة، وفي المواقع المتقدمة بين صفوف العاملين في التعليم، وبين مستوى تقدم الطلبة الذين يتولى تعليمهم، مسألة تحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى لوقفات هادئة، يتم فيها مراجعة مخرجات التعليم من زاوية مدى النمو الذي يحققه المعلم سنويا، سواء كان في طريقة تعليمه، والأساليب التي يلجأ إليها، ومدى فاعلية تلك الأساليب، أو سواء قيس مستوى فعالية المعلم بطبيعة الجهد الذي يبذله مع نفسه ليحقق التقدم العلمي المطلوب، فيكون الشخص الذي تتوفر فيه شروط ومواصفات المعلم الفعال القادر على صياغة عقول طلابه، وفقا لمتطلبات صناعة الطالب المنفتح على قيم التعلم المستمر، القادر على استكمال رحلته العلمية، بمستوى من الثقة بالذات والرغبة الجادة في التحصيل.

وبعيدا عن الحديث عن الأعباء التي ترهق كاهل المعلم، أو الحوافز الضعيفة التي لا تكاد تتوفر في الميدان إلا بنسب ضئيلة وبصورة لا ترضي الطموح، أقول بعيدا عن كل هذه العقبات التي يعلمها الجميع، ما زال الإصرار على المعلم الفعال، مطلبا حضاريا لا يمكن إسقاطه، بغض النظر عن أي تبريرات.

جايسون كامرس، المعلم الحائز على جائزة معلّم السنة على الصعيد القومي للعام 2005م، قدم صورة متميزة للمعلم الفعال الذي تستهويه العقبات، لأنه يريد أن يضع بصمته الخاصة في مكان هو بالعادة طارد للكفاءات التعليمية. تخرج جايسون كامرس من جامعة بريستون بالولايات المتحدة ليولي بعد ذلك وجهه شطر التعليم باحثا عن الظروف الصعبة ليضع فيها بصمته التي يريد.

وحسب موقع (us info)، بدأ التعليم في مدرسة سوزا برعاية منظمة "علِّم في سبيل أميركا" (Teach for America)، وهي منظمة قومية غير ربحية، توظف خريجي الجامعات المتفوقين، وتطلب منهم الالتزام بالتعليم لمدة سنتين، إما في مدرسة في منطقة فقيرة مزدحمة وسط إحدى المدن، أو في مدرسة ريفية في تجمع سكاني فقير، حيث كثيراً ما يصعب ملء وظائف التعليم.

وعندما انقضت فترة السنتين، بقي كامرس في مدرسة سوزا ولم يغادرها إلا في السنة الدراسية 1999-2000، لنيل شهادة ماجستير في التربية والتعليم من جامعة هارفرد في كامبردج، بولاية ماساتشوسيتس.

ذهب الرجل ذو الملامح المغايرة للأميركيين السود، متخلصا من أي عقدة أو شعور بالفوقية على الآخرين، وانضم للهيئة التعليمية بمنطقة غالبيتها من السود.

لم تمض إلا فترة وجيزة حتى حاز الرجل على جائزة معلّم السنة على الصعيد القومي، وسلمه الرئيس بوش جائزته الكبرى في احتفال أبصر فيه مئات الألوف من المعلمين في الولايات المتحدة، كيف أن القبول بالتحديات يصنع فارقا حقيقيا، لا يمكن الشعور به ضمن البيئات التي تتوافر بها كافة عناصر النجاح.

وعن سبب اختياره لمدرسة للطلبة الأميركيين من أصول افريقية، يقول: "أنا أعتقد أن التعليم هو حجر زاوية الفرص في هذه البلد، وهناك عدد كبير جداً من الأحداث، بالأخص من تجمعات السكان ذات الدخل المحدود، الذين لا تتوفر لهم فرصة الحصول على تعليم ممتاز ويتم حرمانهم بالتالي من الفرص. وهكذا، قررت في مرحلة مبكرة من حياتي أنني أود أن أكون جزءاً من عملية نشر تلك الفرص وإيصالها إلى جميع الأحداث، وهو أمر أعتقد أنه حق يكتسبونه بالولادة".

قلب جايسون كامرس المعادلة، وأصلح الصورة الضبابية، ووضع كلمات جديدة في سفر النجاح، معلما من معه ومن سيأتي بعده، أن مهنة التعليم تحتاج لنفس مشرقة حتى في ظل العتمة، منتجة حتى ولو لم تكن الظروف مواتيه، قادرة على المنافسة مهما كانت البيئة المحيطة بيئة قاحلة.

تخلص الرجل من عقدة الشعور بقلة الحيلة، ومن عقد أخرى كانت كفيلة أن تنزع من روحه رغبة الانطلاق في تسجيل أهداف في مرمى زهد فيه اللاعبون، ومضوا ولا هم لهم إلا الزحام على الأهداف السهلة المنال.

هذه الروح المنطلقة والواثقة بأنه بإمكانها تحقيق نجاح استثنائي، لا شك أنه ينبغي أن تتوفر منها نسخ بعشرات الآلاف بل بمئات الآلاف في عالمنا العربي المتنامي الأطراف، حيث تضعف مخصصات التعليم عن مثيلاتها في الدول المتقدمة، ويغدو تسجيل أهداف حقيقية وتحقيق نقلات نوعية للطلبة والطالبات، أمرا عسير المنال.

في قصة هذا المعلم الحائز على جائزة معلم السنة على الصعيد القومي في الولايات المتحدة الأميركية، ثمة دروس نحن اليوم بأمس الحاجة إليها، لكي نستلهم من التجارب الناجحة رؤاها، ونقرأ زوايا جديدة في سفر النجاح التعليمي، كتبه معلمون قبلوا بالتحديات، بل بحثوا عنها.

وإن كان المعلم الأميركي وجد شريحة من الطلاب في بلاده مظلومين ولا تتوفر لهم البيئات التعليمية المثالية، فنحن في عالمنا العربي، تتسع رقعة التحديات التي تعرض للمعلمين، والتي ننتظر أن يتخطوها بنجاح، فيضعوا بصمتهم ويسجلا أهدافا نوعية، تعيد الثقة لزملائهم في الميدان، وتلهم الأجيال الجديدة قصصا ودروسا في العطاء النوعي الذي يستحق أن يشار إلى صاحبه بالبنان، بل ولأن يستلم تاج التعليم وصولجان الحكمة التربوية.

على الجانب الآخر من الحديث، وعلى ضفة من ضفاف ذلك الشاطئ المترامي الأطراف، والذي تنتشر حوله وفي أنحائه مدارس حكومية مختلفة، نجد صورا بعضها مشرق ومفعم، بما يجلب الشعور بالرجاء، وبعضها يبعث على الرثاء، ويثير المخاوف بشأن ضعف مخرجات التعليم التي ما زالت تكبد الأمة كثيرا من الخسائر على كافة المستويات.

مما يبعث على القلق، تنامي روح الضجر والتأفف والشعور بالإحباط لدى فئة من العاملين في الميدان، الذين يطيلون الوقوف، بل وربما تسمّر بعضهم أمام التحديات، ففقد شجاعته وإشراق قلبه يوم أن كان طالبا في كلية التربية، يحدث النفس عن قرب النزول لميادين التعليم معلما جديدا وفارسا ينضم لقافلة الفرسان.

يتساءل أحدنا حين يرى انطفاء الحماس لدى فئة من التربويين، وشعورهم بأنهم يحرثون في البحر أو يجتهدون في قبض الريح، كيف تحول الحماس والرغبة العارمة في العمل الجاد إلى نوع من الشعور باليتم في واحة وجدوها وقد جف منها الماء، وتوشك على حرق آخر ما لديها من أشجار؟!!

كيف حدث هذا النزول السريع لمستوى الطاقة الإيجابية، وكيف يفقد الإنسان إيمانه بقيم عليا آمن بها يوما، على أنها إحدى الثوابت التي لا يمكن التنازل عنها مهما قست الظروف وتغير الحال؟!

ثم ماذا عن إدمان الشعور بالقهر والظلم، وسائر منظومة التشكي والبكاء، وهل بعد مرور سنوات من التصالح مع تلك المشاعر السلبية والقبول بها يمكن للمرء أن يستعيد عافيته النفسية، والشعور بأنه يستطيع أن يكون رقما صعبا في بيئة تتحداه وتستفزه ليقدم أقصى ما لديه، ويبذل ما هو أهل لبذله؟!!

لعل تلك الشريحة المحبطة من المعلمين غفلت عن سنن أخرى للنجاح، وفاتها في زحمة مشاعرها السلبية، أن تسأل نفسها السؤال الأكبر: هل تجدي مشاعر الغضب السلبي في إحداث نقلة نوعية لصاحبها، وهل سمعوا عن بصمة مؤثرة لشخص مثقل بمشاعر القلق والضيق والتبرم بالحال؟!!

ما الذي يحصده الفرد الذي يتدثر سنوات طويلة بلحاف الشكوى المر، دون أن يترجم غضبه لفعل رائع وأداء رصين، يعبر عن ثقة بالنفس وشعور رفيع بالمسؤولية تجاه الأجيال القادمة التي تبحث عمن ينير لها الطريق ويرسم لها خطوط الأمل القادم في لوحة من حروف، تتلألأ بضياء من نور الإيمان وعبق الصدق في القول والعمل؟

لماذا يغفل بعض التربويين عن نوعية الشراكة القائمة بينهم وبين طلبتهم، وينسون في زحمة مشاعرهم السلبية أن الطلبة والطالبات لا ذنب لهم، إن كانت رواتب المعلمين لا تتناسب وجهدهم المبذول؟

نعم هناك غبن واقع على فئات عريضة من العاملين في التعليم، لكن الوهن والضعف والشعور بالهزيمة النفسية، معان يجب أن لا تكون سيدة الموقف، لأن تلك المشاعر السلبية إذا ما استمرت زمنا طويلة، فإنها ستتحول إلى منهج في السلوك، بعد أن صارت منهجا في التفكير، ومن الصعب أن يخدع الإنسان نفسه، ويقول سأظل مبتسما معطاء قادرا على ترك البصمة التي أريد، بينما أعاني من الشعور بالتمزق الداخلي والتشظي وشعور مزمن بالقهر وقلة الحيلة!!

ضدان لا يستويان زمنا طويلا، وإن كان المرء ولا شك سيتأثر بالبيئة من حوله، فذلك يجب أن لا يكون ديدنا ونهجا في التفكير، بل غلبة التفكير العملي والتركيز على طبيعة المهام الثقيلة المكلف بها المعلم والمعلمة، ستكون هي حجر زاوية التغيير، حتى ولو لم يشعر المعلم بها في الزمن الوشيك؟

إن البناء بطبيعته حتى يظهر ويكتمل يحتاج إلى صبر طويل ونفس لا ينقطع بصاحبه عند أول عقبة، بل هو مجاهدة النفس وتسليتها يوما بعد يوم وكما قال بشر الحافي: إن الدنيا مفاوز وإنما تقطع بالصبر، وقريبا منها كلمات كان يرددها ابن القيم رحمه الله.

وبشر وابن القيم وغيرهما، إنما هما معلمان، أولهما بالسلوك الصريح، والثاني، أضاف مع مواقفه الثابتة تلك الكتب التي جاوزت صفحاتها عشرات الآلاف، وتركت ميراثا خالدا يشهد لصاحبه بالصبر الجميل، ومقاومة أي شعور بالإقلاع عن طريق تعليم الناس وإرشادهم.

لا يختلف عاقل على أن أولئك الذين تركوا بصمتهم في ميادين الحياة تصالحوا مع فكرة إتقان المهام والواجبات على أحسن صورة وأكمل وجه، بغض النظر عن المعيقات التي لا شك أنها جزء من طبيعة الحياة الكثيرة التفاصيل.

تلك الفكرة العظيمة التي سيطرت على كبار المؤثرين، والتي جعلت من الصبر الجميل الذي لا شكوى فيه أو ضيق أو تبرم إلا في أضيق الحدود، هو الوقود الحقيقي الذي غذى تلك النفوس الخلاقة، ومدها بالطاقة الإيجابية الكافية لإنجاز مهامها على أكمل وجه.

أقول تلك الروح التي ساهمت في الدفع بمسيرة الحضارة الإنسانية إلى الأمام، نحتاجها اليوم، ونتطلع لأن يكون المعلمون هم الأوفر حظا في فهم تلك المعاني، التي لا غنى عنها هذا إذا كنا جادين في سيرنا نحو الصدارة.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر